حبكة بوليسية متقنة لا تغفل البعد الاجتماعى .. جراند أوتيل .. متعة العين والأذن

18/07/2016 - 10:04:25

كتب - أشرف غريب

أكتب هذه السطور قبل عرض الحلقات الثلاث الأخيرة من مسلسل " جراند أوتيل " للمخرج محمد شاكر خضير بسبب توقيتات طباعة المجلة وعطلة عيد الفطر المبارك ، ولا أدرى إن كانت نهاية الأحداث ستأتى على مستوى الحلقات السبع والعشرين أم تكون مخيبة لملايين المشاهدين الذين تعلقوا بهذا العمل الفريد على مدى أيام وليالى شهر رمضان ، وإن كنت على ثقة بأن من استطاع الحفاظ على هذا المستوى الثابت من الرقى والتميز طوال الحلقات التى شاهدتها حتى الآن جدير بأن يقدم نهاية تليق بتلك المتعة وذلك الإتقان اللذين نسج بهما صناع العمل مسلسلهم البديع .
فرغم عشرات الأعمال الدرامية التى غصت بها شاشات الفضائيات المختلفة فإن " جراند أوتيل " كان الأقوى والأكثر تشويقا ، بل والأوسع مشاهدة حتى وإن كان ليس من بطولة الأسماء الرنانة فى عالم الدراما التليفزيونية ، وربما تلفت هذه الحقيقة نظر صناع تلك الأعمال إلى أن الارتكان دائما إلى النجوم المعتادة لا يكون بالضرورة رهانا صائبا ، وأن الورق الجيد حينما يقع فى يد مخرج يسيطر على أدواته وقادر على تطويعها يمكن أن يضمن للمشاهد عملا مميزا بالرغم من حداثة عهد أولئك الممثلين الذين تحملوا مسئولية المسلسل من قبيل عمرو يوسف وأمينة خليل ودينا الشربينى ومحمد ممدوح وأحمد داود وندا موسى ومحمد حاتم وخالد كمال وغيرهم .. هل أحدثكم عن المبدع الأول لـ " جراند أوتيل " كاتب السيناريو الرائع تامر حبيب الذى استلهم " فورمات" العمل العالمى والذى تم تقديمه لأكثر من سبعين مرة حول العالم وصاغه فى أجواء مصرية اختار لها بذكاء فترة زمنية سابقة على ثورة يوليو 1952 ؟ لقد استطاع حبيب أن يقدم حبكة بوليسية متقنة دون ان يغفل البعد الاجتماعى متمثلا فى الصراع الطبقى بين الخدم والسادة ، لكنه وهو يفعل هذا لم يقع فى خطأ التقسيم الحاد والمعتاد فى أعمالنا الدرامية بين فقراء أخيار وأثرياء أشرار ، فمثلما هناك الخدم الطيبون على وأمين وفاطمة وصديق هناك أيضا شريرات كضحى وورد ، وكذلك هناك وسط الأرستقراطيين الأشرار نازلى بكل رقتها وبراءتها وإحسان بكل شهامته وعذوبته ليتحول الصراع الفعلى إلى مواجهة بين معسكرى الخير والشر أيا كانت الطبقة التى ينتمى إليها أفراد كل معسكر ، فباتت مساحة الدراما فى الحلقات أكثر اتساعا وأكثر عمقا أيضا ، واللافت كذلك أنه لم يقع فى خطأ المط والتطويل رغم أن أحداث العمل كان من الممكن أن تستوعبها خمس عشرة حلقة فقط ، لكنه ومع كل مشهد كنا نظن فيه بأن الحقائق تكشفت تماما ، وأن النهاية باتت وشيكة كان تامر حبيب يفتح بسهولة ويسر خطا جديدا للأحداث يضمن لها انسيابيتها وتتابعها ويحافظ فى الوقت ذاته على تماسكها وتشويقها ، وحتى هفوات المط والتطويل غير وثيقة الصلة بالحدث الرئيسى - إن وجدت - كانت مقبولة ومغتفرة لأنها كانت مشاهد مفعمة بالمواقف الإنسانية والحوار الراقى والرقيق .
هل أحدثكم عن المخرج النابه محمد شاكر خضير الذى قبل تحديا لا يقوى عليه الكثير من عتاة المخرجين ، وهو تقديم ثلاثين حلقة تدور أحداثها فى مكان واحد تقريبا فإذا به يبدع عملا رصينا ومتماسكا غير ممل يجمع فيه، ويا للدهشة، بين هدوء إيقاعه ونعومته وبين سخونة أحداثه وغموضها، والأمر المدهش أيضا أنه ورغم حدوث أكثر من جريمة قتل فإنه قدم صورة ناعمة وثرية ومريحة للعين ، صورة " شيك " تعكس فخامة الجراند أوتيل وثراء الفترة الزمنية التى تدور فيها الأحداث فى إيقاع منضبط ودقيق ساعده على ذلك بكل تأكيد كاميرا مدير التصوير تيمور تيمور وإضاءته الناعمة وبعده عن الإضاءة الحادة أو المباشرة وتنويعه فى أحجام اللقطات بين القريبة التى تقدم أدق التفاصيل والانفعالات ، والعامة التى تعكس جغرافيا المكان واتساعه ، وكذلك مونتاج أحمد حافظ بسيطرته على إيقاع الأحداث وانتقالاته الهادئة ، وديكور أحمد شاكر خضير وملابس ياسمين القاضى وماكياج ياسمين مختار وتنسيق مناظر محمد غيبوبة وأحمد فؤاد ، وجميعها ساهمت فى ثراء الصورة وخلق أجواء الفترة الزمنية وفخامة المكان الذى تدور فيه الأحداث فضلا عن فريق فنى متكامل قام بتصحيح الأوان وتقديم المؤثرات البصرية والخاصة وكل ما يتعلق بجماليات الصورة .
ولم يكتف صناع " جراند أوتيل " بمتعة العين وإنما أضافوا إليها أيضا متعة الأذن ، وهى المهمة التى تولاها مؤلف الموسيقى التصويرية الجزائرى المبدع أمين بو حافة بعمل أقرب إلى الأروكسترالية قائم على البناء الضخم والفخم معا ، عمل هو الآخر " جراند " بلغة أرباب التأليف الموسيقى ، وأتصور أن " بو حافة " الذى قدم لنا العام الماضى موسيقى مسلسل " حارة اليهود " وقدم هذا العام مع " جراند أوتيل " موسيقى مسلسل آخر هو " ونوس " بكل ما بينهما من اختلاف وتنوع سوف يكون الجواد الرابح فى موسيقى الأعمال الدرامية فى الأعوام القادمة .
أما عن فريق التمثيل فالحديث يطول ويطول .. جميعهم كانوا فى حالة متعة شخصية قادتهم إلى تقديم أفضل ما لديهم خاصة وأنهم كانوا فى أدوارهم المناسبة تحت إدارة مخرج لا يعرف فقط كيف يختار ممثليه وإنما يجيد أيضا توجيههم .. فأثبت عمرو يوسف أنه قادر بالفعل على الوقوف فى مصاف النجوم أصحاب الثقل فى عالم الدراما التليفزيونية بما يملكه من قدرة على تلوين أدائه وتوظيف إمكانياته كممثل للتعبير عن المواقف الدرامية المختلفة ، وامتلكت دينا الشربينى الجرأة فى قبول دور خادمة الفندق الشريرة التى يدمرها طموحها خاصة وهى خارجة لتوها من تجربة شخصية مريرة قادتها إلى السجن ، وأكدت أمينة خليل بما أظهرته من رقة وبراءة وملامح هادئة أنها الفتاة " الفيديت " التى تحتاجها الدراما التليفزيونية بل والسينمائية أيضا ، وأعاد أحمد داود تقديم نفسه فى هذا الدور المعقد الذى أعتبره خطوته الأكثر أهمية فى مشواره الفنى نحو النجومية الحقيقية ، كذلك أعادت أنوشكا اكتشاف ذاتها ودفعتنا للتساؤل : لماذا ظلمت نفسها طوال السنوات الماضية بعدم التركيز فى عالم التمثيل ؟ كذلك لعب الثنائى ندا موسى ومحمد حاتم ( أمال وإحسان ) دورين مميزين سيبقيان علامة مهمة فى مسيرتهما الفنية ، وعكس الأداء الهادئ لمحمود البزاوى خبرة السنين وحكمتها ، فيما أتقنت كل من رجاء الجداوى وشيرين بهذا الظهور المميز التعبير عن الطبقة التى تنتميان إليها ، أما " الفظيع " محمد ممدوح فقد أجاد التأثير فينا بالتعبير عن أدق المشاعر الإنسانية والانتقال السهل بين الكوميديا والتراجيديا فأضحكنا وأبكانا كما لو كان ممثلا متمرسا ، فقط عليه التخلص من بعض مشاكل الأداء الصوتى ، وأنتظر منه استثمار الفرصة الكبيرة التى واتته وقوة الدفع التى وفرها له هذا الدور ، وألا يتحول إلى مدحت تيخة آخر الذى انتظرنا منه الكثير بعد نجاحه اللافت فى مسلسل " شيخ العرب همام " قبل عدة سنوات .
وتبقى غولة التمثيل سوسن بدر التى تؤكد فى كل دور تلعبه أنها الأنسب له وكأنه كتب لها خصيصا ، لقد فهمت جيدا هذه المعجونة بالموهبة وخبرة العمر أبعاد الشخصية التى قدمتها ، فعرفت متى تنفعل وتثور حينما تكون الحدة مطلوبة ، وكيف تتحول إلى الوداعة والرقة عندما تكون الكلمة للمشاعر الإنسانية ، وعبرت بكل عمق عن تحولات شخصية " سكينة " التى هى فى النهاية شاهدة على كل التحولات التى عرفها " جراند أوتيل " .
بعد النهاية
بالرغم من النجاح الكبير الذى حققه " جراند أوتيل " فإننى أتصور أن وجوده وسط هذا العدد الهائل من المسلسلات الرمضانية قد ظلمه ، ولو كان عرضه تم فى موسم آخر بعيدا عن شاشة رمضان لكان نجاحه أكبر ، بل لو جاء فى زمن البث الأرضى فقط لخفت حدة الزحام فى الشوارع وتثبت الناس فى أماكنهم أمام شاشة التليفزيون يتابعون هذا العمل المثير والراقى .
لقد انتهى أيها السادة زمن الاجماع.