محمد إقبال .. شاعر وفيلسوف يجسد القيم الإنسانية

19/07/2016 - 10:44:04

فايز فرح - كاتب مصرى

محمد إقبال .. قائد من قادة الفكر فى الشرق، ورائد من رواد الوعى الإنسانى فى الفلسفة والدين، شاعر وعلم من أعلام الإسلام، وصاحب فكرة انفصال المسلمين فى الهند عن الهندوس، وهو ما أسفر عن إنشاء دولة (الباكستان) فى أغسطس 1947 تحت قيادة : محمد على جناح، يعرض الدكتور عثمان أمين فى كتابه : «رواد الوعى الإنسانى فى الشرق الإسلامى» .. لسيرة وحياة محمد إقبال فيعرفنا بأنه ولد فى بلدة سيالكوت بإقليم البنجاب فى الهند فى 22 فبراير 1873 فى أسرة متوسطة الحال من سلالة البراهمة، واعتنق أفرادها الإسلام على يد أحد رجال الصوفية فى كشمير، ورث إقبال التدين والإيمان بالقيم الروحية عن أبيه، وتعلم منه القراءة والأخلاق .. التحق بعد ذلك بأحد الكتاتيب لحفظ القرآن ، وحرص أبوه على أن يكون حفظ ابنه للقرآن حفظاً عملياً فقال له:
«يابنى اقرأ القرآن كأنه نزل عليك» ويعلق إقبال على هذا قائلا: «ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن وأقبل عليه، فكان من أنواره ما اقتبست ، ومن بحوره مانظمت..» انتقل إقبال إلى المدرسة الابتدائية ونال شهادتها ثم التحق بمدرسة البعثة الإسكتلندية للدراسة الثانوية حيث نعلم قواعد اللغتين الفارسية والعربية على أحد أصدقاء أبيه: «شمس العلماء .. مير حسن»، وكان أستاذاًَ قديراً شجع تلميذه على أن يستجيب لموهبته ويقرض الشعر والكتابة باللغة الأوردية بدلا من اللغات المحلية . التحق إقبال بجامعة لاهور وأتم دراسة مقرراتها . وانضم إلى جمعية حماية الإسلام، وعلى منصتها أشبع هوايته وموهبته فى قراءة الشعر، فى لاهور التقى أيضا بالمستشرق الإنجليزى السير توماس أرنولد الذى أعجب بموهبته الشعرية وتوثقت العلاقة بينهما لدرجة أنه طلب من إقبال أن يذهب إلى لندن ويعمل بالتدريس بدلا منه، هناك فى لندن تعرف بكثيرين من أهل العلم وكبار الأساتذة، ثم انتقل للتدريس فى جامعة هيدلبرج، ثم جامعة ميونيخ بألمانيا، وحصل من الأخيرة على درجة الدكتوراه فى الفلسفة برسالة موضوعها: تطور الميتافيزيقا فى بلاد فارس ، وفى عام 1908 حصل على درجة فى القانون .
عاد إقبال إلى وطنه بعد ذلك، واشتغل بالأدب والفلسفة والسياسة، انتخب عضوا بالمجلس التشريعى بالبنجاب، واختير رئيساً لحزب : «مسلمى الهند» ورئيساً لجمعية «حماية الإسلام» التى كانت تشرف على عدد من المؤسسات الدينية والاجتماعية، ظل يلقى المحاضرات وشارك فى سياسة بلاده بأعماله وأقواله حتى توفى 21 أبريل 1938 ودفن فى لاهور.
إقبال من أكبر المثقفين والعلماء المسلمين بمذاهب الفكر فى الشرق والغرب، وفى فلسفته الدينية نجد قبسات ولمحات من مذاهب المثاليين الغربيين والأخلاقيين منهم بوجه خاص، ففيها من فكر : كانط وبرجسون ووليم جيمس الكثير، ويبدو أن ما حاوله فى تاريخ الفكر الإسلامى شبيه من بعض الوجوه بما حاوله كانط فى الفكر الغربى ، وقد عبر إقبال عن آرائه تلك فى طائفة من القصائد باللغتين الفارسية والأوردية، فاستجابت لها الشبيبة فى الهند، ثم بسطها بعد ذلك فى سلسلة من المحاضرات ألقاها باللغة الإنجليزية عام 1928 ونشرها 1934 بعنوان: تجديد بناء الفكر الدينى فى الإسلام .
وقد بين إقبال مقصده من هذه المحاضرات : بيان صلة المسلمين بفلسفة الغرب، وحاجتهم إلى إعادة النظر فى الإسلام كله ، دون الانقطاع عن الماضى ، على ضوء ماكشف عنه العلم من حقائق فى الكون، يقول إقبال: إن الدين لايقنع بالتصور المجرد، بل يطلب اتصالا بمقصوده ووسيلة هذا الاتصال.. العبادة والصلاة، الصلاة وسيلة استنادة روحية تعرف بها الذات الإنسانية أنها موصولة بحياة أوسع. وكل طلب للمعرفة ، هو فى حقيقته، صلاة، فالباحث فى العلم الطبيعى هو كالصوفى فى صلاته. وتزيد الصلاة قربا من مقصودها بالاجتماع والعبادة، فردية كانت أو جماعية ، هى إعراب عن تلهف الوجدان الإنسانى إلى استجابة له فى صمت الكون الهائل . ويقف إقبال عند مشكلة الحرية الإنسانية، موضحاً أن تعاليم الإسلام قد أكدتها. ولكن غلبة الأغراض السياسية أو المطامع الشخصية قد أشاعت فى عامة المسلمين جبرية مشئومة ألحقت بالجماعة الإسلامية أضرارا بالغة. يتحدث إقبال عن تصور الإسلام للعالم على أنه حركة، وسنن مستمرة. والحركة فى الجماعة الإسلامية بالاجتهاد. ويقول فى ذلك :
يؤسفنا أن هذا الأصل فى الإسلام غير موجود ولم يعمل عمله فى المسلمين .. إن من أقوى أسباب ضعف المسلمين إهمال هذا الأصل.. أعنى إبطال الاجتهاد وعن غاية النشاط الإنسانى يقول : «الغاية القصوى للنشاط الإنسانى هى حياة مجيدة فتية مبتهجة. وكل فن إنسانى يجب أن يخضع لتلك الغاية، وقيمة كل شىء يجب أن تحدد بالقياس إلى تلك القوة على إيجاد الحياة وازدهارها. وأعلى فن هو ذلك الذى يوقظ قوة الإرادة النائمة فينا، ويستحثنا على مواجهة الحياة فى رجولة.. وكل ما يجلب إلينا النعاس، ويجعلنا نغمض عيوننا عن الحقيقة الواقعة فيما حولنا إنما هو انحلال وموت».
أما عن شعار المؤمن فى رأى إقبال فقد عبر عنه بهذا البيت:
لم أحن رأسى خاشعاً إلا
لمن بيمينه الإحياء والإفناء ..
خلاصة رسالة الإسلام عند إقبال هي: إقرار الحرية، تدعيم العدالة، توطيد المحبة بين البشر، وفى هذا الصدد يقول الفيلسوف المسلم والشاعر الإنسان: «ليست غاية الإسلام محصورة فى الواردات الذاتية التى تجعل المرء بمعزل عما حوله من الأشياء وعمن حوله من الناس، بل بناء للتربية التى تجعل الفرد صالحا لأن يكون منه ومن غيره مجتمع صالح، له أنظمته القديمة، فإن العصبيات التى تدعو إلى البغضاء والتنفير وضيعة مهينة ليس لها فى الإسلام وجود».
هكذا كان إقبال يؤمن بالإسلام الوسطى المستنير، ويحس إحساس المسلم ويفكر بعقليته، ومن هنا رأى أن الصوفية الهندية الحالمة، والصوفية الإسلامية المتواكلة، كان من أثرهما فى المسلمين نشر اليأس والاستسلام والهرب من الدنيا والقعود عن العمل والإقدام، من أجل هذا عنى الشاعر المصلح بتفنيد تلك الفلسفة التى ترادف الضعف والفناء، ومعارضتها بفلسفة جديدة تبشر بالقوة والتفاؤل والنماء، تلك هى فلسفة الذات، التى تعتمد على الاعتقاد بأن «الذات» أو الشخصية شىء ذو وجود حقيقى وليست وهما من أوهام العقول. وتعارض الذين ينكرون وجود الفرد وأهميته . مجمل مذهب إقبال فى الذات: أن الحياة كلها فردية، وأنه لاوجود لما يسميه فلاسفة المطلق «الحياة الكلية» وأن الله نفسه فردالأفراد فى نظر إقبال، والكون ليس عملا قد تم، وليس شيئا قد فرغ منه، بل إنه صائر دائماً، وأنه فى طريق التكوين، وعملية الخلق مستمرة لم تزل. والإنسان هو أيضا يسهم فيها مادام يشارك فى إقامة شىء من النظام، والمثل الأعلى للإنسان ليس هو سلب الذات ، بل إثباتها وتوكيدها، وفكرة الشخصية عند إقبال تعطينا معياراً للقيم فى الفن والدين والأخلاق، كما تعطينا مقياساً للخير والشر، فكل مايقوى الشخصية خير، وكل مايضعفها شر. وقوة الذات فى العشق، ويعنى به الحماسة والرغبة فى العمل الخلاق، وأعلى مراتب الذات هى المرتبة التى تصل فيها الشخصية إلى الانسجام بين قواها وملكاتها جميعاً ، وتصبح حياتها تآلفاً بين العقل والقلب، بين العلم والدين، بين الفكر والعمل.
وقد عبر إقبال تعبيرا جميلا عن لب هذه النظرية فى الذات بقوله :
«أخرج النغمة التى فى قرار فطرتك، ياغافلاً عن نفسك! اخلها من نغمات غيرك» .
كان الشعر وسيلة تعبير إقبال عن فلسفته وروحانياته، وإنسانيته، وقد استخدم السخرية فى النقد، ربما لأنها سهلة الفهم والقبول ومنها وعنها يمكن تحقيق رسالته فى إيقاظ وعى الناس والدعوة إلى الجد والقوة والثقة والاعتزاز فى نفوسهم، وطلب الجمال والكمال .
فى قصيدته : الملا والسماء .. يقول : «ليست الجنة مكاناً للمتزمتين والمتاجرين بالدين.. هؤلاء طبيعتهم الخناق والجدال والقيل والقال.. دينهم فى الحياة الزمر والطبل». وبغيتهم فيها إفساد الضمائر وتشويش العقــول.. فى السماء لا كنائس ولا مساجد ولا هياكل فما أشقاهم ..»
محمد إقبال فى تفكيره عالمى ، وإنسان بأجمل معانى الإنسانية، وهو يقول فى إحدى قصائده :
«إلى اليوم لايزال الإنسان ضحية الاستغلال والاستعمار، وأنه لبلاء عظيم أن يبقى الإنسان فريسة للإنسان .. ثم يقول :لا أمل للإنسانية فى تحقيق السلام إلا بأن تعمل على التوفيق بين عقل الغرب وقلب الشرق ونشر الحب والأخوة الإنسانية.»