البوسطجية اشتكوا .. ده كان زمان قبل الـ «s.m.s»

18/07/2016 - 9:55:20

فيلم البوسطجى فيلم البوسطجى

يكتبها - يحيي تادرس

هل شهدت فيلم «البوسطجي» للمتميز «شكري سرحان» هوايته الغريبة في «فتح» الخطابات وقراءة ما فيها؟
إن الفيلم وهذا سر براعته - يعكس ما كان يحدث من بعض ضعاف النفوس من بعض «البوسطجية»..
... كانوا لا يكتفون بقراءتها - خاصة إن كانت ألوانها «بمبي مسخسخ» أو «لبني» يفوح منها عطر الغرام - بل كانوا «يقتنصون » إن جاز التعبير بعض الخطابات التي تحتوي نقودا ورقية - و«يخفونها» مما تحوي
...
منذ سنوات فوجئ أحد المارة بوجود عشرات الخطابات المفتوحة والملقاة - في صناديق - «عفوا» القمامة..
ولما سئل البوسطجي الذي كان مسئولا عن توزيعها رد ببجاحة زهقت من اللف والدوران عشان أسلمها لأصحابها خصوصا أن العناوين مكتوبة بخط زي «تناتيش الفراخ»
...
بعد هذا العرض السريع - ننتقل إلي حي الزمالك واعاجيب البوسطة والبوسطجية باعتبارها ما كان ... وللغرابة ما هو كائن:
عبدالحليم حافظ:
رغم مضي سنوات طوال علي رحيله - حكي لي أحد البوسطجية «كارم» - بأن هناك عشرات الخطابات «كانت من قبل آلافا» ثم مئات - والعنوان
الفنان عبدالحليم حافظ
... القاهرة - الزمالك
... جميعها من فتيات أو نساء من كافة أرجاء الوطن العربي.. بل ومن بعض الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا
...
بأعداد أقل - هناك العديد من الخطابات لكوكب الشرق وموسيقار الأجيال
- والجوابات دي بتسلموها لمين ياعم كارم
- للورثة
..
ويحكي لي عم كارم من أغرب موقف صادفه
- جواب من بنك معروف لأحد الشخصيات البارزة جدا جدا في الحي وفي المجتمع
... يذهب البوسطجي إلي العنوان ولا يجده - ولما كان يعرف أن له عنوانا آخر.
«ملحوظة» جميع بوسطجية الزمالك يعرفون عناوين حتي لو كتبت «فلان الفلان - الزمالك».
... وتبدأ فصول الكوميديا السوداء - كان للرجل زوجة ثانية أودع لها حسابا مرموقا في البنك - أما التي استلمت الخطاب بما فيه من أسرار - فهي الزوجة الأولي!
ولا أريد أن أحكي تداعيات ما حدث غير أن يتلخص في عبارة بالغة الدلالة:
«فضيحة شيك وقضية يرفعها الزوج ضد مصلحة البريد» بعدها تصدر تعليمات من البنك بأن خطاباتها لا يستلمها سوي أصحاب الحسابات أو الأقرباء الذين يتم اخطار البنك بأسمائهم ....
نكتفي بهذا القدر ونعود بالزمن إلي القرن التاسع عشر:
تنتشر «مكاتب البريد» في كافة انحاء المحروسة ولكن الأمر لم يكن هكذا في القرن التاسع عشر - إذ كان الأهالي يلحون بل ويتوسلون لذوي السلطة - لإنشاء مكاتب بريد ونستعرض معا بعض تلك الالتماسات:
أعلن وكيل بوسطة زفتي - أن «مصلحة البوسطة» قد عدلت عن اتمام وعدها بانشاء مكتب لها في بندرنا «ميت غمر» - فساء هذا الخبر عموم الناس لما يكابدونه من المشقات والنفقات في عبور البحر إلي «زفتي» لقضاء اشغالهم المتعلقة بالبوسطة لأن الساعي الموجود لا يوزع إلا مراسلات المشتركين في الصناديق وهم قليلون!
...
وها تبدأ معركة الصناديق - صناديق البوسطة بالطبع حيث يتوسل الأهالي لوضع صناديق في بلادهم حتي تستجيب لهم المصلحة.
وفضلا عن المكاتب والصناديق كانت هناك الوابورات «أي السفن النهرية» إذا امتد نشاطها وتجاوز خطوط السكك الحديدية.
في أبريل 1890 خبر يحكي سرور الأهالي والتجار في منوف من مشروع البوسطة في تسيير وابور لها في البحر الأحمر ولكن كان البطل في كل تلك التفاصيل هو:
حضرة وكيل البوسطة - وقد كان شخصية بالغة الأهمية مرهوب الجانب - أما اختيارهم فكان يتم بمنتهي الدقة..
23 يناير 1889 إعلان وهذا نصه
( ثلاثة محلات خالية لقبول تلامذة فيها وذلك بوسطات اسكندرية ومصر والزقازيق).
التقدم بالشهادات الدالة علي «سبوق» استخدامه أو عدمه بـ «الدبلوما» أو الشهادة الدراسية وأن يكون مستعدا للامتحان وأن يكون عمر الطالب بين 17 و26 سنة وأن يكون عارفا للغة العربية وإحدي اللغات الإفرنجية - كما يجب أن يعلم بأن المصلحة تفضل المرفوضتين من مصالح الحكومة وتلامذه المدارس الأميرية علي غيرهم ورغم هذه الشروط توظف جناب الموسيو ريستو في مكتب بوسطة بورسعيد - بدون امتحان!
.....
وكان وكيل البوسطة ينجح غالبا في عقد أوثق العلاقات الإنسانية مع الأهالي.
تقرر إدارة عموم البوستة المصرية نقل جناب «باخوم افندي خليل من طهطا إلي وكيل بوسطة فرشوط لاستقامته في عمله ويتحرك الأهالي بعشرات التلغرافات حتي يتم إلغاء النقل..
....
وقد يتساءل البعض - لماذا كانت هذه الأهمية لوكيل البوستة وتعالوا نقرأ هذا الخبر:
لما كان بندر منوف من البنادر الأولية في مديرية المنوفية تزايد أهلوه عن العشرين ألف نسمة ولم يكن فيه مدرسة أميرية فقد اشترك عزيز افندي زند وكيل البوستة مع حضرة النبيه فأسسا مدرسة أهلية تعلم العربية والفرنسية والتاريخ والجغرافيا ونحوها...
ورغم هذا- يتعرض أحد وكلاء البوسطة في 26 يونيه 1889 إلي جماعة من عربان «المعازة» مدججين بالأسلحة فسلبوا البوستة و.. 3جمال و.. حمارة
....
تفاصيل كثيرة عن تطور وكيل البوسطة واستبداله بالطوافين «راكبي الحمير» ثم الدراجة ثم الطواف كما نشهد علي الاقدام ولكن ليس هذا مجالها
ولأهمية وظيفة السيد وكيل البوسطة...
تغنت له رجاء عبده: البوسطجية اشتكوا
وإسماعيل يس: البوسطة البوسطة أهو جه ومعاه البوستة
....
والآن ... إلي أخطر وظيفة في مصر شاهدنا أحد رجالها في فيلم دعاء الكروان «أحمد مظهر»
جناب مفتش الري
هذا هو لقبه حتي الآن ... رغم إلغاء الألقاب
....
وقد سعدت باستضافة أحد هؤلاء المفتشين لي «بمحافظة قنا» واشهد أنني قط- لم اشهد مثل ذلك الرقي وتلك الفخامة التي عشتها لمدة أسبوع - في استراحته.
.... الطراز المعماري والحديقة والمبني بما يحويه من أثاث يحمل الطابع الانجليزي بكل تفاصيله ومن هنا وجدت الإجابة عن أول تساؤل لي:
من صاحب فكرة انشاء هذا المنصب؟
... إنهم الانجليز بلا شك ليسيطروا علي البلاد عن خلال النيل وما يتفرع عنه من ترع وقنوات وبالطبع أراض شاسعة و.... الفلاحين بالمرة!
كانت أول دفعة من هؤلاء المفتشين - الجنود من حاملي الرتب العالية من الانجليز - الذين وفدوا من الهند
...
وكانوا - اثباتا لعنصر الأهمية - بل والعنجهية البريطانية - ينتقل عبر دهبية مركب نيلي فاخر
(شهدناه في فيلم المومياء)
أما علي الأرض - فكانوا ينتقلون فوق جياد انجليزية يرتدون القبعات التي تقيهم حرارة الشمس وأحيانا يمسكون «بالبايب» ذو الطباق الانجليزي الفاخر
.....
كانوا مسئولين عن توزيع مياه النيل بكل فروعه علي الأراضي الزراعية 16 يوليو 1889 - جريدة الأهرام:
وردت إفادة من جانب مفتش ري القسم الأول يرجو مديرنا الهمام بإعلان المزارعين للقيام بري مزروعاتهم باذلين بذلك قصاري الهمة - حيث النيل المبارك بدأ بسرعة الازدياد الذي ربما يلجأ إلي إقفال النيل الشرقي وإزالة السدود فجأة بالطبع لم يكن لمديرنا الهمام أي دور سوي الموافقة علي كل ما يقدمه مفتش الري
....
وكان لمفتشي الري سياسة بالغة المكر
... القرارات التي تظلم البعض في حصتهم من المياه ... يصدرها المدير الهمام أما إعادة توزيع تلك المياه فالفضل يعود لمفتشي الري:
الأهالي في بني مزار والفشن يشكرون جناب مفتشي الري لانتباهه إلي توزيع المياه بالعدل والمساواة
.. عمد مديريتي الغربية والمنوفية يعبرون عن ثنائهم علي حضرة المستر «ويكلدتسي - كان هناك شارع باسمه في حي الزمالك قبل أن يتحول إلي اسمه الجديد - د. طه حسين».
...
والحقيقة أن مفتشي الري كانوا لا يهتمون فقط بتوزيع المياه بعدالة ولكن بالاهمام بالجسور
.......
وبعد فترة طويلة من احتلال الانجليز لذلك المنصب - يبدأ المصريون بتوليه - فالنهر نهرهم وكما يقولون - أهل مكة أدري بشعابها
......
ويرتقي أحد هؤلاء المفتشين المصريين «إسماعيل بك سري» ليصبح من أشهر وزراء الاشغال المصريين بدءاً من عام 1908.
....
شيخ البلد
غني له شفيق جلال:
شيخ البلد خلف ولد
ولماذا يحتفي الشيخ بولده؟... لأنه بلا شك سيخلفه في منصبه ياله من منصب باعتبار ما كان:
هذا المنصب - لم يكن موجودا قبل الحملة الفرنسية - ونسترجع ما كتبه مؤرخنا «عبدالرحمن الجبرتي» عن الحملة:
لما نظموا أمور القري والبلدان المصرية علي النسق الذي جلبوه رتبوا علي مشايخ كل بلد شيخا ترجع أمور البلد ومشايخها إليه
....
بعد الحملة تعاظمت مهامه:
في الأعمال الزراعية كان مسؤلا عن أن يمد الحكومة بالانفار العاملين في المشاريع العامة بنظام السخرة... وكان مسئولا عن السهر علي حراسة جسور النيل - خاصة في مواسم الفيضان
......
وفي التجنيد كان علي الشيخ أن يمد المسئولين الحكوميين بأولئك اللائقين للخدمة العسكرية».
....
أما مهمته الاساسية فكانت ضبط مرتكبي الجرائم في زمام حصته وتسليمهم للمسئولين في المركز.
أما المهمة الأخري التي كانت أحيانا تكلفه أكثر ما يطيق فكانت استضافة الموظفين ورجال الأمن في المأموريات المكلفين بها في قراهم مقابل ما كان يسمي «بمسرح المصاطب» وهي أراض معفاة من الضرائب تبلغ مساحتها 5% من زمام القرية - تمنح لهم.
....
ولم يكن نظام «العمد» - قد ظهر بعد - وقد ظهر بعد الاحتلال البريطاني 1882 إذا يصبح هو الرئيس الإداري للقرية وتحت رئاسته شيخان أو أكثر - يعاونهما .. شيخ الخفراء.
.....
إلي جانب هذا التحول المصيري لشيوخ البلد - فقد تم الغاء ما يتمتعون به من امتيازات مما أدي إلي عزوف ابناء العائلات عن التقدم لهذا المنصب واختيار من لا يصلحون له الذين كانوا يتخدون وسائل «مريبة» للحصول علي ما يعينهم علي أداء واجباتهم!
في شبراخيت يشتكي أهلوها من شيخ بلدتهم:
لضيق ذات يده ولسوء إدارته والمطالبة بعزله فالأمل التفات سعادة المدير إلي هذا الشأن - صيانة لحقوق الأهالي ... بل أن الأمر - بعد انتشار سوء إدارتهم يصل إلي حد المطالبة - بإلغاء هذا المنصب.
وتنشر الأهرام في 9 يوليو 1888:
تستلفت أنظار نظارة «وزارة» الداخلية والمديريات إلي ما يختلقه بعض الأهالي من الحيل والأسباب الواهية لرفت مشايخ البلاد من وظائفهم لأسباب شخصية فيرفت من هؤلاء ... من لا ذنب له.
......
ماذا تفعل الحكومة؟
كان الحل الإداري هو استبدالهم مع الخفراء بقوات البوليس ولكن النفقات كانت باهظة..
ومن هنا:
- تصدر الحكومة بإعادة شكل من الامتيازات لشاغلي هذا المنصب.
- اعفاؤهم وأبناؤهم من أداء الخدمة العسكرية واشغال «العونة - السخرة» 31 ديسبمر 1888.
ثانيا- إصدار لائحة للخفراء توفر لهم الحد الأدني من المكافأة.
ملحوظة: كان الخفراء قبل هذا القرار لا يحصلون علي أي أجر مما جعلهم يحصلون عليه بوسائل أخرى!
........
في مجال الأمن كانوا مطالبين فضلا عن توفير الحماية للقرية من خلال الخفراء ضبط الجناة في الجرائم - إلي جانب التحقق من الغرباء الذين كانوا ينتقلون من قرية إلي أخري طلبا للرزق...
ورغم هذا لم تنجح القرارات ولا الشكاوي في تنظيم ما يتعلق بهذا المنصب «الخطير».
... يرسل لهم «سعادة مدير الفيوم» في 24 نوفمبر 1888 إليهم منشوراً جاء فيه:
كثر شاكوكم وقل شاكروكم..
أتت إلي الأرملة والحامل من بلاد بعيدة تجر أولادها وتسير في الرمال عارية وجائعة وهي تشكو حقا نهبتموه وباطلا إليها نسبتموه واستغاث بي اليتيم والعاجز والفقير من مظالمكم المبتدعة وأعمالكم المستقبحة...
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون
.....
وفي الختام - يؤمن الجميع حكاما ومحكومين بأمر شيوخ البلد في الريف كانوا شرا لابد منه
....
إن تاريخ مصر الاجتماعي لايزال حافلا بالعديد من العجائب والطرائف التي تجعلنا نشعر بالدهشة والاستغراب ولكن إن دققنا النظر قليلاً سنكتشف أن لا جديد تحت الشمس وأن التاريخ يعيد نفسه ولكن باسماء ووقائع مختلفة وفي المقالات القادمة بإذن الله سنفتح أبوابا عديدة بالغة الطرافة عن بعض ما كان - علنا نستفيد منه في بعض ما هو كان... وما سيكون.