السيسى الإنسان غرّ الإخوان

13/07/2016 - 3:30:39

بقلم لواء: نصر سالم

لماذا اختار الإخوان اللواء أ/ح عبدالفتاح السيسى وزيرًا للدفاع بعد أن وصلوا إلى سدة حكم مصر؟ سؤال تردد كثيرًا.. ومن لم يسأله صراحة، حدثته به نفسه.. هل كان إخوانيًا يخفى انتماءه للجماعة؟ الإجابة لا وما حدث فى ٣٠ يونيه وما بعدها يؤكد ذلك. هل الإخوان لم يجمعوا عنه المعلومات الكافية؟ إن هذا عكس سلوكهم تمامًا.. والأمر لا يتحمل الخطأ فى التقدير، ولابد أنهم جمعوا كل المعلومات، التى توصلهم إلى القرار الصحيح من وجهة نظرهم، وقد كان أمامهم جميع أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. والمنطق يقول إنهم جمعوا معلومات عن الجميع ودرسوهم جميعًا.. وبعد مقارنة ومفاضلة.. استقر رأيهم عليه.


إذًا فما هو عامل الترجيح الذى حسم اختيارهم؟


والرأى عندى أستدل به من مقولة للشيخ الشعراوى رحمه الله وجزاه عن أمة الإسلام أفضل الجزاء.. عندما تساءل..


لو أن رجلًا منحرف السلوك له صديق حميم بنفس سلوكه وانحرافه ،وهناك رجل آخر ليس بصديق له ولكنه على درجة عالية من الخلق الكريم والالتزام، كلاهما جاء يخطب أخت هذا الرجل، فأيهما يرحب به.


إن المنطق والأحداث التى تواترت تقول: إنه حتما سوف يرحب بذى الخلق الكريم الملتزم، الذى يراعى حق الله وحق البشر، وكما يقولون “إن أحبها أكرمها وإن لم يحببها لن يظلمها”.


وهذا هو بالضبط ما فعله الإخوان عند اختيارهم للواء أ.ح/عبدالفتاح السيسى مدير المخابرات الحربية وقتها وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة.. لقد أعجبوا بكل صفاته الإنسانية ودماثة خلقه.. وغرّهم حلمه ولكنهم لم يحسبوا حسابا لغضبة الحليم وغرهم شدة حبه وولائه وانتمائه لوطنه.. لأنهم حسبوا أن جماعتهم هى الوطن.


ترى ما الصفات التى تواترت عن هذا الرجل «الإنسان» وما سلوكه المشهود الذى يعلمه عنه جميع من عرفوه عن قرب أو حتى عن بعد.. وما هو السلوك الذى يحرص على إخفائه حتى عن أقرب المقربين إليه؟


لقد عرف عنه شدة تدينه والتزامه مع الله، فكل من زاملوه منذ صغره وحداثة رتبته يجمعون على أنه دائمًا يواظب على تأدية الصلاة لوقتها وفى المسجد سواء كان فى الوحدات العسكرية أو خارجها.. ويروى عنه من زاملوه فى بعض الدورات الدراسية أنه دائمًا ما كان يتسلل فى هدوء خارج قاعة المحاضرات لأداء الصلاة فى وقتها ثم يعود دون أن يشعر به أحد.


ويروى أحد زملائه فى الدورة ٣٧ أركان حرب عام وكان حكمدارًا للدورة.. وهو المقدم/ محمد الجلاد وقتها، أنهم أثناء الدورة وطبقًا لمخطط الزيارات الخارجية كانوا فى زيارة إلى جنوب سيناء، وضمن برنامج هذه الزيارة زيارة دير سانت كاترين وجبل موسى، وكذا التعرف على كل المعالم الطبوغرافية عن المنطقة ويعتبر صعود جبل موسى ومشاهدة شروق الشمس من فوق قمته من أجمل وأبدع المناظر التى حبا الله بها هذا المكان.. الأمر الذى يجعل السائحين من مختلف بلاد العالم يحرصون على صعود هذا الجبل ومشاهدة منظر الشمس لحظة شروقها.


حرص جميع دارسى الدورة على صعود الجبل لمشاهدة تلك اللحظات، وفعلا بدأوا منذ منتصف الليل يصعدون الجبل الذى يستغرق من ٢ - ٣ ساعات.. ويصف المقدم/ الجلاد حال الدارسين وهم ينهون عشرات الأمتار الأخيرة فى الدرب “الطريق الضيق” الموصل إلى القمة وهم يلهثون من شدة الإرهاق والتعب.. أنه وجد من يندفع من خلفه بكل إصرار وهمة ويستأذنه ليمر من جواره ويسبقه قائلًا “بعد إذن سيادتك.. أريد أن ألحق وأؤذن الفجر فوق الجبل” وإذا به النقيب/ عبدالفتاح السيسى أحد أحدث الدارسين رتبة وسنًا.. وقبل أن ينشغل الجميع بترقب شروق الشمس والتقاط الصور لها ومعها.. كانوا جميعًا قد أدوا صلاة الفجر حاضرًا فوق جبل موسى بعد أن أذن النقيب عبدالفتاح السيسى للصلاة وأقامها ولكنه قدم من هو أكبر منه سنًا للإمامة كما هى عادته.


وعن صفائه الروحى يروى أحد زملائه أن ابنه كان مريضًا يتلقى العلاج فى أحد المستشفيات العسكرية.. وبينما بعض الزملاء حاضرون لزيارة ابنه وجالسون حول سريره، حضر العميد/ عبدالفتاح السيسى الذى لم ينشغل مع الحاضرين فى الحوارات، التى يديرونها، بل جلس إلى جوار الطفل المريض وأمسك برأسه وأخذ يقرأ القرآن ويدعو له بالشفاء.


ويروى أحد أفراد دفعته المقربين منه منذ الصغر أن والده وهو أحد كبار التجار المعروفين فى حى الجمالية، عرض عليه بعد تخرجه أن يشترى له قطعة أرض ويبنى له فوقها فيللا.. ولكنه رفض بشدة هذا العرض، طالبًا من والده ألا يميزه عن سائر أخوته العشرة.


أما هذه القصة التى أقسم علىّ قائلها ألا أشير إلى اسمه من قريب أو بعيد حتى لايغضب الرئيس.. ولولا أنى أقنعته بأن الرئيس فعل ما هو أكثر من ذلك بكثير.. علانية أمام الشعب المصرى، بل والعالم كله.. ليعطى المثل والقدوة فى البذل والعطاء من أجل الوطن.. وذلك يوم أن أعلن تنازله عن نصف راتبه الشهرى كرئيس جمهورية وتقديم نصف مايملك بما فيه ميراثه من والده.. إلى مصر التى تستحق منا جميعًا ماهو أكثر وأكثر ، وقام بنفسه بوضعه فى البنك أمام كاميرات التليفزيون.


والقصة هذه حدثت يوم كان الملازم عبدالفتاح السيسى خريج الكلية الحربية عام ١٩٧٧ لم يمر على تخرجه إلا شهور قليلة. وكان يسير هو وصاحبه، راوى هذه القصة، فى أحد الشوارع القريبة من حى الجمالية.. حين وقعت عينه على امرأة تنبش فى أحد صناديق القمامة لتخرج منه فضلات الطعام وتجمعها فى حجرها، فهاله هذا المنظر واقترب منها ليسألها.. لماذا تفعلين ذلك.. فأومأت إليه أن دعنى وحالى.. فلما كرر عليها السؤال فى إصرار، قالت له إنها أم لأيتام صغار ولاتجد ما تطعمهم به.. وهكذا هى مضطرة «ومن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه».. صدق الله العظيم.


فما كان منه إلا أن أخرج لها ما فى جيبه من نقود وأعطاها لها.. ولم يكتف بذلك، بل اتفق معها على موعد ثابت ومكان ثابت تلقاه فيه كل شهر ليعطيها نصف راتبه.. واستمر على هذه الحال.. ولايعلم راوى القصة إلى متى.. والله أعلم.


أما عن بره بوالديه وخاصة أمه التى كان يصر على أن تكون أول من يفرح لفرحه.. فكان حريصًا على أن تضع له بيدها علامة الرتب الجديدة فى كل ترقية يترقاها.. وتدعو له فى كل مرة بالمزيد.. والطريف أنها وهى تضع فوق كتفه علامة لرتبة اللواء.. دعت له كعادتها بالرتبة التالية ودوام الترقى، فضحك وهو يقول لها: يا أمى هذه آخر رتبة يتلقاها من هو مثلى فأشارت إليه، وهى تقول فى إصرار.. لا بل هناك المزيد والمزيد. وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة أمامها لتنطلق دعوتها نافذة إلى السماوات العلا فيكون المزيد رتبة الفريق أول، فالمشير ثم المزيد فيكون رئاسة الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة.


أما عن سلوكه الإنسانى فى مجال عمله داخل القوات المسلحة فإن صلابة الحياة العسكرية وخشونتها لم تبعده يومًا عن دماثة خلقه وحرصه الدائم على مساعدة مرؤسيه وزملائه فلم يكتف يومًا بمكافأة المجد وحده فقط، بل كان دائمًا يحرص على تقديم الدعم العينى لمرؤسيه من ضباط وصف وجنود قائلا “ما أجمل إحساس الوالد وهو يدخل على أسرته بهدية فى يده”.


واللافت للنظر أن جميع من عرفوه وتعاملوا معه عن قرب يجمعون أن هذا الرجل لم يؤخذ عليه ولو لمرة واحدة أنه كذب فى قول ولو على سبيل المزاح ولم يقابل الإساءة بالإساءة حتى فى أصعب المواقف.


ولقد كان تصرفه تجاه ثورة ٣٠ يونيه عام ٢٠١٣ نموذجًا لخلق الفرسان.. فلم يطعن رئيس الجمهورية وقتها، محمد مرسي، من الخلف كما يحلو للإخوان أن يكذبوا، ولكنه أعطى جماعة الإخوان وعلى رأسها محمد مرسي رئيس الجمهورية المهلة تلو المهلة عندما وجد ملايين الشعب تصرخ فى الشوارع والميادين منادية بالتغيير، ولكن الحكام لم يعبأوا بهم ولم يعيروهم أى رد، فكان الإنذار الأول الذى وجهته القوات المسلحة بقيادته إلى تلك الفئة ومن معها ممن لايعيرون مطالب الشعب أى اهتمام حين استهل بيانه بتلك العبارة لقد عانى هذا الشعب الكريم ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه ويعطى كافة القوى السياسية بما فيها الإخوان مهلة أسبوعا للتوافق والخروج بالبلاد من تلك الأزمة..


وبعد نهاية المهلة الأولى يعطى مهلة ثانية لمدة ثمان وأربعين ساعة قائلًا: “إن القوات المسلحة تعيد وتكرر الدعوة لتلبية مطالب الشعب وتمهل الجميع ٤٨ ساعة كفرصة أخيرة لتحمل أعباء الظرف التاريخى، الذى يمر به الوطن، الذى لن يتسامح أو يغفر لأى قوى تقصر فى تحمل مسئولياتها” ويؤكد نص البيان “إذا لم تتحقق مطالب الشعب خلال المهلة فسوف يكون لزاما على القوات المسلحة أن تعلن عن خارطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها بمشاركة جميع الأطياف والاتجاهات الوطنية المخلصة.. بما فيها الشباب الذى كان مفجرًا لثورتها المجيدة”


موضحا أن السبب الرئيسى وراء هذه الخطوة هو تعرض الأمن القومى للبلاد للخطر الشديد نتيجة التطورات الأخيرة.


فأين هو الغدر إذا وهو يوجه هذين الإنذارين لرئيس ونظامه فى كامل عافيتهما وفى مواقعهما على سدة الحكم.


لقد غرهم دماثة خلقه وحلمه ولم يحسبوا غضبة الحليم فى الحق ، فكان خيرًا لمصر وللمنطقة العربية كلها.