عندما يقول الــرئيس: لا أستطيع

13/07/2016 - 3:21:40

بقلم: يوسف القعيد

رفض الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى خلال اتصال هاتفى مع رئيس وزراء أيرلندا: إيندا كينى، التدخل فى قضية أحداث مسجد الفتح التى أعقبت عزل الرئيس الإخوانى السابق فى عام ٢٠١٣، والمتهم فيها مع آخرين الشاب الأيرلندى الذى ينحدر من أصول مصرية، إبراهيم حلاوة وهو فى العشرين من العمر.


هكذا كتبت جريدة الحياة اللندنية عدد الأربعاء ٦ يوليو ٢٠١٦، ويكمل أحمد مصطفى ومحمد الشاذلى اللذان كتبا التحليل الإخبارى أن الرئاسة المصرية قالت إن الرئيس السيسى تلقى مساء أول من أمس اتصالاً تليفونياً من كينى، تناول موضوع أحد المواطنين الأيرلنديين من أصل مصرى المحتجز على ذمة إحدى القضايا، وأكد الرئيس نزاهة واستقلال القضاء المصرى، وعدم القدرة على التدخل فى شئونه. وذلك فى إطار العمل على ترسيخ دولة القانون ودولة المؤسسات.


غير أن الرئيس عبد الفتاح السيسى تعهد - خلال الاتصال التليفونى - بتوفير الضمانات والحقوق كافة للمواطن المحتجز وفقاً لما ينص عليه القانون المصرى فى هذا الشأن. مشيراً إلى أن القضية لا تزال منظورة أمام القضاء. ولم يصدر بعد حكم نهائى فى شأنها.


يكمل الخبر وأشار بيان الرئاسة إلى أن السيسى أعرب عن تقديره لمواقف أيرلندا المتوازنة، مؤكداً اعتزاز مصر بروابط الصداقة والتعاون التى تجمع بين البلدين، وحرص مصر على الارتقاء بالعلاقات الثنائية مع أيرلندا إلى آفاق أرحب. فيما أشاد كينى بالعلاقات المتميزة التى تجمع بين البلدين، مؤكداً حرص بلاده على تعزيز التعاون الثنائى على الأصعدة كافة، لا سيما ما تملكه مصر من ركيزة أساسية للأمن والاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط.


عذراً للإطالة فى الاستشهاد. فربما افتقد التناول الذى نشر فى الصحافة المصرية لنفس الواقعة لكل هذا التوسع الذى يمكن لمن يقرأه أن يدرك أن العلاقات المصرية الأيرلندية المصرية علاقات متميزة وجيدة وحارة. ومع هذا ربما كان الرئيس عبد الفتاح السيسى أول رئيس مصرى يملك الشجاعة لكى يقول: لا أستطيع.


معظم الرؤساء السابقين يتحدثون عن استقلال القضاء ويؤكدون عليه بمناسبة أو بدون مناسبة. لكنهم كانوا يتدخلون فى عمل القضاء بشكل مباشر أو غير مباشر. ممكن أن يقبل القاضى ويمكن أن يرفض هذا التدخل. لكن الرئيس السيسى تحدث عن استقلال القضاء واحترامه لهذا الاستقلال ونفذه فى الواقع. ولم يجد غضاضة أبداً فى أن يقول لرئيس وزراء أجنبى إنه لا يستطيع التدخل. ولابد أن ننتظر كلمة القضاء الأخيرة وأن نحترمها مهما كانت.


حدث هذا قبل أيام ومررنا به مرور الكرام ولم نتوقف أمامه، ولم نحاول أن نستخرج الدلالات المهمة مما جرى فيه. ولم نفرد له العناوين والمساحات مثلما فعلت جريدة الحياة التى تصدر من لندن وبيروت.


وهذا ليس أمراً طارئاً بالنسبة للرجل. بل ربما كان يشكل جزءاً من سلوكه اليومى. وهو لا يفعل هذا مع رئيس وزراء دولة أوربية. لكنه يفعله مع المصريين قبل هذا وبعده. فعلاقته مع أهل مصر تقوم على المودة والحب والاحترام. ففى ٧ أكتوبر سنة ٢٠١٤، ظهر الرئيس السيسى على فيديو من فيديوهات التواصل الاجتماعى. ظهر السيسى وهو يقود دراجة فى حى المعمورة بالإسكندرية التى تتواجد فيه استراحة رئاسة الجمهورية. كانت الناس موجودة. ورأيناهم فى الفيديو يصفقون مرحبين بالرئيس السيسى.


قال أحدهم:


- منور يا ريس. يحفظك الله، ما تخافش يا ريس، نحميك بقلوبنا.


وأظهر التصوير الذى بلغت مدته ١٨ ثانية الرئيس السيسى وهو يرتدى ملابس رياضية ويقود دراجة وسط عدد من مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى. وأكدت مواقع التواصل الاجتماعى أن الواقعة وقعت إبان عيد الأضحى، وذات المشهد تكرر الأسبوع الماضى فى المعمورة أيضاً


وفى ١٣/٤/٢٠١٥ احتفل السيسى بعطلة شم النسيم فى استراحة الرئاسة بالمعمورة بالإسكندرية بمرافقة أسرته. وتجول وسط الناس خصوصاً أن استراحة المعمورة ليست من الاستراحات المغلقة. وبالقرب منها فندق فلسطين الذى رفع اسم فلسطين بعد أن اغتصبها العدو الصهيونى. وهو فندق مخصص لكل الناس.


من باب التذكير فقط أقول إن مينوس هو اسم المعمورة فى العهد البطلمى. وأن محمد على باشا أمر بتطويرها. إلى أن جاء عباس حلمى الثانى وأصدر فرماناً بتغيير اسمها إلى المعمورة. وكانت مغلقة ومقصورة على أمراء العائلة العلوية فقط.


إلى أن جاءت ثورة يوليو ١٩٥٢ وأصبحت المعمورة مفتوحة للجمهور. حيث تحولت استراحة فاروق إلى استراحة تابعة لرئاسة الجمهورية. وقد أقام فيها عبد الناصر أكثر من مرة. تركت لنا هذه الزيارات صوراً كثيرة لعبد الناصر يجلس فى الحديقة المواجهة لاستراحة المعمورة. ويستقبل ضيوفه ويرى رموز عصره وفى المقدمة منهم محمد حسنين هيكل.


فى ٥ مايو ٢٠١٦ قال الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال إطلاق إشارة البدء فى حصاد محصول القمح فى الفرافرة:


- وأنا فى الإسكندرية كنت ماشى على الكورنيش، بصيت لقيت أتوبيس للنقل العام. فالناس المتواجدين فيه حيونى وقالولى: ما تخافش إحنا وراك.


وأضاف:


- توقفت كثيراً أمام معنى الكلام. ليه هما قالولى ما تخافش. وأنا ما عرفتش أرد عليهم. لأن ما كانتش فيه فرصة. ولكن حرد عليهم من هنا وحاكلم كل المصريين من هنا.


إن سجل الحكايات الإنسانية التى جرت بين الرئيس السيسى والمصريين لا أول لها ولا آخر. لكن معظمها لا يدون. وإن تم تدوينه فإن ذلك يحدث فى الصحف السيارة، التى ربما نسيناها فى اليوم التالى. مع أن الذى يبقى هو الكتاب.


فمتى نقرأ هذه الحكايات الإنسانية فى كتب ونشاهدها فى أفلام؟ ونستمع إلى ما جرى فيها عبر الإذاعات.