حسن كامل الصيرفي .. شاعر الصدى والنور والدموع!

19/07/2016 - 10:43:13

محمد رضوان

حسن كامل الصيرفى أحد شعراء أبوللو الذين أسدلت على سيرتهم وشعرهم ستائر النسيان، فلم يعد يذكره أحد ولم يأخذ نصيبه من الدراسة والنقد إلا قليلا، رغم ما تركه من تراث شعرى كبير، ومما حققه من دواوين الشعراء الأقدمين، وما أثرى به الصحافة الأدبية من بحوث ودراسات تتسم بالرصانة والعمق والدقة والإحاطة.
ولد حسن كامل الصيرفى فى مدينة دمياط فى 6 سبتمبر 1908 وتلقى دراسته الأولية والابتدائية بمدارسها، وبعد استكمال دراسته بمدرسة الفنون والصنائع المتوسطة عمل موظفا فى وزارة الزراعة بالقاهرة ثم انتقل إلى مجلس النواب مديرا لإدارة الصحافة، وظل يشغل هذا المنصب حتى تقاعد عام 1968 وخلال مسيرته الأدبية والصحفية انتدب سكرتيرا لتحرير مجلة “المجلة” عند إنشائها عام 1956 على يدى د.محمد عوض محمد (1859 - 1972) وسكرتيرا لمجلة الكتاب العربى.
وبدأ الصيرفى يكتب الشعر وينشره فى صحف ومجلات القاهرة منذ وقت مبكر من شبابه فى عشرينيات القرن العشرين وعندما أسس د. أحمد زكى أبو شادى جماعة أبوللو (1932 - 1934) انضم إليها الصيرفى ونشر فى مجلة(أبو للو) العديد من قصائده وفى عام 1934 أصدر ديوانه “الألحان الضائعة” عن جماعة أبوللو الذى غلب عليه طابع الحزن والتشاؤم والسوداوية وإن كان قبل ذلك قد أعد ديوانه الأول “قطرات الندى” للنشر لكنه لم ينشر.
وأشار النقاد إلى طابع الحزن والأسى فى شعره وقد برر ذلك بقوله: “لقد بليت فى حياتى الأدبية بصنوف من الجحود ساعد عليه انزوائى عن عالم التهريج وعزوفى عن الجرى وراء شهرة لا يتكسبها الإنسان إلا بأشياء لا تريح ضميره.
وبالفعل عاش الشاعر بقية حياته منزويا بعيدا عن الأضواء متفرغا لكتابة الشعر وتحقيق بعض الدواوين الشعرية القديمة وكتب التراث الأدبى وكتابة البحوث والدراسات الأدبية.
ثم توالت دواوينه فأصدر سنة 1947 ديوانه الثانى “الشروق” ثم ديوانه “صدى ونور ودموع”.
وقد شارك حسن كامل الصيرفى فى تحقيق العديد من كتب التراث ودواوين الشعر العربى فحقق كتاب طوق الحمامة لابن حزم الأندلسى وطيف الخيال للشريف المرتضى ولطائف المعارف للثعالبى ثم حقق ديوان البحترى الذي نشر فى خمسة مجلدات ودواوين “عمرو بن قميئة” و”المتلمس الضبعى” و”المثقب العبدى” عن معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية.
بجانب دراساته الأدبية الرصينة التى كان ينشرها فى مجلات “المقتطف” و”المجلة” وعندما تولى صديقه الشاعر صالح جودت (1908 - 1976) رئاسة تحرير مجلة الهلال عام 1971 نشر حسن كامل الصيرفى فيها عدة دراسات أدبية وبضع قصائد.
ويقول فى قصيدته الوجدانية “ابتهالة”:
يارقة فى غلاله
ما أنت إلا ابتهاله
تصاعدت من فؤاد
مبرأ من صلاله
أشعة الشمس كانت
نسيج هذى الغلاله
والنجم وشى سداها
والنور ألقى ظلاله
ثم يقول فى نهاية القصيدة لصاحبة الوحى:
لأنت أنت صلاة
قدسية لا محاله
فى معبد من نقاء
سمعت فيها بلاله
مؤذنا لخيال
رام السحاب فطاله
وفى قصيدته النبع يقول:
من فجر من قلب الصحراء
هذا النبع السحرى الماء!
شفتان حديثهما أنداء
فى الكون لهمسهما إصغاء
عينان بريقهما إغراء
قد فجرتا فى ذات مساء
وفي قصيدته “بحيرتا فيروز” يناجى ذات العيون الساحرة:
بحيرتا الفيروز.. عمقاهما
عمق المحيط الأرحب الأعمق
يحيران الفكر في ومضة
رجراجة اللمحة كالزنبق
كم شرك، ينصب في نظرة
في كل شط منهما، محدق
يسخر بالناظر في ثورة
مجنونة.. والناظر المتقي
تغرق الأهواء في قيدها
ويلتقي المأسور بالمطلق
كما التقت ساحرة فيهما:
مفاتن الأخضر بالأزرق!
وقد ارتبط حسن كامل الصيرفي بصداقة وطيدة بالشاعر الدكتور أحمد زكي أبو شادي (1892 - 1955) مؤسس مجلة أبوللو والغريب أن الصيرفي قد تزوج من السيدة نعمت حسيب شقيقة السيدةزينب حسيب الحب الأول في حياة الشاعر أبو شادي والذي أفرد لها ديوانا كاملاً عنوانه “زينب” أصدره عام 1926 بعد أن أخفق في الارتباط بها بسبب اعتراض والده لحداثة سنه وارتباطه بدراسته، وقد روي المؤرخ الأديب وديع فلسطين أن الصيرفي لم ينجب لكن عندما توفيت شقيقته بعدما وضعت طفلها تولت زوجة الصيرفي رعاية هذا الطفل (يحيي قدري) إلي أن أصبح محامياً كبيراً.
ظل الصيرفي في السنوات العشرين الأخيرة من حياته بعيداً عن الحياة الثقافية حتى شاءت الظروف أن تتصل به السيدة جيهان صفوت رءوف حرم الزعيم أنور السادات عندما كانت تعد رسالتها للماجستير عن أثر الشاعر الإنجليزي “شيللي” في شعراء جماعة أبوللو وهو أحدهم فأعرب لها عما يلقاه، من صعوبة في نشر دواوينه المخطوطة فما كان منها إلا أن اتصلت بالكاتب أنيس منصور وكان يتولي رئاسة دار المعارف بجانب رئاسته لتحرير مجلة أكتوبر فنشرت دار المعارف عدة دواوين هي “النبع” و “نوافذ الضياء” و “عودة الوحي” و “شهرزاد” و “صلواتي أنا” و“زاد المسافر” لكن بعد رحيل الرئيس السادات ظلت هناك أربعة دواوين حبيسة ولعلها قد ضاعت أو اختفت علي يد بعض أدعياء الشعر وضاع أثرها بعد وفاة حسن كامل الصيرفي في 19 مايو 1984 وكان يتمني أن ترى دواوينه المتبقية النور لتعوضه عن عدم إنجابه للأولاد.
وأتذكر أننى زرت الشاعر حسن كامل الصيرفى عام 1982 في فيلته الهادئة فى شارع عثمان بن عفان بأطراف حي مصر الجديدة وحملت له أصول كتابي “شاعر النيل والنخيل صالح جودت” ليكتب مقدمة للكتاب واستقبلني الرجل ببشاشة وكان معه رفيقة عمره زوجته وكان يبدو عليه الضعف والوهن ثم زرته مرة أخرى للاطمئنان عليه واستلام أصول الكتاب لكنه اعتذر عن كتابة المقدمة بسبب مرضه ولاحظت أنه يضع لوحة زيتية لحسناء فاتنة فوق فراشه حيث عاش هذا الشاعر الرومانسي الرقيق طيلة حياته عاشقا للحسن والجمال وقد ترك هذا الشاعر الرومانسي المجدد رصيدا شعرياً رائعاً تعد علامة بارزة في مسيرة الشعر العربي المعاصر.
رحل حسن كامل الصيرفي شاعر الصدى والنور والدموع وهو الذى قدم ذوب عمره وجهده وعصير حياته للأدب والشعر وعلي شفتيه أبياته التي روى لنا فيها أسطورة شهر زاد تأتينا من وراء الغيب حزينة باكية:
لم أمت.. والشعر يروي قصتى
لم أمت .. والفن يحيي صورتى
ليت من يحيون نالوا موتتى
ألف مرة لا تساوي ليلتى
رحل شاعر الصدى والنور والدموع حزينا باكياً بعد أن ملأ الدنيا غناء وموسيقى ولم ينل أي جائزة من الدولة بسبب الشللية الكامنة في الوسط الأدبي والصحفي والإعلامي لكنه سيعيش بيننا بشعره وإبداعاته وهمسات قلبه العاشق المفتون بالسحر و الفن والجمال!