ياسين رفاعية .. وداعا

19/07/2016 - 10:34:35

ياسين رفاعية ياسين رفاعية

يوسف الشاروني - كاتب مصري

غادرنا في شهر مايو الماضي صديقنا المبدع السوري المولد اللبناني الإقامة ياسين رفاعية، وكان قد أهداني منذ شهور آخر رواياته "ياسمين"، مستفسرا عن طريقة تقديمها للمسابقة التي تجريها سنويا الجامعة الأمريكية بالقاهرة باسم نجيب محفوظ، وتمنح جائزتها لعمل عربي متميز تترجمه بعد فوزه مع منحة مالية، فأبلغته بالموقع الإلكتروني الذي يحدد شروط الجائزة وطريقة الاشتراك فيها.
وقد عشنا أكثر من ثلاثين عاما معا متبادليْن إبداعاته وإبداعاتي، مأساة وفاة زوجته بالسرطان ثم ينهش من جديد جسد ابنته العروس "لينا". وقد دُهشت حين قرأت في الصفحة الأولى "ياسمين" (بيروت 2015) الإهداء إليها وإلى زوجها "جون"، حتى حسبت لحظة أن ياسين رفاعية مسيحي وأنا لا أعرف طوال علاقتنا حتى تكشفت لي الحقيقة وهي أن زوج ابنته كان إنجليزيا اسمه جون ثم أصبح عبد الله عند زواجه من ابنته التي أطلق عليها الاسم الروائي "ياسمين" بدلا من لينا.
وتثير هذه الرواية قضية العلاقة بين الإبداع الروائي والواقع الحكائي المستمد منه، وأين الواقع وأين الإبداع الذي أعاد تقديمه لنا لتصبح هناك مسافة بين ما وقع (التاريخ) وما يُحتمل أن يقع (الفن).
ولست أذكر متي انبثقت العلاقة بيني وبين الصديق المبدع ياسين رفاعية، لا شك أن الإبداع الأدبي هو الذي جمع بيننا حافزا لصداقة شخصية، كما كان الإبداع هو الذي تجاوز ما بيننا من بُعد مكاني بل ألغاه. ولعل البداية المعلنة بيننا كانت مقالا من ياسين رفاعية في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 2 يونيو 1994 عنوانه "الشاروني تجاوز إدريس: الزمن الضائع في القصة العربية" وكان بذلك يرد بل يتحدي التيار المتداول عن جماهيرية يوسف إدريس معلنا أن "معظم قصص الشاروني تتحرك في زمنها دون أن تخطف زمن غيرها، أي بصورة أدق قصصه تفهم تماما معني الزمن في القصة القصيرة، إذ تتحرك في امتداد زمني لا يتعدي أحداثها، لكن التداعي يستخلص من الماضي ما يخدم المضمون والشكل معا. ولعل يوسف الشاروني أول من اكتشف معني الزمن في القصة القصيرة في مصر، بل منذ أوائل الخمسينيات قبل أن تتطور القصة القصيرة في سوريا على أيدي عبد السلام العجيلي ومطاع صفدي وعادل أبوشنب وزكريا تامر (الذي منحه المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة جائزة العالم العربي للقصة القصيرة عام 2011 متجاوزا يوسف الشاروني).
وكان جواب القرار – بالمصطلح الموسيقي – من جانبي حين نشرت في صحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 17 مارس 1995 دراستي عن روايته "مصرع ألماس" فوق عنوان فرعي "شخصيات واقعية وأخري وهمية. تعدد الرواة ومفارقات الرواية" تستعصي على التلخيص هنا. لكنني أستطيع أن أشير إلي أن رواية مصرع ألماس تنقسم إلي قسمين، كل منهما مواز للآخر وتكرار وتأكيد له، وتنويع عليه كالنغم وقراره في اللحن الموسيقي. وقد أنهيت دراستي بأن السمة الأولي للرواية هي تعدد الرواة. واختلاف مستوياتهم الروائية وتداخلهم بحيث يشف كل راو عن الرواة الذين يروي عنهم والذين يقبعون وراءه أو داخله.
هذه السمة شديدة الصلة بسمة أخرى هي تفاعل الأزمنة وتبادل مواقعها، فالحاضر غالبا ما يرد على لسان الراوي المشاهد ولا يكشف عن جانب مما أدي إليه الماضي، حتي إذا ما ارتددنا إلي الماضي عن طريق الراوي المشارك تكاملت أمامنا الرؤية، وانتابتنا نشوة معرفة سر – نحن القراء الغرباء – غاب عن الرواة الشهود. أما الرواة المجهولون فكأنما كونهم مجهولين يعطيهم الجرأة على إضفاء المناخ الأسطوري الذي يغلف الرواية ويتغلغل في نخاعها. وهؤلاء الرواة – على تعددهم واختلاف مواقعهم - لا يتناقشون بل يكمل كل منهم الآخر. فالحقيقة هنا واحدة، ولكن لها أكثر من جانب إن غاب عن راو بحكم موقعه أكمله راو آخر، إذا أضاف إليها أو حذف منها فهو لا يفعل ذلك إلا ليهبها وقعها النفسي الذي هو دائما جانب من الحقيقة بحكم تخلقها في مجتمع إنساني حقائقه نفسية بقدر ما هي مادية، وتفاعلهما معا يكوّن لب الحقيقة.
أما ثالث السمات فهي تلك الثنائيات التي يبدو تناقضها في ظاهرها بينما تتكامل في حقيقتها. في مقدمة هذه الثنائيات: ثنائية الحب والموت. هذه الثنائية نفسها تقدم لنا ثنائية أخري هي ثنائية الشرق والغرب التي تخيم على المسار الروائي كله.
وفي يناير 1997 كان لقائي – ربما الأول – بياسين رفاعية حين جاء مدعوا لحضور معرض الكتاب الدولي بالقاهرة. وقد سجل أثر هذا اللقاء في كلمات سريعة أرسلها بعد ذلك إليَّ في رسالة بتاريخ أول فبراير 1997 كتب فيها مجاملا: كان أجمل ما في القاهرة اللقاء بك والسيدة نرجس وردتك، وشادن الجميلة التي أسرتنا بلطفها ودماثتها. كان هذا اللقاء من أجمل كنوز القاهرة الثقافية، ولِمَ فيوسف الشاروني على يديه عرفنا كيف تُكتب القصة القصيرة ، ولن تستطيع الكلمات أن تعبر عن فرحنا بهذا اللقاء الذي أرجو أن يكون مشجعا على التواصل دون توقف. وأمل أحبت نرجس كثيرا، وتأمل أن يكون اللقاء المقبل أسرع مما نتصور.
وبتاريخ 3 سبتمبر 1997 نشر حديثا بيننا في صحيفة "المحرر نيوز" عنوانه "الضغوط على الإنسان المعاصر تجربة تحرمه حتى من حرية التبول" افتتحه بقوله: كرمت مصر كاتبها (كلمة هنا يخجلني ذكرها) يوسف الشاروني لمناسبة بلوغه الثانية والسبعين، وعودته بعد غياب دام أكثر من اثني عشر عاما في سلطنة عمان على الخليج العربي، وأعلنت الهيئة المصرية العامة للكتاب إصدار أعماله بهذه المناسبة، كما صدر عنه كتاب بعنوان "يوسف الشاروني مبدعا وناقدا. ضم مختارات مما كُتب عنه من دراسات ومقابلات خلال أربعين عاما.. ومع بلوغ الكاتب الثانية والسبعين، فإنه لم يتقاعد. وخلال شهور عدة من عودته أصدر كتابه الهام جدا" القصة تطورا وتمردا"، كما أصدر كتابا آخر بعنوان" عشرون قصة حب" اختارها لعدد من كاتبات مصر، قدم لها بدراسة طويلة، متحدثا عن عاطفة الحب قديما وحديثا وعلاقتها بعلم النفس وعلم الإجتماع.
وفي 20 نوفمبر 1999 نشر في صحيفة "المستقبل" مقالا عنوانه "الشاروني يروي الحب في التراث العربي: العاشقان دخول في ثوب واحد ". تناول فيه الطبعة الثالثة من كتاب " الحب والصداقة في التراث العربي والدراسات المعاصرة".
وبتاريخ 7 أبريل 2003 أرسل خطابا يقول في ختامه: أطرح عليك الأسئلة ليس من أجل إزعاجك، بل من أجل التواصل. فالسؤال دائما له جواب. ثم يرسل سلامه من أمل إلى نرجس.
وقد نشرت هذا الحديث في ختام سيرتي الذاتية "ومضات الذاكرة" (المجلس الأعلي للثقاقة، القاهرة 2003) بعنوان "حوار مع الأديب السوري ياسين رفاعية" لعل أهم ما جاء فيه أن "رؤيتي الكابوسية في كثير من قصصي ترجع إلى أنني كنت أكتب ووقـْع ما اتفقنا على تسميته "نكبة فلسطين" عام 1948 على وجدانى شديد الوطأة ، متوجسا دائما أن تتكرر لأن أسباب تخلفنا الحضاري كانت لا تزال مستمرة. ولعل انتشار أسلوبي القصصى بعد ما أسميناه "نكسة 1967" تأكيد لذلك، بعد أن كان تأثيره محدودا لمدة تقارب خمسة عشر عاما (منذ نشر أولى مجموعاتي "العشاق الخمسة" عام 1954).
ولأنني كنت أشعر أن أزمتنا حضارية بالدرجة الأولى – مارة بأزمتنا الاجتماعية – فإنني كتبت قصصى التي أطلق عليها النقاد اسم "القصص الكونية" مثل قصة نشرة الأخبار وهي قصة بيت في إحدى حواري القاهرة ينهار على المشاركين في العرس في أعلاه ومأتم في أسفل طوابقه، بينما تعلن الإذعة من أحد مقاهي الحارة وصول الإنسان إلى القمر. ومثل قصتي "مصرع عباس الحلو" و"زيطة صانع العاهات" المستوحاتين من رواية "زقاق المدق" لنجيب محفوظ، حيث نجد المسؤول عن مصرع عباس الحلو في حانة في حارة من حارات القاهرة هو العالم كله بدءا من القادة العالميين الذين أشعلوا الحرب العالمية الثانية إلى الذين صنعوا الخمر وزجاجات الخمر في فرنسا والتي قتل بها الجنود الإنجليز عباس الحلو عندما هاجمهم في الحانة حين اكتشف مرافقتهم لحبيبته حميدة، حتى صديقه حسين كرشه الذي دفعه إلى ترك مهنته الحلاقة والخروج من الزقاق للعمل بالجيش الإنجليزي، وحبيبته حميدة التي من أجلها غادر الزقاق لكي يعود ومعه ما يستطيع به زواجها. كذلك زيطة الذي كان يصنع التشويه للأصحاء حتى يستطيعوا أن يستدروا عطف القادرين وينفحوهم ما يُكَفرون به عن خطاياهم، ومقارنته بالمسيح الذي كان يشفى العمى والصم والعرج فيهبهم بذلك حياة جديدة، وقد طالب راوى القصة أن يقيموا لزيطة تمثالا على رأس زقاق المدق على نحو ما يفعلون لقادة الحروب التي يموت فيها الملايين.
وقد وُفقت في إعادة نشر روايته "مصرع ألماس" في سلسة الروايات التي كانت تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر للروائيين العرب، لكن المشكلة كانت في كيفية حصوله على مكافأة التأليف، فلا بد أن يتسلمها بالعملة المصرية والتوكيل متعذر، وهكذا فازت الهيئة بالمبلغ. كتب لي ياسين رفاعية بتاريخ 19 يناير 2004 "حاولت أن أرسل لك وكالة قانونية فاكتشفت كم هي مربكة ومعذبة ، كان صديقي الكاتب وليد إخلاصي قد تخلص من مكافأة روايته التي نشرها مثلي في نفس المؤسسه بأن طلب منهم التبرع بها للأطفال المعاقين – ألا يوافقون برسالة ليدفعوا المكافأة لمن يشاء وهي مكافأة غير محرزة (غير مهمة) بالنسبة لي عبارة عن مائتي دولار، حسنا فليتبرعوا بها للأطفال المعاقين" (تعليق من عندي: حتى هذا غير قانوني).
وبتاريخ 24 فبراير 2004 تلقيت هذه الكلمات التلغرافية من رفاعية: أشكرك على إرسال كتاب "ومضات الذاكرة".. أنعي إليك صديقتك الغالية أمل.. التي فارقتنا فجأة ودون سابق إنذار.. كم سنشتاق لها كثيرا. مع محبتي، أخوك..
ورسالة أخري بالتاريخ نفسه والمعني نفسه. يبدو أنه لفجيعته نسى أنه أرسل الأولي فأرسل الثانية. ثم أرسل لي أكثر من مقال نشرته الصحافة اللبنانية عنها، إحداها في صحيفة "النهار" عنوانها "أمل جراح: المحطة الأخيرة في رحلة الألم". بتاريخ 7 فبراير 2004 ، وأنها ولدت عام 1945 لأسرة دمشقية مهاجرة واقترنت بياسين عام 1967 وأقاما في بيروت منذ 1968، ولها أربع مجموعات شعرية. ومقال آخر بالتاريخ نفسه في صحيفة "السفير" عنوانه "رحيل الشاعرة أمل جراح" تعلن أن لها رواية – بالإضافة إلى دواوينها – نالت عنها عام 1967 جائزة مجلة "الحسناء" عنوانها "خذني بين ذراعيك" وأن هاجس الموت والفراق طـَبَعا كتبها الأخيرة بظلال حزينة. كذلك نعاها أكثر من أديب وأديبة في صحيفتي "النهار" و"الحوادث". أما ياسين رفاعية فنشر مقالا يبكي فيه رفيقة العمر في صحيفة "المحرر" بعنوان "رثاء متقدم في رحلة الموت البطئ.. السريع" ختمه بهذه الكلمات الحزينات: " قرع جرس الباب، أسرعت وفتحته، فإذا بزوجتي. إنها زوجتي، تراجعت إلي الوراء وأنا ألهث. اقتربت مني، ظننتها شبحا، أردت أن ألمسها. خلت أني ألمس فراغا لكنها زوجتي بلحمها ودمها، بابتسامتها العذبة، ظللت أتراجع إلى الوراء. حيرة هائلة اجتاحتني. اقتربت مني بكل جمالها الآسر هامسة: ماذا بك.. ألم تشتق إلي؟ استندت إلى الجدار وأنا أتهاوي.
و كان أخر ما أهداني ياسين رفاعية روايته "من يذكر تاي"، ومسرح هذه الرواية بار في بيروت تديره ساقية اسمها " تاي"، أرستقراطية ابنة باشا مصري عمل مع المافيا، مّما عرَّضها للهروب إلى لبنان. زمن الرواية أيام هزيمة يونيو 1967 وتاي امرأة ساحرة مثقفة فلا عجب أن التقى في بارها شخصيات لبنانية وأخرى فلسطينية حقيقية ما بين ساسة وأدباء معروفين لكل منهم قصته بين الحب والنضال السياسي، من بينهم طارق الطالب السعودي بالجامعة الأمريكية ببيروت الذي هام حبا بتاي واقترن بها وهي في عمر أمه. ويحمل الغلاف الخلفي للرواية: "كل هؤلاء كانوا ضيوفا مداومين على بار تاي كل مساء لتتلاحم معهم في تشكيل عصب وأحداث هذه الرواية الحقيقية بالزمان والمكان وأسماء أبطالها الحقيقيين ومن هنا فرادتها وجرأتها". والرواية تناقش أكثر من موضوع معاصر حيوي، بين إنساني وسياسي لعل أبرزه أنها معمدة وممزوجة بدم الصراع العربي الإسرائيلي. وفي إهدائه لي كتب: هي تاي جميلة مصر في بيروت (12 ديسمبر 2012 عيد ميلاده).
وفي سبتمبر 2013 اتصلت به تليفونيا فردّت علىّ إحدى قريباته أنه في المستشفى لإجراء عملية جراحية خطيرة. بعدها بأيام عاودت الاتصال فجاءني صوته خافتا معلنا أنه نجا من الموت بأعجوبة مما أثار عندي هذه الذكريات، وحفزني إلى كتابة هذه الكلمات. وفي أكتوبر 2012 أهداني رفاعية روايته قبل الأخيرة "القمر بجانبه المظلم"، وهي باختصار شديد تناقش قصة التجاوب العاطفي بين بطلها في الأربعين أو الخمسين وبطلتها الشابة في العشرينيات. وقدم لنا المبدع أن جمال بطلته نسرين كان له الأولوية في علاقة بطله ممدوح بها وهو تضخيم سببه عدم الإشباع الجسدي، أوعدم التفات إلى الجوانب الأخرى من جمال الشخصية فيما وهبها الله من مواهب أخرى كالظرف والإبداع الأدبي.