مصطفى عبد الرازق في أوروبا

19/07/2016 - 10:45:57

د. سامي السهم - كاتب مصري

الشيخ مصطفى عبد الرازق من مواليد قرية أبو جرج مركز بني مزار، بمحافظة المنيا، سنة 1885 على الأرجح. وهو من عائلة واسعة الثراء، ذات صلة وثيقة بالأزهر والتعليم الديني، عُرفت بعائلة القضاة؛ نظرا لاشتغال عدة أجيال منها بالقضاء. وهو شقيق علي عبد الرازق مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، الذي أثبت أن الخلافة ليست أصلا إسلاميا، إنما هي مجرد نظام سياسي ارتضاه المسلمون الأوائل بحسب مقتضيات ظروفهم.
تلقى الشيخ مصطفى عبد الرازق علومه الأولية في كُتاب قريته، ثم تابع دروسه بالأزهر، حيث تتلمذ على الإمام محمد عبده، وكان من ثمرة ذلك أن تفتح عقل التلميذ على الثقافة الغربية، وكان هذا عكس المناهج التقليدية لدارسي الأزهر وقتها والتي اتسمت بالرفض لأية ثقافة تتعارض مع الثقافة الإسلامية. حصل على شهادة العالمية 1908، وتابع محاضرات مدرسة الحقوق قبل إنشاء الجامعة الأهلية، ثم انتُدب للتدريس بمدرسة القضاء الشرعي، ثم انتمى إلى جمعية علماء الأزهر التي كانت تنافس المدرسة. وبسبب أزمة، استقال من التدريس بمدرسة القضاء الشرعي في 1909، وسافر إلى باريس في يونيو 1909 لتعلم اللغة الفرنسية، وأمضى هناك ثلاث سنوات متتابعات عاد بعدها في يوليو 1912 إلى القاهرة. وقد كانت هذه السنوات ذات تأثير هائل في حياة شيخنا حيث تعلم الفرنسية وآدابها، كما حضر دروس الفلسفة وتاريخ القانون وفلسفته وعلم الاجتماع على دور كهايم، ثم دُعي لتدريس الشريعة الإسلامية في جامعة ليون 1911، مع إدوارد لامبير، وحضر في جامعة ليون دروس تاريخ الفلسفة مع جويلو، وتولى هو تدريس اللغة العربية مكان مدرسها الذي تم انتدابه للتدريس في الجامعة المصرية. وفيها كتب رسالته للدكتوراه عن الإمام الشافعي، أكبر مشرعي الإسلام 1914، واشترك مع المستشرق الكبير لويس ماسينيون في وضع كتاب التصوف الإسلامي، وشارك ميشيل برنار ترجمة كتاب محمد عبده "العقيدة الإسلامية" إلى الفرنسية. وفي فرنسا جمع الشيخ إلى ثقافته العربية الإسلامية، الثقافة الغربية، فلاءم بعبقرية نادرة بين التراث والمعاصرة، أو بتعبير إبراهيم مدكور :"قرَّب الأزهر من السوربون".
وقد مُنح شيخنا رتبة البكوية من الدرجة الثانية في 2 فبراير 1937، وفي 1941 مُنح رتبة الباشوية. ولكنه تنازل عنهما عقب توليه مشيخة الأزهر في 27 ديسمبر 1945 عقب الشيخ محمد مصطفى المراغي، باعتبار المشيخة درجة أرفع من تلك الرتب.
وتم انتخابه رئيسا فخريا للجمعية الفلسفية المصرية، التي أصدرت له عام 1945 كتابه "فيلسوف العرب والمعلم الثاني"، والمقصود بهما الكندي والفارابي.
ويجمع كل من تكلم عن الشيخ على تميزه بفضائل أخلاقية عالية، لخصها عبد الرحمن بدوي في وصفه له بالإنسان الكامل.
سجل الشيخ مشاهداته في باريس ولندن في "مذكرات مسافر" التي بدأها في يونيو 1909 عندما سافر أول مرة وكان "يومئذ فتى لم ير ما وراء القاهرة من جهة الشمال". وفي السفينة يسجل شيخنا مذكرات تنطق بتسامحه الديني، وبأنه ـ رغم نشأته في بيئة دينية أصيلة، وتعليمه الأزهري ـ ذو عقلية متفتحة، ونفسية منبسطة، ومزاج غاية في الاعتدال.
كان يستسيغ رقص النساء على أنغام الموسيقى، فيصف حال السفينة بأنها، وإن لم ترقص، "فقد رقصت فوقها قدود هيفاء ترسل حركاتها الرشيقة مسايرة للأنغام الموسيقية. تنساب تلك الأقدام اللطيفة هفافة متراوحة الخطا، مسرعة مبطئة، فيرتج بعض الجسم ارتجاجا خفيفا، وتميس الأعالي، كصدور العوالي، ثم يحمي الوطيس، وتتعالى نبرات الموسيقى نغما سريعا متواصلا فكأنما تلك الأسراب طيور، وكأنما تلك الوجوه الشفافة شعلة من نار ونور، وكأن بدورا تعانقها بدور، وكأن الأرض والسماوات تمور".
ويربط الشيخ بين هذا الرقص وبين ما يحدث في بلده من حلقات الذكر "بدفها ونايها"، وحفلات الزار "بطبلها وغنائها"، فيجدهما رقصا حلالا في بلاد الإسلام. ويعتبر فتاوى بعض رجال الدين من المتشددين بمنع الرقص الأفرنجي أنه "سد المنافذ على ما في الطبائع". فالرقص عند شيخنا من طبائع الجسد والنفس، ومنعه هو ضد هذه الطبائع. إنه موقف فكري لا يصدر إلا عن شاعر فنان.
ويصف باريس وصفا لا يصدر إلا عن عاشق؛ فباريس "جنة فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فيها للأرواح غذاء وللأبدان غذاء، وفيها لكل داء في الحياة دواء، فيها كل ما ينزع إليه آدم من جد ولهو، ونشوة وصحو، ولذة وطرب، وعلم وأدب، وحرية في دائرة النظام لا تحدها حدود، ولا تقيدها قيود. باريس عاصمة الدنيا، ولو أن للآخرة عاصمة لكانت باريس!".
وعندما يزور سيدة فرنسية عجوزا في بيتها، ويجدها تصلي وتتوسل بالدعاء لتمثال حجري للسيدة العذراء يصف المشهد بلغة تفيض عشقا للتدين، أيا كان دين صاحبه: "خُيل إليَّ عندما لحظت فناء السيدة في ابتهالاتها وتضرعاتها أن ذلك الحجر المنحوت يلين لتوسلها، وأن الآفاق تردد صوتها المتهدج خشوعا وتقى، وأن ملائكة ذوي أجنحة تحمل دعواتها إلى العالم العلوي، وتحملنا مع هذه الدعوات، فلا نرى إلا أرواحا وأنوارا، ولا نسمع إلا صرير الأقلام في لوح القدر".
وكتب البعض عن إصابة شيخنا بحالة سُل بسيطة، تعالج منها سريعا، فيذكر زيارته لبلدة تكثر فيها مشاف لمرض السُل، وصفها ووصف مرضاها، والبلدة هي "هوت فيل.. وهي بلدة صغيرة وديعة هادئة، يأوي إليها المصدورون فيجد فقراؤهم مستشفى تابعا لمجلس المديرية، ويجد ذوو الغنى مستشفيات خاصة".
وفي نهاية زيارته لعجوز مسلولة يقول الشيخ: "قبلت يد السيدة لدى منصرفي، فألقت إلي ابتسامة بعيدة الغور جعلت الحزن يسيل من كل ناحية من نواحي نفسي". ويدعو لها: "أيتها العليلة العزيزة! شفى الله من أجلك كل عليل!". نفس تفيض رقة وعذوبة، وتقطع بأن تجهم رجال الدين لا يمكن أن يكون مصدره تعليمهم الديني، بل شيء آخر يجدر بنا البحث عنه!
وفي مرسيليا يزور شيخنا كنيستها الشهيرة نوتردام دي لاجارد، فيرى عُبادا يتعبدون في خشوع؛ فيعلق: "أليس الدين جميلا في إخلاصه ويقينه؟ وجميلا في ما يمسح من آلام البشر؟" ويضيف منتقدا المتشددين والمتطرفين: "إنما يشوه الدين أولئك الذين يريدونه كيدا وتضليلا وقيدا للعقول والقلوب ثقيلا".
ويزور شيخنا لندن، ويقارن بينها وبين باريس: "لندره مدينة فخمة متباعدة الأطراف تموج بساكنيها وتمتاز بالنظافة والنظام في مظهر عزة وجد وحشمة. كل شيء في لندره يسير إلى غايته سيرا حثيثا في رزانة وسكون ونظام. لندره ساكتة لا تسمع في مجامعها ولا شوارعها ولا نواديها إلا أصواتا متخافتة لولا آلات البخار. أما باريس فكل شيء فيها يصيح كأنما هي دوحة تتجاوب الأطيار على أقنانها الراقصة وأول ما يصيح في باريس الجمال. في باريس تجد كل ما تشتهي من جد ولهو. ولكن شيئا واحدا لا تجده في باريس وهو الراحة. لأن عاصمة الفرنسيين تهز قلبك هزا عنيفا وتحرك قلبك تحريكا شديدا ولا تترك لجسدك فترة في ذلك المضطرب الهائج. أما لندره ففيها سكون مريح وفي كل جوانب الحياة بها اعتبار للراحة من غير إخلال ببواعث النشاط والقوة والجد".
في لندن يزور حديقة "هايد بارك" فتستهويه مظاهر الحرية فيها: "تدخل هايد بارك عصر يوم الأحد فتجد منابر قد حف من حولها الناس، محاضرات في تدبير الصحة، وفي نظريات الأطباء في علاج الأمراض، وخطب في بث المذاهب الاشتراكية وخطب في الصد عنها، وهندي يبين معايب السياسة الإنجليزية في الهند. وتجد منابر لدعاة الأديان؛ يهودي يدعو إلى دين موسى، وكاثوليكي يشرح فضائل الكاثوليكية، وبروتستانتي يؤيد دين عيسى على ما ذهب إليه لوثير وكالفان، والجماهير تغدو وتروح بين هذه المناهل في سماحة لا يشوبها ضيق العطن". وهنا يتذكر شيخنا جوامع بغداد في عصرها الذهبي عندما كانت تعج بطلاب الدين والعلم والفلسفة والأدب "في حرية لا تحدها حدود، ولا يقف في سبيلها تعصب أو جمود".
ويفكر شيخنا في اتخاذ منبر له في الحديقة الإنجليزية يدعو من خلاله إلى الإسلام، لكنه يتراجع عن الفكرة مبررا ذلك تبريرا ساخرا من رجال الدين في مصر، إذ "ليس من اللائق أن تكون هيئة كبار العلماء منصرفة إلى تكفير المسلمين في مصر، فيخرج لها في لندره من يدعو الكفار إلى الإسلام". وهذا موقف شديد الرفض للهيئة التي ناصبت شيخنا العداء واعتبرته، وهو شيخ الأزهر ووزير الأوقاف، ليس من أعضائها. لكن شيخنا يكيل لهم من السخرية ما يجعل كفته في المعركة هي الأرجح. يعرف شيخنا أن الفرنسيين يستخدمون كلمة ""Jesuite للتعبير عن رجل الدين، ثم استعملوا الكلمة ذاتها للدلالة على معنى الخبث والنفاق، فيلتقي بصديق فارسي فيسأله هل عندكم في اللغة الفارسية ما يشبه ذلك؟ فيجيبه نعم؛ آخوند بمعنى شيخ، وآخوندي شيخة، والكلمة نستخدمها أيضا للدلالة على ضيق العقل والكسل والشره.
توفي شيخنا في 15 فبراير 1947 بعد أن عاد إلى منزله من رئاسته للمجلس الأعلى للأزهر، فتوضأ وصلى، وشعر بهبوط، فآوى إلى فراشه، وجاء طبيب شاب لإسعافه، ولاحظ الشيخ اضطرابه، فعلم أنها نهايته، فالتفت إليه مبتسما وهامسا: "هون عليك يا بُني، لقد فعلت ما بوسعك، وإلى الله حسن المآب". وفاضت روحه الطاهرة المطمئنة إلى بارئها راضية مرضية.