العيد في جيب جلبابي .. وشم الرمل على الجباه

19/07/2016 - 10:40:33

عبد الغني كرم الله - كاتب سوداني

أن يلطخ الناس جباههم بالرمل الذهبي الناعم، كنت أحسبه أجمل طقس من طقوس العيد، وهم مقبلون للقرية، من كل فج، بشرى به، بعد صلاة العيد الجماعية، تحت الشجرة البعيدة عن دارنا، قرب النيل.
أمشي مثل معزتنا، على أربع، عمري دون الثالثة، ولكن حين اشتد عودي، وصرت ذا سبع سنين، قربت الشجرة من الدار كثيرا، كما صار النيل على مرمى حجر من كفي، كل شيء يدنو من بيتنا الطيني، حتى الموج والظلال والنجوم، من أفشى لها السر، أن بيتنا قلب المجرة؟
تحت شجرة الجميز، التي تمد غصونها حبا، لأقصى مدى، فضل من الله، الذي سخر الشمس والقمر والشجر والموز، بنية خضراء، كي تظلل القرية كلها، على ضفاف النيل الأزرق، نصلي على الرمل، تتزخرف كل الجباه، بسعد القرب من الله، بالرمل الذهبي، في الركعة الأولى، وفي الركعة الثانية، وقد نزّ العرق، بالشمس الوليدة، المبتهجة أكثر منا، يزيد وشم الرمل على جباه البنات والأطفال والجدات والرجال.
حسبته في طفولتي طقسا، من طقوس صلاة العيد، وأنا أتلفت أثناء الصلاة، لأخوالي وأهلي، على مدى الصفوف الطويلة حولي، ولا أستطيع السجود، فجيبي مليء بالحلوى، والبلح، و"طرادة، وسبعة وثلاثين قرشا"، محشورة فيه، جيبي منتفخ، كخد سعيد، مكور ببرتقالة بين ضروسه، (أحسبها كل دقيقة من يأمن مكر محاسن؟)، ولا محال ستهوي ثروتي، إن سجدت، وتخطفها أختي، طريدتي محاسن، وتفر كالصقر، فهل أقطع صلاتي، وأركض خلفها؟ فكنت أكتفي بالركوع فقط، وبحرص عظيم على جيبي، كم حكيم هو الخياط، أن وضع الجيب لصق القلب، في جلبابي، نبضي يهدهد الجيب، كي يغريه بشراء ما أريد ويرغب.
رسخ في قلبي الصغير، أن العيد هو جردل الخبيز، فوق دولاب أمي، وأن تلبس الجديد، بمكوة المصنع، وتتوضأ، وتزخرف جبهتك برمل ذهبي ناعم، من الخلاء في الجنوب الشرقي للقرية، أسعدني ذلك، لأن جدتي لن تستطيع أن تعيرني مرة أخرى، حين اتسخ، بالرمل والطين، كلنا أطفال في العيد، الرمل يعلو الحاجب، رغم أنف حلم العين، التي لن تعلوه، أبدا.
أكتم ضحكتي، "الخشوع وااااجب في الصلاة"، حين أنظر خلفي لجدتي، وأجدها دون كل المصلين، رسمت خطوط بالرمل على جبهتها، تحاكي موج النيل قربنا، وتركت الحفر بين التجاعيد فارغة، مثل فؤاد أم موسى، كم تعددت رسومات الرمل على الجباه، كالغيم فوق السماء، وكي لا أفسد مراسم العيد، وقد حرمت جبهتي من السجود، خوفا على ثروتي، كنت أمد يدي، وأقبض حفنة رمل، وأدعك بها جبهتي، وشم العيد.
ما نخلعه، من ملابس رثة، كي نرتدي ثياب العيد الجديدة، هي ملابس العيد الفائت، خير خلف، لخير سلف، زهاد كالنبي، عليه السلام، وسقراط (ما أكثر الأشياء التي لا نحتاجها)، ولو تركوني وشأني، فأجمل قميص لبسته في حياتي، هو جلدي، لكنهم يتدخلون في كل شيء في حياتي، حتى شكل أنفي، وملمس شعري، فرضته علي جيناتهم.
أشم رائحة القطن، وكي المصنع، وكثيرا ما يطعنني دبوس في جسمي النحيف، لأني عجول في لبس ملابسي، لا أقوى على الصبر مطلقا، مطلقا، قبل إفراد القميص واستخراج الدبابيس، التي تلوي أكمام قميصي الجديد، على ظهره، مثل سجين خطير، مقيدة يديه خلفه.
كثيرا ما يناديني أخي الأكبر، وأنا أركب الدراجة، (مزلط الركب، مغبر الثياب) وقد أبت أن تمضي مستقيمة، لأني أقسمت لصاحب الدراجات بأني أجيد سواقة الدراجة (أظنني من أنصار أفلاطون، العلم كامن في النفس)، فتهوي بي ذات اليمين، وذات الشمال في كل متر أعبره، (أظنني نسيت السواقة، كما ينسى أحدنا أمورا كثيرة يعرفها)، إن لم أبرر لنفسي، فلمن؟ أقترب من أخي، يقفز جانبا، كدت أصدمه، كي يستخرج قصديرة من (لياقتي)، كانت تشدها للأعلى، كي تستدرج الشاري، بأن "اللياقة قوية"، وهي ألين من ماء، وهو يهمهم "العجلة من الشيطان"، أخطف القصديرة، تشبه الهلال، وبها ثقوب مثل أفلام السينما، ألعب بها كسلاح، أهدد به أختي، وأحرس ثروتي.
الويل لأمي إن وصلت ملابسي الجديدة قبيل العيد بيوم، كل ثانية أسألها "متى يأتي العيد؟"، فترد بكرة، إن شاء الله، لا أحب إن شاء الله هذه أبدا، أحسها كذبة، أريدها أن تقول "سيأتي بكرة"، لأن الله بمقدوره أن لا يشاء، وبمقدوره أن يتأخر العيد بما لا أطيق، تتوالى أسئلة، متى؟ لم تأخر؟ هل جرى له شيء؟ أحس العيد تأخر قرنا ثم أغضب من العيد، لم يتأخر؟ ألم يعلم بأن ملابسي وصلت؟ وبأني أتوق أن ألبسها من أجلي، له؟ كنت أتصور العيد كائنا حيا، كنت مثل الشعراء العظام، أحس وأتخيل أي شيء كائنا حيا، العيد، ورمضان، كلها كائنات حية، جميلة. يحال غضبي للعيد، أشتمه "أنت متأخر مالك؟"، أخاطبه، وأحسه يركب حمارة كسلاااانة، تقدم رجلا وتؤخر أخرى، فار غضبي، وقلت لأمي بصرامة، وبوز ممدوووود "العيد جااااااء"، وقف العيد قربي، في قلب الليل.
حين تشرق شمس العيد، تتعجب من فتى صغير، عاش عيده قبيل الناس، ينام بملابس العيد، وحذاؤه معه، ولعابه بلل جيبه، وحجره، ومن عجب يسير كل يومه حافيا، وفي نومه لبس الحذاء، من يأمن الأحلام؟ قد تخلق شوكا في كل مكان، فقد ألبستني لهم أمي ليلا، وكفى الله المؤمنين القتال، والعناد.
تساهر القرية، كلها، في الكنس، والرش، والغسيل، وأنوار فوانيس الترزية (الخياطين)، في سهر مع النجوم، فوزية، حسن ود أحمد، آمنة بت حواء، تساهر فوانيسهم حتى الصبح، و"رتينة" حسن تبدو كشمس صغيرة، تتعجب منها الأغنام، والقطط، شمس في منتصف الليل؟ هل قامت القيامة؟ ويتعجب الدجاج لم طال النهار؟ وهي التي تنوم عند الغروب، متعبة، من صحو الفجر، وحوامة عن رزق وقمح، برسن حدسها في نواحي البيت.
يظل العيد في الدار، لا يفارقها. العيد الأحلى، الأسمر، هي أمي، عيد دائم، عيد حولنا، وفينا، ولم تكن بالقرية كهرباء، ولكن نور وجه أمي يضيء في سابع الظلمات، وعلى نوره أحصي ثروتي، كل ساعة، جيب منتفخ بالقروش، وما سيكون مصيرها المحتوم، من نبق، وحلوى، وتمر، وحلاوة لكوم (1)، وركوب الدراجة الوحيدة في القرية، وما جوارها من قرى.
"أين العيد؟ كنت أبحث عنه بين أهلي، والبيوت النظيفة، والحيشان، أين العيد؟"
لم يكن العيد، سوى وجه أمي، وقلبها، عيد أبدي في الدار، فأمي قلب البيت، وبيتنا قلب المجرة، حنان أمي أفشى السر، لا محال، في الأصقاع التي حتى الخيال لا يطالها، إن بيتنا الصغير، الطيني، البسيط، المغمور، هو قلب المجرة، فالتصقت به، كعتود، لصق أمه...
(1) حلاوة لكوم: حلاوة شعبية سودانية، تصنع من النشاء والفراولة والسكر، وتغطى كلها بسكر ناعم، مطحون، نحبها في طفولتنا، "تترك آثارها على الشفاة السعيدة".