على هامش خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الأوبرا احتفالا بذكرى ٣٠ يونيه بماذا يحلم الرئيس السيسى لمصر؟

13/07/2016 - 2:44:08

بقلم: د. صفوت حاتم

«إن بلادنا لابد أن تتغير، وتتجدد فيها من العلوم والمعارف ماليس فيها» (الشيخ حسن العطار)


كانت تلك كلمات الشيخ حسن العطار.. الشيخ الأزهرى الذى اقترب من علماء الحملة الفرنسية على مصر.. يعلمهم اللغة العربية.. ويشاهد ما عندهم من علوم ومعارف حديثة.. علوم مختلفة عما ألفه علماء الأزهر من علوم دينية شرعية.


لقد أدرك «الشيخ حسن العطار» مدى التخلف والتأخر الذى تعيشه مصر فى عصر العلوم والمعارف الحديثة.


كان ذلك حلما بسيطا لشيخ أزهرى حلم به لبلده وشعبه. وفى أول مناسبة لتحقيق هذا الحلم، لم يتأخر الشيخ.. فقد طلب منه الوالى الجديد «محمد على باشا» أن يرشح له تلميذا من تلاميذه ليكون واعظا لجنود وضباط الجيش.


فرشح الشيخ «حسن العطار» تلميذه الأثير الشيخ «رفاعة الطهطاوي»، الذى كان يحضر بمنزله دروس العلوم الغربية من تاريخ وجغرافية.. وشغل منصب واعظ الجيش من ١٨٢٤ حتى ١٨٢٦.


ومرة ثانية يرشح الشيخ «العطار» تلميذه «رفاعة» ليصحب أهم بعثة علمية مصرية مسافرة إلى باريس... كى تدرس علوم الحضارة الجديدة.


وأوصى الشيخ «العطار» تلميذه رفاعة.. وهو يستعد للسفر أن «يفتح عقله وعينه على ما يشاهد فى بلاد الفرنجة وأن يدون مشاهداته كما كان يفعل الأسلاف من الرحالة: ابن جبير وابن بطوطة وناصرى خسرو.. وغيرهم من جوابى الآفاق.


مكث الطهطاوى فى باريس خمس سنوات من ١٨٢٦ حتى ١٨٣١.. ولكن لم يقف ليؤم الصلاة فقط.. بل تعلم الفرنسية، وانخرط فى سلك طلاب البعثة العلمية ليدرس علوم الحرب والهندسة والمعادن والقانون... وتخصص وبرع فى الترجمة.


وبعد عودته لمصر، نمت وتكونت حوله مدرسة الفكر المصرى الحديث.. ليكون، هو وزملاؤه.. الرافعة التنويرية لمشروع «محمد على» النهضوى وأداته البشرية فى قيام دولة مدنية حديثة.


كان محمد على يحلم بمصر جديدة.. بعيدة عن مصر القرون الوسطى التى فرضها الحكم العثمانى المتأخر وأعوانه المحليون فى حكم مصر من المماليك.


وعندما نجح محمد على فى التخلص من المماليك عام ١٨١١.. بعد سنوات أربع من الاضطرابات.


ونجح.. من ثم.. فى إخضاع علماء الأزهر الرجعيين.. والمتوجسين خيفة من العلوم الحديثة.


وبدأ الحلم فى التحقق شيئا فشيئا.


فقد بدأ محمد على فى تقنين الأحكام المدنية (أحكام تجارية، ومنازعات الملكية والتملك والإيجار والرهن.. وغيرها).


حيث تم المزج بين مبادئ الشريعة الإسلامية والمبادئ الحديثة فى القانون المدني.


وأقيمت.. مثلا.. المحاكم التجارية من التجار أنفسهم مع تمثيل للدولة فيها.


وحازت المحاكم الأهلية المذكورة على سلطة الحكم فى القضايا المدنية.. ولم يبق للقضاة الشرعيين سوى مجال الأحوال الشخصية.


كانت هذه التغييرات مجرد بداية لتأسيس مؤسسات دولة حديثة: الجيش الحديث.. الطب الحديث.. التعليم المدنى الحديث..الصناعة الحديثة.. الرى والزراعة الحديثين.. والمطابع الحديثة.. الخ.


وبدأ المصريون فى الاندماج التدريجى فى الدولة الجديدة.. والتى يمكن القول أنها كانت بداية لنشأة «الدولة الوطنية» بمفهومها الحديث.


وعندما استقرت مؤسسات الدولة الحديثة.. والصناعة الحديثة.. تمكن محمد على من بناء جيش وطنى حديث.. بالمفهوم العلمى للجيوش.


ونجح محمد على فى الوصول بجيشه إلى الجزيرة العربية (١٨١١- ١٨١٩).


وجنوبا إلى السودان (١٨٢٠ - ١٨٢٢).


والحملة على الشام (١٨٣١).


كانت علاقة محمد على بالسلطان العثمانى قد وصلت إلى الحرب بينهما فيما عرف بالحرب السورية (١٨٣٢ - ١٨٤٠) التى سيطرت فيها جيوش محمد علي.. من المصريين.. على سوريا.


وتوغل الجيش المصرى فى هضبة الأناضول وأصبح على مشارف عاصمة السلطنة العثمانية.


ولولا تدخل روسيا وبريطانيا وأوربا.. وتخوفهم من زيادة قوة مصر ما كان أحد قادرا على تحجيم حلم محمد علي.. ليتقلص حلمه فى حكم مصر فقط ومنع خروجه منها حسب معاهدة لندن عام (١٨٤٠).


وتحولت مصر من قوة إقليمية كبرى إلى مجرد «ولاية وراثية».


وفرضت الدول الأوربية على محمد على تفكيك جيشه الكبير.


وبعد أن تم تخفيض الجيش المصري.. لم يعد هناك من حاجة للمؤسسات الحديثة التى كان قد أنشأها لخدمة الجيش.. وهكذا أصبحت مؤسسات الصناعة والتعليم زائدة عن الحاجة، فبدأ تفكيكها فى أواخر عهده.. ومن بعده فى ظل أولاده.. حتى جاء عصر إسماعيل (١٨٦٣ - ١٨٧٩).


حلم الخديو إسماعيل


كان الخديو إسماعيل منبهرا بالحضارة الأوربية فى جوانبها الثقافية والفنية.


وتجلى هذا الانبهار فى إنشاء دار الأوبرا المصرية.. على غرار أوبرا باريس.


وإنشاء حى «الإسماعيلية».. أى منطقة وسط البلد بمبانيها الفخيمة على الطراز الأوربي. والاهتمام بإنشاء القصور الإمبراطورية.


ولكن كل هذه النهضة المعمارية بقيت محصورة فى أحياء صغيرة.. فقد بقيت أحياء القاهرة القديمة ترزح فى الفقر والتخلف والقذارة.


ورغم اهتمام الخديو إسماعيل بالمدارس العليا (أى الكليات الآن) إلا أن معظم السكان ظلوا أميين وبعيدين عن التعليم.


اللهم إلا بعض الأسر الموسرة التى كانت ترسل إبناءها للتعليم.. واحدا للأزهر.. وآخر للمدارس الحكومية الحديثة.. كتعبير عن الصلة بين الوافد والموروث.


ورغم نشأة الطب الحديث من جراء البعثات التى أرسلها محمد على لفرنسا.. أو الأطباء الذين استقدمهم لتعليم الطب (كلوت بك مثلا)، إلا أن السكان المصريين ظلوا يرزحون تحت وطأة الاعتقاد فى السحر والشعوذة وقدرات الأدعياء بالشفاء (فيلم ورواية قنديل أم هاشم).


وظل الريف المصرى يرزح فى الفقر والتخلف والعبودية واستغلال كبار الملاك الجدد للفلاحين، إما بالعمل بالسخرة أو اليومية التافهة (رواية وفيلم الحرام).


حلم جمال عبد الناصر


لم يتغير وضع غالبية الشعب المصرى كثيرا فى النصف الثانى من القرن العشرين عما كان موجودا خلال حقبة محمد على باشا والخديوى سماعيل.. بل ربما زاد سوءا بسبب الاستغلال الاستعمارى وتحويل بريطانيا لمصر كمزرعة كبيرة للقطن.. ودخول المرابين الأجانب للريف المصرى كقوى استغلال جديدة بجوار الملاك الزراعيين الكبار.


كان ثوار يوليو.. نوعية جديدة من الوطنية المصرية التى عاشت وتبلور فكرها فى ظل الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء فى الحرب بفضل المساهمة غير المنكورة للاتحاد السوفييتى فى هزيمة النازية.. وبزوغ الاشتراكية كنظام سياسى بديل للرأسمالية.


وتدعمت صورة الفكر الجديد بنجاح الثورة الاشتراكية فى الصين عام ١٩٤٩.. وقبل الثورة المصرية بسنوات ثلاث فقط.


لاشك أن كل هذه التغيرات الفكرية والسياسية العالمية قد تركت آثارا عميقة وغيرت من فكر الضباط الجدد ورؤيتهم للعالم من حولهم.


ومن هؤلاء تبلور تدريجيا فكر الضابط الشاب جمال عبدالناصر.. الذى تأثر بكل هذه الأحداث العالمية.. وتأثر بشكل خاص بتجربة الدكتور «محمد مصدق» فى إيران.. خصوصا تجربته فى الإصلاح الزراعى وإعادة رسم خريطة الريف الإيراني، ثم خطوته الوطنية الجبارة فى تأميم قطاع النفط الإيرانى (١ مايو ١٩٥١).


كانت تجربة الدكتور مصدق فى إيران أمام الضباط المصريين الشباب وهم يعدون التفصيلات الأخيرة لعملهم الثورى الكبير، خصوصا الضابط الشاب جمال عبدالناصر.. الذى أبدى اهتماما وفضولا لافتا للنظر.. كما يروى محمد حسنين هيكل عن لقائه الأول بجمال عبدالناصر.. قبل الثورة.


وظل جمال عبدالناصر منتبها للنهاية الحزينة التى انتهت إليها تجربة الدكتور مصدق الوطنية وإقصائه عن الحكم بتدبير مؤامرة الانقلاب عليه التى دبرتها كل من المخابرات البريطانية والأمريكية.. معا.. ونتج عنها إعادة الشاه إلى الحكم مرة ثانية.


لقد أدرك عبدالناصر عمق قضية الاستقلال الوطني.. ودور الاستعمار فى إبقاء بلدان العالم الثالث كمصدر للمواد الخام وسوق لمنتجاته المصنعة.


ووعى جمال عبدالناصر.. رويدا رويدا.. تجربة محمد على وأبنائه مع القوى الاستعمارية.. واستوعب أن إغفالهم الكامل للشعب المصرى الفقير المستعبد والمستغل.. قد جعل من نهضة محمد على وإسماعيل مجرد قشرة هشة من الحضارة على سطح بحر واسع من التخلف والأمية والفقر والمرض.


وتبلور تدريجيا حلم جمال عبدالناصر لمصر والمصريين.. حلم قوامه تحرير الفلاحين من الاستعباد والتخلف والجهل والمرض الذى ينهش أجسادهم.


وحلم ثان بتصنيع مصر.. وتحويلها من بلد زراعى إلى بلد صناعى بسرعة.


وحلم ثالث.. لم ينتبه له كثيرون من كتاب سيرة جمال عبدالناصر.. هو حلم لقضاء على ظاهرة «خدم المنازل».


كانت ظاهرة خدم المنازل من الإناث.. ظاهرة شائعة فى القاهرة وعواصم المديريات والمدن الكبرى فى الريف.


ولأسباب غير معروفة لنا، انتبه جمال عبدالناصر لهذه الظاهرة.. واعتبرها مظهرا من مظاهر الاستغلال غير الإنسانى والمهين.


فقد كان معدومو الريف يسوقون فتياتهم الصغار للعمل فى بيوت الموسرين من أبناء البنادر والمدن لقاء راتب شهرى هزيل يتعايش عليه أهل الفتاة.. التى لم تكن تنل إلا غذاءها.. وكسوتها فى أحسن الأحوال.!


كانت ظاهرة الخدم.. وما تعنيه.. آنذاك.. من استعباد للإناث.. ظاهرة مقلقة لبعض المفكرين ودعاة التنوير.. وكان أهم من تعرض لهذه الظاهرة الدكتور طه حسين فى روايته «دعاء الكروان».. التى صدرت عام ١٩٣٤ وتحولت لفيلم سينمائى عظيم سنة ١٩٥٩.


لتصبح من أهم أفلام الحقبة الناصرية.


رأى عبدالناصر أن ظاهرة «خادمات المنازل» لا يمكن حلها بالأمانى الطيبة أو دعوة الموسيرين لحسن معاملة الخادمات.


ما الحل إذن؟؟


لم يكن هناك من حل سوى بانتشال الريف من الفقر بالإصلاح الزراعي.. ومجانية التعليم وإقرار التعليم الالزامى للمرحلة الابتدائية..


والأهم فى كل ذلك تسريع عملية تصنيع الريف المصرى امتصاص العمالة.


ولم تمض فترة طويلة حتى أصبح الريفيون يرسلون بناتهم للعمل فى المصانع الناشئة الجديدة فى مجالات الغزل والنسيج والمصانع الصغيرة والمتوسطة.


ومع نهاية الستينات أصبح مألوفا للمصريين رؤية الفتيات المصريات يشاركن الشباب فى «ورديات» المصانع.. وكراسى الدراسة فى المدارس والجامعات والمصالح الحكومية والبرلمان.. ويصل بعضهن لمراكز قيادية فى القطاع العام.. وهو ما عبر عنه فيلم مهم من أفلام حقبة الستينات هو فيلم «مراتى مدير عام» الذى أنتجته السينما عام ١٩٦٦.


المثير للانتباه: أنه عند مغادرة عبدالناصر دنيانا فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠.. كانت ظاهرة «خادمات المنازل» قد بدأت فى الأفول.. وبدأت كثير من أسر وعائلات المدن والبنادر تشكو من ظاهرة نقص «خادمات المنازل» التى كانت مظهرا من مظاهر العبودية المقنعة.


وعن هذه الحقبة يقول أحمد حمروش.. أحد الضباط الأحرار.. وأهم من أرخوا لتجربة ثورة يوليو.. يقول: «كانت التغيرات التى حدثت فى حياة العمال والفلاحين.. قد حررتهم تحريرا كاملا من متاعبهم الاجتماعية.. ولم تصل بهم إلى مرسى الاشتراكية.. إلا أنها غيرت من واقعهم القديم تغييرا كبيرا.. وجعلت لهم صوتا مسموعا.. وخففت عنهم قبضة الاستغلال.. وبالتأكيد زرعت الأمل فى قلوبهم لمستقبل أفضل.


كان جمال عبدالناصر أكثر زملائه من العسكريين اهتماما بالطبقات الفقيرة.. ولقد قال لزملائه أكثر من مرة: «أنا مش عايز حد يكلمنى عن واحد بياخد أكتر من ٣٠ جنيها على أنه مسكين.. المساكين هما اللى بياخدوا أقل من كده».


وينهى أحمد حمروش الفقرة بالقول: «المعتقدات الشخصية جعلت من جمال عبدالناصر حليفا للعمال والفلاحين.. وساعد على ذلك نشأته البسيطة فى أسرة متواضعة» (مجتمع جمال عبدالناصر، ثورة يوليو، الطبعة الأولى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص ٦٣٧).


رغم أن الذى خلفه فى الحكم، الرئيس الراحل محمد أنور السادات.. كان قد نشأ هو الآخر نشأة بسيطة.. وفى أسرة متواضعة.. تنافس أسرة عبدالناصر فى تواضع مستواها.. لكن حلم السادات وتحالفاته كانت مخالفة لتحالفات عبدالناصر وأحلامه لمصر.


حلم أنور السادات


كان الرئيس الراحل «أنور السادات» مفتونا بالغرب ونمط الحياة الغربية.. على الرغم من إدعاءاته المتكررة عن حياة القرية وتقاليد العائلة ونمط «كبير العائلة» الذى يحكم فى العلاقات بين الأفراد والمؤسسات.


واشتهر عن الرئيس السادات مقولته التى أطلقها مع بدء سياسته للانفتاح الاقتصادى عام ١٩٧٤.


ففى خطاب من خطاباته وعد الشعب المصرى بأنه يعمل بأن يكون لكل مواطن فيلا وعربية خاصة به.


لكن لم تمض سنوات ثلاث على إعلان سياسة الانفتاح الاقتصادي.. حتى كان الشعب المصرى يتظاهر فى الشوارع احتجاجا على رفع أسعار المواد الغذائية الأساسية وعلى ظهور ما سمى بـ»القطط السمان».. من المليونيرات.. الذين غزوا الحياة السياسية والاقتصادية بسرعة غريبة.. وبتشجيع من الرئيس السادات ذاته والحلقة المحيطة.


وما كاد الرئيس السادات يغادر المسرح السياسى مقتولا بشكل درامي.. إلا وظهرت حقيقة الأوضاع فى مصر، والتى كانت ترزح فى نهاية حكمه تحت وطأة ديون كثيفة وتبعية كاملة للأمريكان وعزلة شبه كاملة عن شقيقاتها العربيات.. وانقسام طبقى واجتماعى حاد بين الفقراء واﻷغنياء من جراء السياسات الرأسمالية المنفلتة التى انتهجها خلال ٧ سنوات (١٩٧٤ - ١٩٨١).


وهى ذات السياسات التى استمر عليها الرئيس «حسنى مبارك» حتى نهاية حكمه.


المثير للدهشة أنه لم يرو عن الرئيس مبارك أى حلم أو تصور لبلده خلال ما يقرب من ثلاثين عاما.


ربما كان هناك حلم واحد راوده خلال حياته، هو أن ينهى خدمته الطويلة فى القوات المسلحة فى وظيفة «مريحة» كرئيس لشركة مصر للطيران أو سفيرا فى أى دولة دولة أوربية.. يتمتع فيها بأبهة المنصب ومزاياه العديدة!


حلم الرئيس عبد الفتاح السيسى


لفت نظرى فى خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الأوبرا احتفالا بذكرى ثورة ٣٠ يونيه، ما قاله للموجودين «أن مصر ليست فى مكانتها التى تستحقها.. وأن مصر تطالب أبناءها بالعمل من أجل أن تعود لمكانتها».


أعادتنى هذه العبارة إلى كل أشجان الماضى المصرى من انتصارات وهزائم.. من إنجازات وإخفاقات.


بماذا يحلم الرئيس لمصر؟؟


إن الرئيس لم تتح له الظروف المناسبة للإفصاح عن أحلامه لمصر.


فلقد فقدت مصر وضعها المميز فى عالمها العربى منذ صدمة زيارة القدس ومعاهدة كامب ديفيد.. ولازالت آثار تلك المرحلة تؤثر فى «مكانة» مصر العربية.. رغم كل الإدعاءات بالمكانة والريادة.


والسؤال: كيف سيعيد الرئيس السيسى مصر لمكانتها العربية فى ظل صعوباتها الاقتصادية والسكانية المتأزمة؟


من ناحية ثانية: فقدت مصر رأسمالها ومخزونها المعنوى والنضالى لدى شعوب إفريقيا.. فقد انتهت حقبة التحرر الوطنى الإفريقى الذى دعمته وقادته مصر فى الخمسينات والستينات.. ولم تعد مصر.. فى ظل أزمتها الاقتصادية الحالية. قادرة على تقديم مساعدات مادية للقارة.. اللهم إلا خبراتها الفنية والتعليمية والتكنوقراطية المتراكمة.


فكيف سيعيد الرئيس السيسى لمصر مكانتها الأفريقية فى ظل هذه التحديات؟؟


وعلى المستوى الداخلى: عبر الرئيس عبدالفتاح السيسى عن شعوره بالخجل لوقوع ملايين من المصريين أسرى للعيش فى العشوائيات المنتشرة فى المدن والريف.. بما يتنافى مع أى شعور إنسانى ووطني.


والسؤال: كيف سيستطيع الرئيس عبدالفتاح السيسى إنهاء مظاهر العوز والتخلف التى تعيشها قطاعات لا يستهان بها من المصريين.. دون الأخذ بسياسات اقتصادية حازمة لتحقيق العدل الاجتماعى وتطبيق سياسات ضرائبية متصاعدة على الرأسماليين المنفلتين من أى محاسبة جادة على أرباحهم الخرافية؟؟.


ربما يجيب البعض أن حلم الرئيس عبدالفتاح السيسى لمصر يتبلور فى وثيقة «إستراتيجية مصر عام ٢٠٣٠».


ولكن هذه «الوثيقة» تظل حتى هذه اللحظة مجهولة لعدد كبير من المثقفين.. وهى مجهولة لغالبية المصريين.. وهى لم تخضع بعد لنقاش وحوار شعبى يمنحها صفة برنامج عمل متكامل للدولة والشعب.


فلا الرئيس.. ولا مؤسسات الدولة المختلفة.. قادرين على إنجاح أى حلم بدون فهم واقتناع أفراد الشعب بهذا الحلم.. وحماستهم له.. وتجييشهم للعمل من أجله بكل طاقاتهم.


كلمة أخيرة: إن مصر لم تعد تمتلك ترف الانتظار أو البطء فى تحقيق مشروعها التنموي.. فهى تصارع أمواج عاتية فى بحر متلاطم.. وتنافسها فى محيطها قوى أخرى كتركيا وإيران إسرائيل.. وكل منهم له مشروعه القومي.. الذى قد يتعارض.. ولابد أن يتعارض.. مع المشروع القومى المصرى بامتداداته العربية والأفريقية.


ومشروع مصر للنهوض من جديد يحتاج روح جديدة.. وحماسة دافقة.. وانضباط صارم.. وتخطيط محكم.


بهذا وحده تتحقق الأحلام.. وتستعاد المكانة.