صالون الهلال الثقافي .. حرية الإبداع بين المسئولية والفوضى

19/07/2016 - 10:36:02

أحمد البكرى فى افتتاح الصالون - عدسة : ناجى فرح أحمد البكرى فى افتتاح الصالون - عدسة : ناجى فرح

أداره: أحمد البكري - أعده للنشر: مصطفى أبوعايد

في لقائه الخامس بعنوان "حرية الإبداع بين المسئولية والفوضى" انتظم عقد صالون الهلال مستضيفا كوكبة من المهمومين بحرية الإبداع على اختلاف مشاربهم، وكان من أبرز الحضور د. شاكر عبد الحميد وزير الثقافة الأسبق، الناقد والأكاديمي د. زين نصار، الكاتبة والروائية سلوى بكر، المخرج د. مجدي أحمد علي، الشاعرة والأديبة د. فادية مغيث، القاص وجيه القاضي، الناقدة د. نرمين شوقي، الناقدة أمل ممدوح، الناقد والشاعر جرجس شكري، الكاتب أسامة عفيفي، الكاتب عادل سعد، الكاتب والقانوني حمدي الأسيوطي، الشاعر عبد الناصر الجوهري، د. رفعت السيد علي، الناقد عادل جاهين، والفنان المخرج أحمد حامد.
افتتح فعاليات الصالون الأستاذ أحمد البكري مدير تحرير مجلة الهلال، مؤكدا على اختلاف الآراء حول حرية الإبداع بين المسئولية والفوضى، حيث إن لكل شيء حدودا بما فيها الحرية، وتلك الحدود تضبطها عوامل كالدين، المجتمع. الضمير والرقابة الاجتماعية المتمثلة في تقبل الجمهور المتلقي لهذا الإبداع، وطرح عدة تساؤلات عن مفهوم الحرية، الإبداع، من المبدع، وما حدود حرية الإبداع، وهل إذا تم تناول الجنس والدين والقيم المجتمعية بشكل يعتبره البعض تجاوزا، فهل يدخل هذا ضمن حرية الإبداع، وفي حالة الانفلات الإبداعي إن صح التعبير فهل المحاكمة هي الحل أم أن هناك بديلا آخر، وما الضوابط التي تحدد ما إذا كان المبدع قد تجاوز الخطوط الاجتماعية الحمراء أم لا، وأكد البكري عن قناعته بأن الرقيب الوحيد على الإبداع هو ضمير المبدع ذاته.
بعد الافتتاحية تم طرح القضية للنقاش على طاولة الحوار، ابتدأها د. شاكر عبدالحميد مؤكدا أن الإبداع هو أهم ما يميز الإنسان، وبدونه ما وصل الإنسان لهذه الحالة من الرقي البشري الذي تميز به عن سائر المخلوقات، ويجب ألا نخلط بين الإبداع والابتكار، فهناك من يبدع، ثم يأتي من يوظف تلك الأفكار الإبداعية، ومن هنا يأتي الابتكار والاختراع، والإبداع في حد ذاته علم، يشمل جوانب كثيرة، وكي يكون الإنسان مبدعا يجب أن نبدأ معه من الطفولة حيث المرحلة الابتدائية وما قبلها. والإبداع هو مربع ذو أربعة أضلاع، أولها الشخص المبدع ويجب أن نعرف خصائصه ونشأته الاجتماعية ودراسته وكيف شكل ذاته وتصوراته وقدراته وخياله وكل ما يتعلق به كمبدع، والضلع الثاني عملية الإبداع ذاتها فالمبدع بدونها لن يكون مبدعا، وكي تتحقق عملية الإبداع يجب أن تبدأ من مرحلة النمو وصولا لمرحلة الاكتمال، وكي تنشط عملية الإبداع لدى المبدع يجب الاستعانة بعوامل عدة تشمل الخيال والقدرات والذاكرة.. إلخ، وعملية الإبداع تلك تشمل جانبا إراديا متمثلا في القدرات وغيرها وجانبا غير إرادي متمثلا في الأحلام والخيال، وقد تنجح عملية الإبداع وربما تفشل، فإذا نجحت صار الشخص ناجحا إبداعيا، وإذا فشلت فلن نتكلم عنه كمبدع، والضلع الثالث هو الناتج الإبداعي نفسه، قد يكون مسرحا أو رواية أو نظرية علمية.. إلخ، أما الضلع الرابع والأخير فيتمثل في المجتمع الذي يتلقى هذه الجوانب الإبداعية، ومن هنا تأتي الضوابط، فالمبدع في مرحلتي الإبداع والتنشيط حر، ولكن عند تقديمه للناتج الإبداعي يجب أن يكون متوافقا مع المعايير الموجودة، ويجب ألا يحاكي غيره بل يكون مضيفا، فهنا نرى الضلع الرابع يرتبط بالمكان والبيئة، وهذه الضوابط بطبعها من الممكن أن تكون ميسرة للمبدع تشجعه، أو معسرة تحبطه مؤدية به إلى السجن، فهذا يرجع لطبيعة المجتمع، وهذا لا يتماشى مع حرية الإبداع فكيف تسجن مبدعا لأنه تكلم عن مجرم قتل شخصا، ما ذنبه هو ليسجن، ونحن للأسف نعيش تلك المرحلة فلدينا قوانين ازدراء الأديان وخدش الحياء، وهي مرحلة تخلط بين الإبداع المتخيل والواقعي، ولا تعرف أن هذا شيء وذاك شيء آخر، وكي نتجاوز ذلك فنحن بحاجة لتربية المجتمع وتعريفه أن المتخيل مباح ومتاح، ومن لا يريد قراءة هذا العمل لا يقرؤه، ولكن في النهاية من حق المبدع أن يعبر عن رأيه.
ونحن لدينا أكثر من سبعين أو ثمانين تعريفا للإبداع كل منها يركز على أحد الجوانب الأربعة، وكل هذه التعريفات تنحصر في ثلاث كلمات" إنتاج – جديد- مفيد" : إنتاج: فني أو علمي.. إلخ، جديد: فلا يتضمن تكرارا، مفيد: حيث يحمل فائدة سواء كانت اجتماعية أو أخلاقية...
وأشارت سلوى بكر إلى أن التعريف القاموسي للإبداع هو " الإنشاء على غير مثال".
في حين أكد د. شاكر أن هذا التعريف غير دقيق، وهو تعريف ديني بحت، فالذي ينشئ على غير مثال هو الله ذاته دون غيره، فلا يوجد مبدع على مر التاريخ أنشأ على غير مثال، فالكل يحاكي ويضيف، وبناء على ذلك تم استهجان كل جديد من باب "كل بدعة ضلالة".
واتفقت معه سلوى بكر في ذلك، مضيفة إلى أننا كي ننشئ على غير مثال فيجب أن نتمتع بحرية بلا حدود، والمشكلة ليست في مرحلة الإبداع بل تكمن في ظهور الإبداع في سياقات مجتمعية، تضم قيما ومنظومة أخلاقية ورؤية معينة من خلالها تتلقى هذا الإبداع. ومن هنا تبرز إشكالية العلاقة بين الإبداع والحرية، وللأسف الشديد يعاني مجتمعنا الماضوية بامتياز، فثقافتنا برمتها ثقافة ماضوية، وهي لا تقبل الحرية في جملتها، فدائما لديها تحفظات، والعالم المعاصر الآن تجاوز الماضوية وصار فيه الإنسان مركز الكون، ومن المعروف أن السعادة الإنسانية ترتبط دوما بالحرية، فبدونها لن أكون سعيدا، ومن هنا تبرز الأزمة في مجتمع ماضوي في رؤيته وقيمه ومفاهيمه وثقافته، دائما يحدث فيه صدام بين الإبداع وتلك الثقافة الماضوية الرافضة له.
واستطرد د. شاكر قائلا بأن فائدة الإبداع تكون للإنسان بشكل عام، فأي إبداع يوازي الابتكار، فعندما ظهرت الكاميرا بفرنسا 1839م، أحدثت تغيرا بشكل الحياة تماما، تغيرا في القانون والموسيقى والسياحة وكل ما يتصل بالتصوير السينمائي، وظهرت مهن جديدة كالمخرج والممثل والمنتج والمونتير.. إلخ، فهنا الفائدة عامة، ومفيدة كذلك كونها تؤثر على الوعي والوجدان والشعور والخيال والحياة الإنسانية بالمعنى الإنساني لا الاجتماعي فحسب، فهناك فائدة مادية ومعنوية وأخرى اجتماعية وإنسانية، ولو فكر المبدع في أن حصيلة إبداعه ستستخدم في الشر ما كان اخترعها مثلما تستخدم الكاميرا الآن في الفضائح والتشهير على اليوتيوب وغيره، أو كاستخدام الطاقة النووية في الدمار الآن، فالعملية ترتبط بالاستخدام الأخلاقي في الأساس.
وتساءل البكري قائلا بأن الإبداع الحقيقي يفرض نفسه، وبالحرية نكون أكثر إبداعا وإنسانية، فما مفهوم الحرية؟
فأجابت سلوى بكر بأن المجتمع الماضوي يتساءل في سياق تاريخي محدد، عن جملة من الأسئلة الحضارية وأجاب عنها، وكانت الإجابات متسقة مع معطيات هذا السياق ولكن الحياة بطبيعتها في تطور، والمجتمع الماضوي يعيش على أسئلة الماضي وإجاباته، ولا يستطيع أن يطور أسئلته وفقا لتطور الحاضر، هذه هي الإشكالية هنا: لماذا نحن مجتمع ماضوي، إننا نفرح ونحزن ونتزوج بنفس أساليب الماضي، لماذا لا نجدد الأسئلة الحضارية المتعلقة بالحياة، من هنا يكون الصدام مع الإبداع، لأن الإبداع يأمل في حرية بلا حدود.
وأشارت إلى أن أي تعريف للحرية هو تعريف نسبي، فالحرية ضرورة تختلف من جماعة بشرية لأخرى، فالحرية بقدر ما تلبي الحاجات البشرية يتغير معناها، مؤكدة أن الثقافة الماضوية مثلا لا تقبل أن تتبوأ المرأة مكانة بالمجتمع، مرتكزة على تقسيم اجتماعي قديم، فالمرأة صانعة للحياة والرجل هو صانع العالم، وليس مسموحا لها بتجاوز هذا الدور لغيره..
وأكد د. رفعت السيد علي أن المقولة التي تشير إلى أن حرية الفرد تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين، تختلف تماما مع حرية الإبداع، فنفترض أن المبدع قاطرة فكرية أو على الأقل يمتلك رؤية توفر له آفاقا أوسع، وبالتالي تتيح له الحرية في طرح الرؤى، ومدى اصطدامها بحرية المجتمع مسألة نسبية، والمجتمع المصري مثلا له طبيعة خاصة فكريا ومعرفيا، وهذا يحدد لنا طبيعة القيود التي تفرض على الحرية الإبداعية عندنا، فمسألة قبول المجتمع هنا قيد سيئ للغاية، لأنه قيد يعكس مدى تخلف المجتمع وثقافته الماضوية، والثقافة الماضوية أولى سماتها ارتباطها بالدين بشكل سيئ، حيث لا ترتبط بصحيح الدين بل بفكر مغاير تماما، وهو ما نطلق عليه الدين الشعبي، ما يخرج عليه يحكم بكفره رغم عدم صحته، وثمة مشكلة أخرى في واقعنا الثقافي حيث يتم تقنين الإبداع وتكبيله بقوانين مجحفة، وهناك تكبيل أكبر من الرؤية المجتمعية، فإذن التكبيل ليس فقط مقصورا على الحكومات فقط وهذا يعكس مدي التدني والحجر على حرية المبدع، فعلينا التفكير في كيفية تجاوز النظرة المتدنية للإبداع، والنظر إليه دائما بريبة، وتجاوز التدني المعرفي والثقافي للمجتمع المصري.
وعارض الأستاذ سعد القرش هذا الرأي موضحا أن الدين الشعبي لا يعارض حرية الإبداع، فالدين الشعبي يؤنسن الله، ولكن هناك وهم "قيود المجتمع" تصنعه السلطة للإلهاء فقط، وهذا نلاحظه في المشاكل الرقابية الأخيرة، حيث قضايا المصادرات الأخيرة، فلم يعترض المجتمع على بعض الروايات في حين يتصدر وزير الثقافة المشهد ويهاجم الروايات باسم الدين، فأذكر مثلا عند صدور رواية حيدر حيدر تخرج مظاهرة كبيرة من طلبة الأزهر اعتراضا على الرواية وهم لم يقرأوها، وهي موجودة بمكتبة مدبولي منذ سنوات بعيدة، فلماذا الاعتراض الآن، ولم يحدث أن أضير المجتمع على مر التاريخ من الإبداع على الإطلاق، لأن الإبداع شخصي والمبدع لا يجبر أحدا على رؤية ما يبدع، وأستدل هنا بنموذجين: الأول رواية مترجمة بعنوان "الرجل الذي مات" وترجمها د. رمسيس عوض وصدرت في سلسلة روايات الهلال سنة 1996م، وكتبها صاحبها في هذيان الموت 1926م، وتتكلم عن السيد المسيح وعودته مرة أخرى للأرض، الغريب أن هذه الرواية عندما صدرت لم يكتب عنها خبر ولا مقال، واختفت تماما بعد صدورها، وفي مقدمة الترجمة كتب رمسيس عوض أنه ضد الأفكار التي جاءت بها ولكن إخلاصه للإبداع والموهبة أقوى، وحاولت معه أن أعيد طباعتها لكنه رفض وبشدة، النموذج الآخر قصيدة لجرجس شكري في مدح يهوذا باعتباره السبب وراء أسطورة المسيح ورغم أنها لم تكفر أحدا إلا أنها هوجمت بشدة مثلها مثل الرواية.
وأكدت سلوى بكر ما ذهب إليه سعد القرش فذكرت أنه في القرن الثاني عشر الميلادي جاء خيال الظل إلى المنطقة، وكذلك ابن دانيال إلى مصر وقدم باباته الشهيرة، مع العلم أن بابات ابن دانيال كانت مليئة بالفحش والبذاءات، وعندما أراد د. يوسف نجم تحقيقها قام بحذف عدة أجزاء منها، ومع ذلك لاقت البابات انتشارا واسعا مجتمعيا رغم ما جاء فيها، وتم منع خيال الظل عندما استخدم فى السخرية من سلاطين المماليك، وحقيقة أن ما يحدث هو استخدام الدين كأداة لقمع الإبداع، مثلما حدث مع طه حسين في " في الشعر الجاهلي"..
وأشار أحمد البكري إلى أن هناك جوانب أخلاقية تربوية تحكم النظرة إلى حرية الإبداع، واستشهد بأحد المشاهد فى فيلم "الغضب" الذى لعبت بطولته سهير رمزي أمام فريد شوقي من إخراج أنور الشناوي 1972، الذي يحث فيه غريم فريد شوقي "سمير ولي الدين" ابنه الطفل ذا السنوات السبع على شرب الكحوليات لمجرد أن يظهر مدى حب الأب لابنه وتدليله له، مشيرا إلى عدم وجود ضرورة إبداعية ملحة لمثل هذا المشهد، فما تم تقديمه هنا كان من الممكن تقديمه بشكل آخر لا يتعارض مع الجوانب الأخلاقية التربوية..
فأجاب د. مجدي أحمد علي: ربما يكون المغزى من ذلك أنه يريد أن يجعله مجرما، مثل المشهد الذي جاء في فيلم "شيء من الخوف" الذي كان يعلم فيه البطل الطفل الصغير على ذبح الحمامة، أما إذا كان المشهد دخيلا فهذا عيب كبير من المخرج طبعا ولا علاقة له بالإبداع، وأكد أن الحرية في معناها الحقيقي ضد القيود، وأضاف أنه في عمله السينمائي لا يخشى الرقابة فهي مجموعة من الموظفين يسهل خداعهم ، لكن المشكلة في المجتمع ذاته الذي لا يتقبل الأفكار المعروضة، ويحاول جاهدا تمرير أعماله متجنبا استفزاز القيم الراسخة عند المجتمع، وهذه الرقابة المجتمعية ذاتها تعتبر عائقا أمام تقدم المجتمع وتطوره، فعلى سبيل المثال ما زال هناك بعض الأشخاص يرفضون عملية نقل الأعضاء والاستنساخ، وأضاف أيضا أن التحدث في مسائل كالجنس والدين وغيرهما من الرواسخ والتمرد عليها من قبيل الحرية ، والنبي محمد نفسه قد تمرد على ديانات قبله، وكذلك النبي عيسى تمرد على مشاكل باليهودية، والآن عندما نتكلم عن تجديد الخطاب الديني فإننا نصطدم بإطار راسخ، فيجب أن يكون لدينا حرية في مناقشة الأفكار الدينية ومناقشة مدى ملاءمة الخطاب الديني الحداثي للأفكار المتطورة، فلم يعد مقبولا أن نأخذ بالأفكار الموجودة منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام، وإذا جئنا إلى مسألة الجنس فيجب مناقشتها كسلوك إنساني واعتبار المرأة جزءا من الحياة، وليس باعتبارها عارا وعورة وأن كل ما يخص المرأة هو خطيئة، فيجب أن نتخلص من فكرة الإثارة وكأننا لسنا بآدميين، وفي المجتمعات المقدمة يتناولون الجنس في السينما كجزء طبيعي من الحياة ويتناوله المتلقي كجزء عادي في السياق، ولكن لكوننا مجتمعات فقيرة ومحرومة نعاني أفكارا ضاغطة علينا، نرى ذلك برؤية مختلفة، وإذا ما تخلصنا من ذلك ستتغير فكرة الحرية نفسها عندنا بشكل كبير.
واستفهم البكري عن مشهد الغواية في مسلسل يوسف الصديق الإيراني، حيث إنه نقل إلينا كل الأحاسيس والمشاعر دون أن يلمس أحد الآخر.
وأجاب د. مجدي أحمد علي بأن ذلك ممكن، والله سبحانه وتعالى وصف مشهد الغواية في القرآن وصفا شديد الوضوح، فكان من الممكن أن يقول هبت عاصفة أو غير ذلك، ولكن جاء السياق واضحا "همت به، وهم بها" و " إن كان قميصه قد من دبر" وهكذا، ولا ننسى أن لفظ النكاح جاء صراحة في كثير من نصوص القرآن والسنة.
فيما أشار الناقد عادل جاهين إلى أن مشهد الغواية في يوسف الصديق جاء ضمن سياق مجموعة مشاهد مرتبطة بنيويا ببعضها، فالمشهد هنا تم تقديمه تبعا لمدرسة فنية معينة يتبعها المخرج بإحساسه المبدع، فهناك مخرج آخر ربما يأتي بالجنس في أعماله بشكل فج وصريح عكس ما جاء في يوسف الصديق، فمثلا صلاح أبو سيف كان مغرما بالرمز والتجريد في تقديم تلك المشاهد، عكس يوسف شاهين تماما، ومحمد خان يقدم ذلك بشكل مختلف أيضا، فكل مبدع له سياقه الذي يقدمه بإحساسه هو وبأدواته وتكنيكه الخاص به وبحرية.
وعلق المخرج أحمد حامد على هذا المشهد بأنه لم يأت بهذا الشكل تبعا لرؤية واتجاه المخرج فقط، ولكن ارتباطا بطبيعة المجتمع الذي يقدم إليه العمل وهو المجتمع الإيراني وله خصوصيته، فبدا المخرج متحايلا بالفكرة الفنية والإبداعية لإمتاعنا من خلال محددات مجتمعه الإسلامية التي يؤمن بها المتلقي، فلم يبرز لنا بوضوح كل ردود الفعل من زليخه إزاء جمال يوسف.
بينما أكد د. مجدي أحمد علي أن الإثارة ضرورة لكي توصل معاناة البطل الشاب للمتلقي، فلا بد أن تظهر المرأة أمامه في المشهد جميلة ومغرية، حتى يكون المشهد مقنعا.
وأضاف سعد القرش أن المبدع ليس بحاجة للجوء للرمز كي يتفادى حساسية المجتمع تجاه قضية ما، فإذا قلت بأن هذا الفن هادف فهذه فجاجة فنية، فربما يرى جيل فجاجة في عمل ما ولا يراها جيل آخر، ففيلم "المذنبون" سنة 1977م، أجازته الرقابة، ولكنه قوبل بالاعتراض من قبل بعض الأشخاص بالكويت، فكانت النتيجة أن استبعدت الرقيبة، والحذف نفسه لبعض المشاهد قد يؤدي لتشويه العمل، فربما يتخيل المتلقي شيئا لم يحدث.
وكان د. زين نصار أكثر توصيفا للمشهد عندما أشار إلى غياب الوعي المجتمعي، نتيجة التجريف الذي تم خلال سنوات طويلة، وغياب ممارسة الفنون والرياضة بالمدارس، فالأطفال في مراحلهم الأولى لديهم فرصة لتفريغ طاقاتهم وتذوق الفنون، ولكن ذلك لا يحدث الآن نتيجة عدم الممارسة، وقد ذكر له عدد كبير من كبار الفنانين الآن أن ممارسة تلك الأنشطة في صغرهم ساعدتهم كثيرا في إبراز طاقاتهم الإبداعية، وغياب هذه الممارسة الآن هو ما أنتج لنا ما نراه الآن من تدن على مستوى المجتمع بأسره، وقد تعجب من تصريح وزير التربية والتعليم مؤخرا من طلبه بإعداد حصر بالأماكن الخالية بالمدارس للبناء عليها، بدلا من زيادة مساحة الملاعب أو حجرات للفنون. وأضاف أن الوعي يأتي من عدة مصادر منها المدرسة والتلفاز والإذاعة ومؤسسات الدولة الثقافية، فعندما نحجب الجيد مثلا ونذيع الرديء فماذا نأخذ غير ما نراه الآن.
وذهب جرجس شكري في هذا الاتجاه مؤكدا على أنه لا إبداع بدون حرية، والصراع بين التدين والإبداع صراع أزلي منذ بدء الخليقة ولن ينتهي، ولكن المشكلة في تسييس هذا الصراع، وإحكام قبضة الدولة عليه، فمثلا في "وليمة لأعشاب البحر" وقفت وزارة الثقافة تدافع عنها، وبعدها بثلاثة أشهر تقوم وزارة الثقافة ونفس الوزير بمهاجمة ثلاث روايات والعجيب أنها من إصدار وزارة الثقافة نفسها، فهناك اعتبارات أكبر من العملية الإبداعية، وهناك أفلام وكتب تتم مصادرتها، بينما لا تتم مصادرتها بعد سنة مثلا، ونجد موقفا مشابها في التاريخ الفرنسي عندما وقف لويس الرابع عشر يساند كتاب المسرح أمثال "راسين" ضد رجال الدين والإقطاعيين؛ ولولاه لفتكوا بهم، فالسلطة إذن هي الفيصل هنا، فكتاب "الإسلام وأصول الحكم" عورض بشدة في مصر من السلطة، لا لشيء إلا لأنه يعارض رغبات الملك فؤاد حينها، وليس لاعتبارات دينية كما يدعي البعض، في حين أن كتاب " لماذا أنا ملحد" لم يقابل بنفس الهجمة.
فيما أشارت د. فادية مغيث إلى أن علاقة المجتمعات بالسلطة السياسية يشوبها القداسة، فإذا قمت بحملة توعية تجد استجابة جيدة، ولكن في النهاية تجد من يتراجع معظما السلطة، من منطق "الكبير كبير" و "من أعمالكم سلط عليكم" مثلما حدث مع الرئيس الأسبق مبارك، فقد خرجت الجماهير ضده وبعد خطابه الذي أشار فيه أنه يفض أن يموت في وطنه مصر، حينها تأثر الكثيرون وهاجموا الثوار.
وكانت للكاتب الصحفي أسامة عفيفي ملاحظات قيمة بهذا الشأن حيث أكد أن المصادرات ليست وليدة اليوم، والأغرب أننا إذا رجعنا للتاريخ سنجد أن أول مصادرة ضد حرية الرأي والإبداع في الإسلام كانت على يد المعارضة، متمثلين في المعتزلة حينها، حيث تبنوا فكرة خلق القرآن، وهاجموا بشدة كل من عارضهم وتسببوا في تعذيب الإمام أحمد بن حنبل بعدما حظوا بتأييد الحاكم لهم، كما أشار كذلك إلى أن سلطة المال كانت عائقا ضد الإبداع فلم يكن يحظى بالقراءة واقتناء الكتب إلا الأغنياء، فكاتبا كالجاحظ كي يقرأ ليتعلم ويبدع عمل نساخا.
وكذلك التحيزات السياسية كانت ضد حرية الإبداع، ويتجلى ذلك بوضوح إذا عرفنا أن الذي قاد الهجمة الشرسة ضد طه حسين وكتابه "في الشعر الجاهلي" هو سعد زغلول، واسبب ليس غضبة للدين ولكن كون سعد زغلول وفديا، وطه حسين من المحسوبين على الأحرار الدستوريين، وهذا لا ينفي تقييد السلطة للإبداع ويبرز ذلك في هجم السعودية على أنصار الشعر الحر ومعاقبتهم، إعلاء للشعر العمودي.
وكذلك لا يخفى دور المال السياسي في توجيه المبدع، فدولة مثل أمريكا نفق الكثير لإغراء المبدعين لتزييف الموروث الشعبي، وكتابة ما يخدم يخدم توجهاتهم لا ما يؤمن به المبدع نفسه.
بينما أوضح الكاتب الصحفي عادل سعد أنه في ظل الأمية التي يعانيها معظم أفراد الشعب، فإننا نرى تدخل السلطة كبيرا وملحوظا، ففي دولة مثل مصر فإن السلطة هي التي تمنح وتمنع وتشوه النص حسب ما يخدم توجهاتها، ويتجلى ذلك في توظيف السلطة لأدواتها لتشويه صورة الصحفي الآن، وصنع ما يشبه بالحظيرة تضم المثقفين، ومن ترضى عنه يعلو نجمه، وكلنا نعرف ما حدث لكثير من المثقفين في الفترة الناصرية حيث الحبس والتعذيب، وهناك أيضا سلطة خفية، فعندما طعن نجيب محفوظ سألت الشاب الذي طعنه فكانت المفاجأة أنه لم يقرأ له، وإنما حاول قتله لأنه كافر بناء على فتوى من د. عمر عبد الآخر، وكانت المفاجأة الأخطر أن د. عمر لم يصرح بهذه الفتوى، إذن من وراء ما يحدث، أضف إلى ذلك سلطة الغوغاء التي تفرض بقوة شروطها على الواقع الإبداعي.
وكان ثمة تساؤل مهم لأحمد البكري حول ما إذا كان هناك حل أفضل من المحاكمة في حالة الانفلات الإبداعي، أو التجاوز من المبدع.
فأشار الكاتب والقانوني حمدي الأسيوطي إلى أن هناك عقبة من الناحية القانونية تبرز في توصيل العمل الإبداعي للقاضي الذي سيحكم، فقديما في قضية طه حسين كان ممثل النيابة محمد نور مثقفا وقارئا فانتصر لطه حسين كمفكر اكثر منه كشخص، وذلك من خلال اطلاعه على كتبه، بينما في قضية د. نوال السعداوي فعندما سألت وكيل النيابة عن آخر قراءاته، فكانت المفاجأة أن قال "البداية والنهاية" لابن كثير، وهو لم يقرأ لها ولم يسمع باسمها قبل الآن، فاعترضت ورفضت أن يحقق معها، وعندنا عقبة أخرى وهي أن دستور 2014م، الخاص بهذه النوعية من القضايا فضفاض حاملا لعدة أوجه، والحكم في هذه القضايا يرجع لتفسير القاضي، والحل لهذه العقبة هو استدعاء خبير في القضية المعروضة لتوضيح الأمر.
وأضافت الناقدة أمل ممدوح أن الخوف من الهجوم الذي نراه الآن على المبدع يجعلنا نحجم عن الكتابة، ونجد أنفسنا أمام مأزق حيث إننا بحاجة للتعبير عن النفس، فماذا نفعل أمام تلك المعضلة، إننا بحاجة لحماية الاختلاف، بحيث إذا اختلفت مع الآخر لا أهاجم بهذا الشكل المزري، والحل الأمثل هو تربية الذائقة والوعي عند المتلقي منذ الصغر، والدليل على ذلك أن المجتمع قديما كان أجمل بكثير مما نراه الآن، حيث كان التعليم مختلفا وتربية مبكرة للذائقة عند الأطفال.
وكان للكاتب والقاص وجيه القاضي مداخلة رائعة، حيث أشار إلى دور النخبة في إفساد الحركة الإبداعية لعدم دعمها للحرية الإبداعية، فالنخبة المثقفة كانت تحيط بمبارك رغم فساده، فكيف تبدع وهي تعمل على إرضائه، والنخبة ذاتها هي من أضرت بعبد الناصر حينما تغنى به الشعراء والمغنون وكتاب المسرح، والنخبة المثقفة نفسها هي من صنعت أسطورة أدهم الشرقاوي ومجدته رغم أنه كان في الحقيقة مجرما خطيرا، فهل ننتظر بعد ذلك حرية إبداعية والنخبة المثقفة بهذا الشكل.
فيما هاجم الشاعر عبد الناصر الجوهري بشدة ما أسماه سلطة المثقفين ووقوفها عائقا ضد حرية الإبداع، فرؤساء التحرير والمسؤلين بالوسط الثقافي لا ينشرون إلا لمعارفهم والنشر يخضع للمجاملة وليس لجودة المنتج الإبداعي، وكل من يجامل المسئول الثقافي يحظى بالنشر ومنح التفرغ، والويل لمن يعارض.
وقد كان ختام الصالون مع الناقدة د. نرمين شوقي التي قدمت إطلالة مثمرة حيث أفادت أن حرية الإبداع مقيدة في الغالب بالسلطة السياسية أو الدينية أو غيرهما، وكلما تقدمت المجتمعات ظهرت الحرية الإيجابية، وعبقرية المبدع الحقيقي تكمن في رسالته، وطريقة توصيلها، ولا ننسى القاعدة التي تقول بأنه كلما ازداد استعمال العقل، قل الاستمتاع الحسي، فعندما أزيد من إعمال العقل عند المتلقي فإنني أقلل عنده اللذة الحسية، وبذلك أوائم بين حرية الإبداع فيما أريد توصيله وضوابط المجتمع، والمبدع الحقيقي هو من يوظف ذلك بشكل درامي جيد، فمثلا في فيلمي "زواج بقرار جمهوري" و "آسف على الإزعاج" قام المبدع بتوصيل رسالة مضمونها انفصال السلطة عن الشعب وذك بإعمال العقل دون ذكر ذلك صراحة، وأكدت كذلك على أهمية تفعيل حصة التعبير المدرسية، لأهميتها البالغة في تنمية حرية الإبداع والتعبير عند الطالب منذ الصغر.