عن التقويم المصري وتزوير حجر رشيد

19/07/2016 - 10:37:47

د. رفعت السيد علي - كاتب مصري

من خلال بحث جاد ودؤوب وجهد مضن ما زال يتابع مراحله، خرج علينا الباحث المصري إيهاب غريب بالجزء الأول من أبحاثه المهمة وهو كتاب يحمل عنوان "التقويم المصري: مفتاح فك شفرة النقوش المصرية القديمة". وحتى يلم القارئ غير المتخصص بأبعاد تلك الأبحاث التي قد يترتب عليها إعادة قراءة كل التاريخ المصري القديم، علينا أولا أن نقدم موجزا عن الباحث وعن موضوع البحث، ثم رؤية عامة لما قد يترتب عليه من تداعيات.
الباحث إيهاب غريب إبراهيم السيد حرب، من مواليد الزقازيق بمحافظة الشرقية، ولد عام 1968، وتخرج في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة عام 1992، وعمل مراجعا لغويا بعدد من دور النشر والمراكز البحثية المصرية حتى عام 1997، وأسس دار زويل للنشر في الفترة من 1998 حتى 2002، ثم انتقل للإقامة في ألمانيا من 2002 حتى 2008، وكان أبرز نشاط له بألمانيا رصد وتصوير حركة الكواكب المتحركة على خلفية النجوم الثابتة بشكل دوري منتظم من 2005 حتى 2008 (وأعتقد أن ذلك كان مدخله لإعادة البحث في صحة التقويم المصري القديم كما تم وضعه طبقا لأبحاث شامبليون في فض غموض اللغة المصرية القديمة استنادا لنصوص حجر رشيد الثلاثة).
يستند الكاتب في بحثه إلى أن أول خبر نشر عن الحجر في جريدة "كورييه دي ليجيبت" الناطقة بلسان الجيش الفرنسي في مصر بالعدد رقم 37 الصادر في 15 سبتمبر 1799 تحدث عن مقاييس ومضمون الحجر بمقاييس ومضمون مختلف عن مقاييس ومضمون الحجر الموجود حاليا بالمتحف البريطاني، كما نسب الخبر أن زمن كتابته كان في عصر بطليموس فيلوميتور الذي لم يكن قد ولد بعد في زمن بطليموس إبيفانويس الذي ينسب لعصره كتابة الحجر الموجود حاليا بالمتحف البريطاني. وما يعنيه الباحث من ذلك التناقض الأولي ـ في بداية ذكر مقاييس الحجر في الجريدة الفرنسية وعصر الحاكم البطلمي الذي نقش الحجر في عهده ـ أن الحجر الموجود حاليا بالمتحف البريطاني والمعروف عالميا باسم "حجر رشيد" ليس إلا حجرا مزورا وأن أسباب تزويره ليست إلا أسبابا استعمارية.
ينتقل الكتاب إلى نصوص الحجر ويقارن بين النص اليوناني والنص الديموطيقي أي اللغة المصرية الشعبية الدارجة التي كانت سائدة في عصر تدوين النقوش من ناحية التسلسل الزمني المذكور في كل منهما، ويرى المؤلف أن اختلاف مواقع تاريخ معين وأسماء محددة يعني اختلاف النصين في الصياغة، مما يعني عدم قدرة شامبليون وغيره ممن عملوا على فض لغز النص الديموطيقي في ظل اختلاف مواضع الكلمات التي تختلف فيها مواضع الأسماء وبالتالي فكل ما يترتب على المضاهاة بالنص اليوناني غير صحيح وأن استنباط المجهول في النص الديموطيقي من المعلوم في اليوناني استنباط غير صحيح.
ويسجل وجود اختلاف في التاريخ المذكور في أسفل النص اليوناني عن التاريخ المذكور في نهاية النص الديموطيقي، وتؤيد أبحاث ناسا المعاصرة هذا الاختلاف. هناك أيضا اختلاف في كتابة أسماء شهر أمشير إذ استخدم ناقش الحجر حرف "خي" اليوناني في حين كان حرف "سيجما" يستخدم للدلالة على الشين في أمشير في الزمن المنسوب إليه النص، مما يعني أن الحجر لم ينقش في الزمن المنسوب إليه كما لم ينسخه الكهنة المصريون المفترض فيهم أنهم ناسخوه كما يدعي شامبليون. وفي منتصف النقش الديموطيقي ما يشير إلى أن أمشير وهو السادس في ترتيب شهور السنة المصرية القديمة قد ورد في متن النقش الديموطيقي أنه الشهر الثاني من فصل "بيرت"، ثاني فصول العام، مما يعني أن السنة المصرية القديمة كانت مقسمة لثلاثة فصول فقط، في حين أنه من الثابت أن الشهور المصرية القديمة كانت مقسمة إلى أربعة فصول كما هو ثابت ووارد في نقوش لوحة السماء الدائرية التي سرقها الفرنسيون من سقف معبد دندرة في محافظة قنا بصعيد مصر.
فضلا عن ذلك يتناول الكاتب تفسير الفرنسيين للعلامة التي أطلقوا عليها اسم "الخرطوش" والتي يدون بداخلها أسماء الملوك فقط، وقد كتب اسم بطليموس داخل واحدة من تلك العلامات، وبذلك ضموا في إطار هذا التفسير كل الحقبة البطلمية إلى تاريخ مصر القديم واعتبروا البطالمة من الفراعنة، والمقصود بذلك أن البطالمة الذين ينتمون لليونان وقدموا منها لمصر لهم حق تاريخي في الآثار وفي مصر ذاتها.
يوضح الكاتب الباحث أن هذا النقش البيضاوي الذي أطلقوا عليه اسم خرطوش لشبهه بالخرطوش الناري الذي يطلق من البنادق ليس في حقيقته سوى رسم رمزي لغطاء تابوت الدفن، وبذلك لم يوضع داخله أبدا اسم أي ملك مصري وهو حي، بل كان اسم الملك يكتب بعلامة غطاء التابوت بعد موته فقط.
فما هو الظرف والنص التاريخي الذي نقش الحجر في إطاره؟
ذكر شامبليون أن حجر رشيد نص لمرسوم أصدره "كهنة منف" يوثقون فيه تنصيب بطليموس الخامس (إبيفانويس) حاكما مؤلها خلفا لوالده على عرش مصر. وقد كتب النص بثلاث لغات، المصرية القديمة ولم يتبق من النص الهيروغليفي إلا أربعة عشر سطرا مشطوفة من أعلى اليمين شطفا مائلا أضاع من السطور الأولى بعضا من كلماتها ويقل المفقود من النص من أعلى لأسفل، ومن المفترض أن النص ذاته مسجل على الحجر باليونانية القديمة وجاء في 54 سطرا تشتمل على 1470 كلمة مكونة من 7453 حرفا (غير المكسور) يقتضي مضاهاتها وجود 9000 علامة مصرية قديمة وفقا لطريقة شامبليون في القراءة، أي ما يتطلب وجود هرم كبير لا حجر صغير لاستيعاب هذا الكم الهائل من العلامات. والجزء الأوسط مسجل بالديموطيقية أي اللغة المصرية الدارجة المفترض شيوعها في وقت نقش المرسوم المقدس، والحجر مكسور جزئيا في هذا الموضع من جانبه الأيمن من الناحية التي يجب أن تبدأ منها القراءة.
زعم مترجمو هذا النص أن الجزء المفقود من النص يفترض أنه كان يضم تاريخ كتابته، لذلك اعتبر التاريخ الوحيد المدون بالنص اليوناني هو التاريخ المرجعي للنصوص الثلاثة رغم عدم وجوده إلا بالنص اليوناني. ومن خلال بحث دقيق ودؤب توصل الكاتب إلى وجود أخطاء تاريخيه جسيمة في ذلك التاريخ المنقوش مما ينسف أصالة النص أو أصالة الترجمة.
ما أشيع وأعلن عن قصة العثور على الحجر الذي اشتهر عالميا باسم حجر رشيد هو المتداول حتى الآن، فقد ادعى الفرنسيون أنهم عثروا على الحجر بالمصادفة داخل قلعة جوليان على الضفة الغربية للنيل بمدينة رشيد سنة 1799 أثناء الحملة الفرنسية على مصر في أعمال تقوية القلاع والثغور، وزعموا أنهم اضطروا لتسليمه للإنجليز في نهاية هذه الحملة على الرغم من افتراض عدم معرفة الإنجليز بكل ما بحوزة الفرنسيين من آثار ولا مدى أهميتها.
لا تنتهي عجائب وغرائب قصة هذا الحجر المدعى العثور عليه في رشيد (روزيتا) كما يذكر الكاتب باعتباره منشورا نقش أصلا في منف (البدرشين) ووقوعه عن طريق المصادفة المركبة في حوزة الإنجليز سنة 1801 في الإسكندرية، إذ لم تنته كما كنا نتوقع علاقة الفرنسيين بالحجر عند تسليمهم إياه للإنجليز، بل يزعم الفرنسيون أنهم صنعوا منه نسختين طبق الأصل وينسب صنعهما إلى مارسيل وجالاند من مهندسي الحملة، كما ينسب إلى الجنرال دوجوا جلبهما إلى المعهد القومي الفرنسي سنة 1801، أي قبل أن تصل النسخة الأصلية المفترضة إلى إنجلترا عام 1802. وبذلك لا تستطيع مصر مطالبة فرنسا بحجر رشيد لفحصه لأنه ليس أصلا بحوزة فرنسا، كما لا تستطيع مصر مطالبة انجلترا بالحجر لأن انجلترا لم تأخذه أصلا من مصر.
يقول الباحث في نهاية كتابه إن البحث لم يكتمل، وإن كان قد أسس لطرح إشكالية إن صحت فرضياتها فمن شأنها أن تقلب كل الموازين، وكثيرا من قراءات فترات وأحقاب تاريخ مصر القديم. يذكر الباحث في نهاية كتابه البالغ 316 صفحة كبيرة القطع أن الحجر وقراءته وترجماته ليست جميعها إلا مؤامرة استعمارية قصد منها خلق حقوق للغرب في التاريخ المصري القديم، وهي رؤية إن صحت فسوف تطيح بكل مصداقية وأمانة البحث العلمي المنزه عن الغرض، وتدعو الباحثين إلى البدء من أول السطر مسلحين بالأخلاق والضمير لا بأغراض دنيوية فانية.
وقد يكون للحديث بقية بتفاصيل تاريخية أوسع.