يوميات سجين محكوم بالمؤبد

19/07/2016 - 10:39:23

آمال فلاح - كاتبة جزائرية

قيل إن عمري قارب السبعين، وإن اسمي سجل في موسوعة جينيس للأرقام القياسية العالمية، وإني ولجت ذاكرة التاريخ، لكن ما معنى أن أصبح شهيرا وقد قضيت هذا العمر الطويل حبيس زنزانة؟
أول صورة تذكارية لي بالألوان نشرت عام 1998 على صفحات الكتاب السنوي للأرقام القياسية العالمية، وهي بعيدة كل البعد عن تلك الصورة التي انتشرت على البطاقات البريدية الفرنسية عام 1932 عندما استخدمت حديقة التجارب بالعاصمة الجزائرية كديكور لفيلم "طرازان، الرجل القرد" لمخرجه "فان دايك" مع الرياضي الشهير "جوني ويسمولير".
آنذاك، يبدو أني لم أكن وحدي، كنت محاطا بعدة وجوه أليفة، والذاكرة لم تكن حبلى بالمرارة والحنين.
لا أدري بالضبط منذ متى وأنا في هذا المكان، ولا متى أردى الموت زميلي في الزنزانة، ولا الحكمة من الشائعات المتكررة عن موتي، وكأن هناك مستفيدا من تشويه سمعتي كأقدم دب بني يعيش في العالم الثالث.
يقول الدكاترة المختصون جدا، والذين يحبون كثيرا التحدث عني في غيابي، إن أبناء جلدتي يعيشون من ثلاثين إلى أربعين عاما، وإن أطولهم عمرا يموت قبل بلوغه الخمسين، وهكذا يكون طول عمري دليلا قاطعا على نجاعة وسائلهم للحفاظ على نوعي. من الوحوش المفترسة؟ ولكني لم أصادفها قط. من الأمراض؟ من الجوع؟ لكن الطبيب البيطري يمر علي يوميا وغذائي لم يشح قط. أية احتمالات غريبة تلك التي تدور في رؤوس هؤلاء؟ لست الوحيد في هذا الشأن فجارتي "جاكلين" التمساح ماتت ولديها مائة سنة وكذا النسر "هكتور" (100سنة) والخنزير البري (33 سنة) والأسد "فريد" مازال يتمتع بكامل رشاقته، ولا أحد استحوذ على اهتمامهم غيري.
يقولون أيضا إن بقية دببة الله تخلد لسبات شتوي يتراوح بين ثلاثة وخمسة أشهر، أما أنا، فأقسم أنني لم أصادف في دورتي البيولوجية حقبة مثل هاته. ما حدث أنني كنت دوما أهجع لنوم طويل، وماذا تريدون مني أن أفعل غير ذلك؟ وأنني كثيرا ما كنت أغرق في أحلام اليقظةـ
أقول: "وماذا لو تلاشت القضبان الحديدية وألفيتني وسط غابة شاسعة أذرعها طولا وعرضا، أمزق أشجارها بمخالبي، أعض الغصون باحثا عن رزقي مزيحا عن طريقي كل من يتصدى لي ولصغاري ـ آه! صغاري؟ تؤرقني الوحدة أحيانا فأحاول رسم وجه "دبتي" في مخيلتي (يحلو لي مناداتها بذلك). أتخيلها وهي ترضع صغارناـ أتخيلهم ينطون حولي، أداعبهم و... طاخ.. يصيبني لوح رماه أحد الصبية في عيني، أتراجع للخلف، ثم أثب ناشبا مخالبي في الهواء. تقف القضبان الحديدية حائلا بيني وبين هؤلاء الصبية. من أين جاءوا؟ ولماذا يتلذذون باضطهاد القردة في الجانب الآخر من حديقة الحيوانات؟ تعلو أصواتهم. يضحكون بوقاحة. أليست لديهم وسيلة مختلفة للتسلية؟
ذات يوم، شبت النيران؛ علا دخانها؛ أصبت بالفزع، في حين قبع جاري فرس النهر تحت الماء دون حراك.
بعدها بأيام، سمعتهم يهمسون عن أحداث تؤرق المدينة. لكني لم أكن أعرف عن تلك المدينة شيئا. لا أعرف إلا هذه القطعة الزرقاء من السماء فوق رأسي.
سنوات من بعد ـ قبل مجيء الزوار للحديقة ووجدتني وحيدا ومشتاقا لوقاحة ونزق الصبية الذين علت مسحة الحزن سحنتهم. ثم كفوا عن المجيء فجأة. دامت الـ "فجأة" سنوات كثيرة سمعت خلالها همسات ووشوشة عن جثث مقطوعة الرؤوس وعن فتيات تم اغتصابهن ورمي جثثهن بين الأشجار العريقة للحديقة. الجميع كان يتحدث عن جنون مروع سكن المدينة.
أهجع لمخدعي من جديد، أود من أعماقي لو أنام. كلام الدكاترة عن تحسن صحتي يثير استيائي. يبدو أني أظهر بعض النشاط في الصبح منذ أن ناولوني لحم الحمار.
ذات مرة، اقترب مني رجل قيل أنه المدير (مدير على الحيوانات؟) وضع أمامي مادة صفراء قال إنها بطاطا بزيت الزيتون. اقتربت من الإناء، ملأت طرفي بالبطاطا وصوبتها نحوه لتنتشر على كامل وجهه. ضحك جميع الحاضرين. وهل يظن أن وجودي هنا ومنصبه الجديد يسمحان له بفرض رغباته علي؟ أما كفاه أني لم أذق العسل منذ دهر وأني رغم ذلك لا أحتج؟ وقد سبق لي أن قبلت هدية ـ رغم قبحها ـ حين أدخل عجلة مطاطية في عريني قصد تسليتي. فعلت ذلك كي لا أغضب صديقي الأبكم ذلك الذي يهتم بي منذ سنوات. أراه كل صباح ينظف عريني، يحمل لي الطعام، ويخالف الأوامر أحيانا فيمدني بالحلويات. صديقي دائم الصمت.
ومتى احتاجت المحبة للكلمات؟
ذات صباح، سوف أقف وسط هذه العلبة المغلقة بكامل طولي، أهز القضبان بكل ما أوتيت من قوة. أصرخ وأصرخ:
"أف لأبحاثكم العلمية التي أطالت عمري فجعلت الملل يعشش في خلاياي. أف لقياساتكم التي حددت عمر الدببة فارتعشت زهوا وهي تعثر على دب بائس شاء له حظه العاثر أن يشكل الاستثناء.. فما الفرق أن أعيش عشرين أو سبعين عاما إذا قضيت هذا العمر متعبا وحيدا وراء هذه القضبان"؟
نعم، ذات صباح سأفعل ذلك، لكني الآن متعب وجائع. لماذا تأخروا كثيرا في إحضار غدائي؟