ﭭنجو

19/07/2016 - 10:46:49

ستيفان ميلياد - ترجمة: عاطف محمد عبد المجيد

ورأسه مقلوب من السعادة أسفل مروحة السقف، كان يحتسي قهوة ساخنة. كان يحب أن يجد هذا الفندق مرة أخرى. وكان هذا هو منزله هنا، عربته المتنقلة المربوطة في الأرض.
كان يُسمى ﭭنجو. كان يأتي مع أن أحدا لم يكن ينتظره، كان يُبرز على وجهه تعبيرا دقيقا لرجل تم استدعاؤه، ويرد بكل هدوء: "أنا قادم".
***
ها هو ذا ﭭنجو قد وصل إلى "جراند بالْكون" منذ أسبوع فقط. الطقس حار، أنا أجلس على سريره. شَعري ثقيل. أعصر منشفة من الإسفنج على خدي. بالكاد تخرج المنشفة من عملية التنظيف، وهي لا تزال ساخنة. أشعر أني لا أزال على قيد الحياة، لكن ليس هنا تماما.
لقد رحل منذ ربع ساعة بالتحديد. مقابلا إياي في الممر، استودعني مفتاحه بابتسامة، ككل يوم، ثم هبط السلالم كي يذهب ليحتسي فنجان قهوته الثاني في الرواق. ﭭنجو يعشق القهوة. أمس شرح لي أن قهوة الغرفة وقهوة المدينة تختلف إحداهما عن الأخرى اختلافا كثيرا. "مسألة ضوء".
في كل طبقة قماشٍ تنطوي على طبقة أخرى، أنظر عبر النافذة. يسير في الميدان، ثم يجلس. دائما على الكرسي وفي أغلب الأحيان على الحافة. أدْرسه وأنا أرتب السرير، أعتاد عليه شيئا فشيئا، قليلا كما لو كنت أحتضنه عبر النسيج. أتساءل هل ينام كما يجلس، على الحافة؟
***
كل صباح، وقبل أن يخرج من غرفته، كان ﭭنجو يُمسك بوسادته بكل رقة بين الإبهام والسبابة ويقلب أحد أركانها البيضاء ناحية الداخل. كان يود أن يترك دليلَ صداقةٍ لـﭼاليلا التي كانت تجيء لترتب غرفته. كان هذا بمثابة وضع علامة على صفحة لجذب الانتباه إلى...
- ... إلى ماذا؟
لم يكن ﭭنجو يعرف كيف يجيب عن سؤاله الخاص، كان يروح يضحك بخفة من نفسه.
***
ذهب جسده ليحتسي القهوة، لكني أعرف جيدا أن الحياة أكثر تعقيدا من هذا، أعرف أن جزءا منه لا يزال موجودا على مقربة مني، أعتقد أن الناس يرحلون في حين أنهم يُقْبلون نحونا في الواقع. أعرف هذا النوع من الأشياء منذ كنت فتاة صغيرة.
على سبيل المثال، وأنا في سن العاشرة كنت أخمن دائما أين يوجد الناس بالفعل. كنت أتظاهر حتى بأنني على خطأ، حتى لا أجرح أحاسيسهم.
***
كان ﭭنجو يُحرك ملعقته في الفنجان. كان يحب كثيرا مشاهدة القهوة وهي تتحرك تحت أنفاسه، جاعلا إياها تصل إلى حد الفيضان. في ميدان "كابيتول" كان الناس يتقابلون، يتجمعون، يتفرقون. كان ﭭنجو يبتسم. يبدو له أن الناس يشبهون ملاعق تُحرك ضوء الصباح. لبرهة قصيرة، فكر في المروحة أسفل السقف. كان الميدان، كريشة من رِيَشها، يدور حول رأسه.
***
ﭭنجو يرتاب في الحياة. رأيته يسير في كل بقعة داخل الفندق. لا أعرف أبدا إن كان سيحدث أمر طاريء، أم وجد هو مشقة في الانتظار. هو متقلب المزاج وبسرعة، أحيانا يبدو وهو يريد أن يغوص في الأرض، وفي لحظات أخرى أشعر أنه متأهب للتحليق راقصا أعلى الأسقف. حين ينظر إلى الأبواب، لا أعرف هل يُعاين الخروج أم الدخول، أهو متأهب للرحيل، أم ينتظر ما سوف يحدث.
***
ما كاد ﭭنجو يصل إلى الفندق، إلا وشرع في تفحص الأرض والجدران بدقة متناهية. في أقل من ربع الساعة، كان قد سجل في رأسه الموقع المضبوط لكل باب ولكل نافذة. بدقة جاب الممرات، طابقا طابقا، وبعد حساباته، كانت هي تستطيع أن تصل إلى 266 دخول مختلف.
كان ﭭنجو يحلم بأن يُصغي إلى الريح وهي تندفع في كل هذه الكُوات في الوقت نفسه. ستكون هذه هي رائحتها هي، وسيستحيل الفندق إلى أرغن قابل للسُكْنى، كي يحتفلا بلقاءاتهما. لقد رغب في أن يحكي كل شيء لـﭼاليلا.
***
قبل أن يخرج من الغرفة، سأطوي الجانب الآخر، الأُذن البيضاء الأخرى. حين سيعود ﭭنجو في المساء، أيا ما كان الذي وصله من الجانب الآخر، سيبتسم لمدة ثانية، وأنا آمل أن تدوم هذه الثانية طوال السهرة. أحب كثيرا هذه الإشارات المتبادلة فيما بيننا. أُحبه كثيرا، هو، على وجه الخصوص. لا ينظر إلي بعينين تجعلانني ألتصق بالأرض بنظرة تمزق جلدي من أجل أن تشقه حتى يسيل دمي.
ﭭنجو يحب نظرة أخرى. حبه موضوع على الكومودينو، فيما تنتظره هي أيضا، لكنها نسيته. ورغم ذلك تناديه دون معرفة. سوف يأتي. يأتي.
غدا سأكتشف من أجله إشارة جديدة. مثلا، سأترك له كوب ماء مملوء. ﭭنجو سيفهم. سيشرب.
***
بعد الظهر، كان ﭭنجو قد عاد مبكرا جدا. كانت ﭼاليلا لا تزال تؤدي عملها في الغُرَف. قَرب وجهه من مروحة السقف، كي يخنق الكلمات في مواجهة رِيَش المروحة، وكذلك الإشارات التي كان يمكن لها أن تجيء. لم تستطع ﭼاليلا أن تتحدث لوقت طويل. يحيط وجه الفتاة براحة يده. دون أن يُعانيا من الحاجة إلى تفسير، يُطيلان قليلا لحظة التوهج هذه، حديثَ المنافي المعقود بين يد ووجه يعيش كلاهما حالة الوحدة نفسها.
***
لقد تجرأتُ على أن أمسك بيدي صورة المرأة التي على الكومودينو والمطوية تماما. تجوبها النتوءات، وتنبض كورقة شجر. باغتني في تلك اللحظة، لكن لم يبْدُ عليه أنه في حالة ضيق. بدقة، ابتسم بكل هدوء.
- لهذا السبب، قرأتها كثيرا، هذه الصورةَ، هل تفهمون؟
حينئذ، لدي رغبة في أن أقدم له تذكارا يخصني. سيكون هو الوحيد الذي يعرفه، من هذا الجانب للبحر.
- نعم. حين كنتُ صغيرة، كنت ألعب أنا وأختي الكبيرة لعبة قراءة الأشياء. كنا نُمْسك بشيء في أيدينا، ثم نجعله يتكلم، معتبرين إياه ككتاب أمامنا بالضبط. كنا نقرأه بصوت عالٍ، حتى أننا كنا نعطيه عنوانا. حينئذ، نعم، أنا أفهم الصورة.
***
يبتسم ﭭنجو لـﭼاليلا. لقد أدرك أنها كانت ترغب كثيرا في أن تشعر، من جديد، براحة يده وهي تلمسها وتحيط بها. ثبتت ﭼاليلا صورة المرأة التي كان ﭭنجو يحبها. كان هناك شيء ما من التيقظ في طريقة إمساكها بها، حتى أنه اعتقد أنه يرى الورقة تنتعش، وأن الحياة تدب في البورتريه. كما في طفولتها، جعلت ﭼاليلا الصورة تتكلم.
أصابعها الدقيقة كرأس من ماس، وهي تقرأ كانت تركض على الورقة وتحكي قصة حب لم تكن تخصها.
***
أزاح ﭭنجو رأسه إلى الوراء أسفل مروحة السقف كي يستمع إلي وأنا أقرأ الصورة. غير أنني كنت أرغب في أن يقرأني، أن يقرأني بيديه، بعدها يكتشفني مرة أخرى ويتفوه بي داخل أغطية السرير.
***
قبيْل الرحيل، حين كانت تضع يدها على مقبض الباب، تلفظت ﭼاليلا باسم الصورة.
ـ إنها تُسمى "أنا قادم"... وأنا، ماذا أُسمى؟
تظاهر ﭭنجو بعدم الفهم، وبعدم رغبته فيها. كانت ﭼاليلا تريد أن تُصْفِق الباب.
***
غدا مساء، سأوقف مروحة السقف بضربة واحدة، دون أن أخبر أحدا. سأقول له:
"أرغب في أن أشعر بيدك على بطني، وأن تقرأني بفمك".
سينتفض ﭭنجو، ستجحظ عيناه وسأتسرب لألتصق به وأنا أغرق في مفاجأته.
ـــــــــــ
شاعر وقاص ومؤلف روايات للشباب، ولد عام 1964 ويعيش في باريس. له أنشطة أدبية متعددة، ومن مؤلفاته: فتاة ذات شمسين، لقاءات سحرية، قصر إلسا، مَلِكة المراكب البرية، حديقة إيميلي.