محمد عبد الله عنان .. مدرسة تاريخية موسوعية

19/07/2016 - 10:45:03

محمد عبد الله عنان محمد عبد الله عنان

د. عمر مصطفى لطف - كاتب مصري

تمر في السابع من يوليو 120 سنة على ميلاد المؤرخ المصرى محمد عبد الله عنان رائد الدراسات الأندلسية في العالم العربى. وكان عنان قد ترك المحاماة ليتفرغ لعشقه الكبير وهو الكتابة والتأريخ للعالم الإسلامي عامة، والأندلسي خاصة. ولكن ممارسته للمحاماة أكسبته صفة مهمة للمؤرخ، وهي التحقق وتقصى الأدلة والمقارنة، قبل أن يصدر حكما ما، فأصبحت كتاباته محل ثقة دارسى التاريخ فى أنحاء العالم.
ولد محمد عبد الله عنان في قرية بشلا بميت غمر في محافظة الدقهلية (7 يوليو 1896)، وحصل على البكالوريا من المدرسة الخديوية بالقاهرة عام 1914، والإجازة من مدرسة الحقوق السلطانية عام 1918. وعمل محاميا بجانب الصحافة، إلى أن التحق بالوظيفة الحكومية عام 1935، وظل بها إلى أن أحيل إلى المعاش عام 1955. وكان يجيد الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، كما كان على دراية باللغة اللاتينية، فأتيح له أن يترجم كتبا في عدة فنون، ففي التاريخ ترجم كتاب يوسف أشباخ "تاريخ الأندلس في عصر المرابطين والموحدين"، وفي الأدب ترجم بعض قصص ديماس القصيرة من مجموعة "الجرائم الشهيرة"، وقصة "قلنسوة الذهب" للكاتب الفرنسي زافييه دى مونتبان، ولكنه اشتهر بترجمته لأطروحة طه حسين لدرجة الدكتوراه "فلسفة ابن خلدون الاجتماعية.. تحليل ونقد".
كتب عنان مؤلفات فى التعريف بالمذاهب الاشتراكية، ومنها كتابه "المذاهب الاجتماعية الحديثة". وكان أحد أربعة من مؤسسي الحزب الاشتراكى عام 1921، ولكنه تركه فى اللحظة التى أحس فيها بانسياق الحزب إلى خطوط أو مسارات كان يراها خطرة، وجمعته الصداقة مع الدكتور محمد حسين هيكل وإبراهيم عبد القادر المازني، واشترك معهما في تأليف كتاب "السياسة المصرية والانقلاب الدستوري". كما نشر مقالات في الصحف منذ سن مبكرة، وكان يكتب بانتظام في جريدتي "السياسة" و"السياسة الأسبوعية"، وظل في كتابته الصحفية مستقلا عن الولاء للأحزاب وسياساتها، وآثر الكتابة في السياسة الخارجية والشؤون الدولية. ولعل أبرز مقالاته تلك التى حذر فيها من المخططات الصهيونية وسط غفلة الساسة والعلماء عنها، والتى نشرت فى مجلة "السياسة" يوم 16 مارس 1936.
أما كتابه "تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق"، فيقدم فيه عرضا شاملا موسعا، لتاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة فى العالم، خاصة الجمعيات والحركات الهدامة في المشرق، ونشأة الجمعيات والتنظيمات السرية التي وجدت منذ العهد الإسلامي الأول وبدأت بالخوارج ثم الشيعة والإسماعيلية والقرامطة وغيرهم، حيث أفاض بالحديث عنها، معتبرا الشرق مهد هذه الجمعيات والقوى الخفية التي لم يكن لها غرض سوى إفساد المجتمعات وسحق قيمها الدينية والأخلاقية، ثم يُنبه إلى صفة مهمة مشتركة بين هذه الجمعيات والتنظيمات؛ وهي أنها جماعات سلمية تعمل دائما في دائرة القوانين والنُظم وتستطيع أن تتخذ أشكالا لا يُمكن معها اكتشافها بسهولة أو السيطرة عليها، وهو إذ يعرض للحركات السرية يتناول كذلك بالبحث والتحليل سير الحركات الحديثة كالاشتراكية والشيوعية والبلشفية.
وفي بعض كتبه يمتزج الأدب بالتاريخ، ومنها "المآسي والصور والغوامض"، وهو مجموعة من الصور التاريخية الشائقة. و""مأساة مايرلنج" الذى أصدره باللغتين العربية والإنجليزية؛ وهو دراسة تاريخية تحليلية مستقاة من الوثائق الإمبراطورية النمساوية عن قصة مأساوية كان بطلها ولي عهد النمسا الذى انتحر هو وحبيبته ماري، والتى عُرفت بـ "مأساة مايرلنج".
ولإدراكه قيمة وعظمة التاريخ المصري، كانت له عدة أعمال مثل كتابه "الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية"، والذي حاول فيه تفنيد المزاعم المحيطة بشخصية الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله. وكتابه عن الخطط المصرية "مصر الإسلامية"، وكتابه عن المؤرخين المصريين "مؤرخو مصر الإسلامية ومصادر التاريخ المصري" ويتناول مراحل تأريخ مصر الإسلامية منذ الفتح الإسلامي حتى بداية عهد محمد علي، من خلال التعريف بستة عشر مؤرخا مصريا، ودراسة حياة كل منهم وأعماله، ومن هؤلاء المؤرخين المقريزي والقلقشندي وابن إياس والجبرتي.
ولأهمية الجامع الأزهر فى التاريخ المصري، أفرد محمد عبد الله عنان كتابا خاصا به، بعنوان "تاريخ الجامع الأزهر"، وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب فى يونيو 1942، وقصد المؤلف بإخراجه فى هذا التاريخ إلى بلوغ الجامع الأزهر ألف عام في (7 رمضان 1361 هجري ـ 18 سبتمبر 1942).
ولم يكتف بهذه الاهتمامات التاريخية المختلفة، بل دخل إلى مجال التحقيق، في مطلع السبعينيات، فأخرج كتابين مهمين للأديب الأندلسي المشهور لسان الدين بن الخطيب "الإحاطة في أخبار غرناطة"، و"ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب"، ولاهتمامه بتراث ابن الخطيب أصدر عنه كتاب "لسان الدين بن الخطيب: حياته وتراثه الفكرى". كما قام أيضا بفهرسة القسم التاريخى للخزانة الملكية بالرباط.
أما سيرته فصدرت في كتاب بعنوان "ثلثا قرن من الزمان"، وهو الكتاب الوحيد الذى لم يصدر فى حياته، "وهى مذكرات فريدة فى دسامتها، وفريدة من حيث هى تحفل بالرأى الواضح الصريح القاطع فى كل ما تتناوله من أحداث، وكأنما فرضت شخصية صاحبها وعقليته ونفسيته بصماتها على كل سطر من المذكرات". ولكن ما اشتهر به حقا هو كتاباته عن الأندلس التي عشقها وارتحل إليها عشرات المرات (وهو ما جعله يستخدم المصادر المحفوطة في الأرشيفات الإسبانية)، فظل يبحث في تاريخها وحضارتها عدة سنوات، فاعتبر حقا رائد المدرسة التاريخية المشتغلة بالتاريخ الأندلسي، وكان أول كتبه عن الأندلس وهو لا يزال شابا بعنوان "تاريخ العرب في إسبانيا: أو تأريخ الأندلس" (الصادر عن مطبعة السعادة عام 1924).
ثم قدم أعظم موسوعة تاريخية عن الأندلس، وهي موسوعة "دولة الإسلام في الأندلس"، من سبعة أجزاء تغطى تاريخ دولة الإسلام في الأندلس منذ الفتح حتى السقوط، بالإضافة إلى تمهيد رائع لأحوالها قبل الفتح الإسلامي، مع خاتمة عن أحوال مسلمى الأندلس بعد سقوطها، بالإضافة إلى جزء أخير (السابع) عن الآثار الإسلامية الباقية في الأندلس. ولا يزال دارسو التاريخ الأندلسى فى الشرق والغرب يعتمدون عليها – رغم مرور عشرات السنوات على إصدارها - ويثقون فى المعلومات الواردة فيها.
وقبل وفاته أصدر كتاب "أندلسيات"، وهو مجموعة مقالات متباعدة عن الأندلس كان ينشرها المؤلف في مجلة "العربى" الكويتية، محاولا من خلالها أن يوسع رؤيتنا لتلك الحقبة الذهبية من التاريخ الإسلامي شاملا السلبيات والإيجابيات، ملقيا الضوء على الكثير من الزوايا التي طالما تجنبها أدبنا العربي في حديثه عن الحضارة الإسلامية في الأندلس، فتحدث عن عدد من الشخصيات البارزة كأبي عبد الله آخر ملوك الأندلس، وعباس بن فرناس، وابن زيدون وابن طفيل وابن رشد وابن حزم وابن خلدون، كما خصص فصلا عن لغة الموريسكيين السريّة هربا من سطوة محاكم التفتيش، وكذلك عن مرثية الرندي للأندلس وعن أنها كُتبت قبل السقوط النهائي للأندلس بأكثر من قرنين، فدلائل الانهيار كانت بداية والنبوءات المتعلقة بسقوط الأندلس كانت منتشرة على الأفواه.
وبعد هذا العطاء الثري المتنوع فى جميع الفنون، توفى العلامة الكبير محمد عبد الله عنان يوم 20 يناير 1986، بعد أن كرمته مصر بحصوله على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام 1977، ومنحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى عام 1978، ووسام الكفاءة الفكرية من الملك الحسن ملك المغرب عام 1981، واختير عضوا بمجمع اللغة العربية ونادى القلم الدولي.
إن أفضل تكريم لهذا الرجل أن كتبه لا تزال تنشر حتى الآن، ويعتمد عليها الكثير في أبحاثهم، ولا يزال آلاف الناس يتذكرون ريادته للمدرسة التاريخية المصرية والأندلسية، ولم ينسه التاريخ كما نسى آخرين.