حين تغيرنا عتبات البيوت

19/07/2016 - 10:38:33

لؤي عبد الإله - كاتب عراقي مقيم في لندن

لم يُكتب على حد علمي شيء عن «عتبة» الباب في البيت البغدادي، تلك الدكة الواقعة بين عالمين منفصلين لكنهما متكاملان معا: الداخل والخارج، حياة الأسرة وراء جدران البيت وحياة الشارع عبر باعته المتجولين وأطفاله وعابريه. تقودني الذاكرة من وقت إلى آخر، إلى تلك العتبة الملاصقة لباب خشبي سميك تعج فوقه حفريات الماضي العريق، وعليها يجلس ذلك الطفل باطمئنان كامل: إنه هنا ضمن البيت وخارجه، متمتعا بشعور الحماية الناجم عن موقع العتبة نفسها، ومن موقعه كان يراقب المارة في رواحهم ومجيئهم، فتظل عيناه تتابعان أقدامهم المبتعدة عنه.
ما الذي كان يدور في ذهن البنّاء، وهو يضع آخر جزء من البيت: ما دور هذه العتبة التي ليست سوى درجة واحدة ملصقة بالباب الخارجي؟ وهل يمكن اعتبارها برزخا يتم عبره الانتقال إلى الشارع أو إلى البيت؟ أو بصيغة أخرى، التهيؤ النفسي للانتقال إلى أحد العالمين عبر ملامسة العتبة؟ ولا أستطيع أن أستبعد افتراض الدور الرمزي الذي تحمله هذه الدكة لحرمة الحياة الخاصة لساكني هذا البيت، لكنها في الوقت نفسه تؤكد حقيقة العالم الخارجي كوسط ضروري وحميم لهم. فبغياب العتبة يصبح القطع الحاد واضحا بين العالمين; فبدلا من الانتقال المفاجئ من عالم إلى آخر تحول العتبة الانتقال إلى فعل تدريجي. فهي وإن كانت جزءا من البيت، لكنها في الوقت نفسه، جزء من الشارع. إنها الخيط الفاصل بين الأسرة والمجموعة، لكنها الخيط الرابط بينهما أيضا.
في «الكوميديا الإلهية» يخصص دانتي الجزء الثاني للمطهر، وهي تلك المنطقة الواقعة بين الفردوس والجحيم. ووفق رؤيته ينتقل المذنبون بعد أن يقضوا فترة العقوبة في الجحيم إلى هذا البرزخ قبل أن تشملهم الرحمة الإلهية ليدخلوا إلى الفردوس السماوي. ما يميز المطهر عن الجحيم لدى دانتي هو أنه جبل شاهق يبلغ ارتفاعه 3000 ميل فوق الأرض وفيه أفاريز تدور حوله. وإذا كان الجحيم المبني تحت الأرض محكوما بالظلمة، فإن المطهر محكوم بالضوء الطبيعي، لكن أهم ما يميزه عن الجحيم هو حضور الأمل في نفوس ساكنيه من أنهم في طريقهم إلى الفردوس حتى لو يلحقهم العذاب هناك، بينما يطرح الفرد لحظة دخوله الجحيم جانبا أي أمل بالخلاص.
كم يبدو مبدأ الرحمة الإلهية لدى دانتي شبيها بما يطرحه ابن عربي الذي توفي قبل حوالي ثلاثين سنة من ولادة دانتي. لكن المفكر الإسلامي يشمل الجميع بالرحمة الإلهية فأولئك الذين يُعاقبون أولا ستشملهم المغفرة أخيرا، انطلاقا من الحديث القدسي الذي يستشهد به ابن عربي مرارا: «كُتبت على ربكم الرحمة».
وإذا كانت «العتبة» تستقي حضورا رمزيا في «الكوميديا الإلهية» فهي حاضرة بأشكال كثيرة في حياتنا اليومية: لننظر إلى فكرة السحور في رمضان; اللحظة التي يجب التوقف فيها عن الأكل والبدء بالصيام: إنها عتبة تقع بين الليل والنهار، يمكن فيها للمرء أن يميز بين الخيطين الأسود والأبيض على الرغم من أن بزوغ الشمس لم يحدث بعد.
في الإسراء والمعراج ينتقل الرسول محمد من العالم الأرضي إلى العالم السماوي، لكن الانتقال يمر بمرحلتين: الإسراء أولا: الانتقال من مكة إلى المسجد الأقصى، ثم من قبة الصخرة يتم المعراج: الانتقال إلى السماء. وكأن قبة الصخرة هي العتبة الفاصلة بين العالمين.
في كتابه «طقوس العبور» يكتب الأنثروبولوجي الهولندي أرنولد فان غنِب عما يمكن اعتباره باللحظات الحرجة في حياة الفرد لدى بعض الشعوب البدائية والمراسم التي ترافقها. هذه الطقوس تتحرك حسب رأيه عبر ثلاث مراحل: الانفصال، التحول، والاندماج. وفي فترة التحول يكون الفرد موجودا في منطقة «حدودية»، وعادة يُنتزع الصبي الذي دخل توا سن المراهقة من وسط الآخرين ليدخل هذه المرحلة، حيث يتعرض إلى صدمات حادة تؤول أحيانا إلى موته أو إلحاق الأذى الجسدي به، وضمن هذه العتبة يحدث التحول ليغادر ذلك الصبي نهائيا عالم طفولته صوب عالم الكبار حيث تبدأ طقوس دمجه بالمجموعة مرة أخرى.
في رواية تولستوي «الحرب والسلم» تتحول الشخصيات الرئيسية وجوديا عبر مرورها بالعتبة. فالبطل أندريه المتميز ببروده وأنانيته وعجرفته يتحول إلى شخص آخر بعد اجتيازه ذلك البرزخ الملهم. ويتم ذلك حينما استرجع وعيه تدريجيا بعد إصابته بجرح أثناء معركة «اوسترليتز»، إذ حال فتحه لعينيه تواجهه السماء الزرقاء وقافلة متحركة من الغيم الأبيض. في تلك اللحظة يندهش أندريه لمرأى تلك السماء التي بدت لا متناهية، وكأنه في تلك اللحظة بالذات يكتشف أواصره بالكون كله. عند عودته من الأسر، يُظهر للناس شخصية أخرى لا تمت بصلة لشخصيته الأولى. هذا الشيء يحصل للكونت بيير الذي كان ملحدا في شبابه، وميالا للحفلات واللقاءات الاجتماعية. لكن بيير يقع بعد تجربة زواج مريرة تحت وطأة شعور عميق بالإحباط واليأس. وفي رحلة يقوم بها إلى موسكو يلتقي في فندق على الطريق، بأحد الوجوه الماسونية البارزة، وتحت وطأة ذلك اللقاء يحصل التغيير الجذري ليصبح بيير في اليوم اللاحق إنسانا مؤمنا ومتحمسا للمشاركة في التغيير الاجتماعي. كأن لقاءه بالشخص الغريب الذي نظمته المصادفة له، عتبة، عليه أن يمر بها، قبل أن يتم التغيير.
لعلنا نستطيع تلمس التغير التدريجي في شخصيتي بيير وأندريه عبر تراكمات صغيرة تتداخل فيها حتى تلك الأحداث الضئيلة التي تنساها الذاكرة، مثل حالة الطقس في هذا الصباح أو ذاك، شكل أوراق الشجر عند مرورنا به، بعد لقاء عابر بشخص ما ...إلخ. مع ذلك يظل اتخاذ القرارات الحاسمة في حياة المرء وفق رؤية تولستوي محكوما بالمرور بتلك «العتبة». فجأة ينساق الفرد في طريق كان يعتبره قبل يوم واحد حماقة كبرى.. كأن ما يحكم الفرد، في نهاية المطاف، في خياراته الحاسمة قبضة اللاعقلانية: هناك في تلك «العتبة» يحصل التحول، ما كان برعما غير مرئي يصبح شجرة ظاهرة للعيان...
بين العتبة المادية الساكنة جنب الباب الخشبي العتيق، والعتبة الزمنية التي تتم فيها النقلة النوعية على مستوى المصير الفردي أو الجمعي، هناك بعد أسطوري لها. باقترابنا من الرموز التي تحملها في طياتها نكتشف أن وجودها قبل أن يتم بناؤها فعليا كان قائما هناك، في الجوهر الإنساني أو في الروح نفسها.