ماذا نفعل مع التصعيد الإيطالى؟

13/07/2016 - 2:14:28

  البرلمان الإيطالى صوت على منع تزويد مصر بقطع غيار طائرات «إف ١٦» البرلمان الإيطالى صوت على منع تزويد مصر بقطع غيار طائرات «إف ١٦»

بقلم - د. حسن أبوطالب

الذين تابعوا عن كثب التحركات الإيطالية على صعيد الأحزاب اليسارية والوسطية والإعلام وأنشطة بعض جماعات حقوق الإنسان وكذلك المواقف الحكومية الرسمية خلال الأشهر الأربعة الماضية، كان يدرك تماما أن هناك حالة هيسترية بشأن مقتل الطالب ريجينى، وأن هناك مزايدات سياسية لا حدود لها، وأن الجميع يتبارى فى إظهار قدرته على إيذاء مصر، وأن التفكير فى فرض عقوبات أيا كانت لم ينقطع، وكل ذلك بحجة عدم الرضاء الإيطالى بالمعلومات التى توصلت إليها جهات التحقيق المصرية، وهى العقوبات التى بدأت بالفعل من خلال قرار برلمانى ألزم الحكومة بوقف توريد قطع غيار الطائرات اف ١٦ لمصر. وهو قرار كانت الحكومة وراءه ووظفت الأحزاب اليسارية من أجل طرحه وتمريره، ولولا الغالبية للأحزاب التى تشكل الحكومة الائتلافية لم يكن القرار ليمر على النحو الذى كان متمتعا بأغلبية كبيرة.


المبرر الرسمى الإيطالى يتلخص فى كلمتين «الحقيقة فى مقتل ريجينى»، ودلالته بسيطة ولكنها فى غاية الألم بالنسبة لمصر ومؤسساتها وبرلمانها، ذلك أن الإيطاليين يرون أن كل ما فعلته الأجهزة الأمنية والنيابة العامة لا يرقى إلى الحقيقة التى يريدون سماعها، وهى ببساطة أن تعذيب ومقتل ريجينى تم على أيدى مؤسسات أمنية رسمية، بمعنى آخر أن الدولة المصرية مسئولة عن قتل الطالب الإيطالى وعليها بالتالى أن تدفع الثمن. ولعل كلمات وزير التنمية الاقتصادية الإيطالى، كارلو كاليندا، حين تحدث عن قضية ريجينى بالبرلمان أثناء مناقشة قرار منع تزويد مصر بقطع غيار طائرات حربية توضح الدور الذى قامت به الحكومة الإيطالية فى تمرير القرار وكذلك رؤيتها السلبية للتعاون القضائى مع مصر، قائلا «إيطاليا رفضت بقوة كل القصص المختلقة التى لا أساس لها القادمة من القاهرة، نحن نريد معرفة من قام بتعذيب وقتل جوليو ريجينى من أجل أسرته، ومن أجل الشعب الإيطالى الذى يشعر بالغضب من الحقائق الكاذبة». ومغزى هذه الكلمات أن مصر مسئولة وتكذب وعليها أن تدفع الثمن.


مشكلة نفسية جماعية للإيطاليين


ورغم أن الحكومة الإيطالية ولا أى جهة أخرى لديها قرائن دامغة تثبت هذا الاتهام الفظيع بأن مسئولية رسمية على مصر وأجهزتها الأمنية فى خطف وتعذيب وقتل الطالب الإيطالى، إلا أن كل تحركاتهم الماضية كانت تستند إلى هذا الافتراض الذى يرقى بالنسبة لهم «مرتبة الحقيقة غير القابلة للنقاش»، وبذلك فنحن أمام مشكلة نفسية جماعية لدى الجانب الإيطالى، تلاعبت بها الأحزاب اليسارية والإعلام الإيطالى مدعوما بإعلام غربى ممتد التأثير مع مدخلات مصرية غير مسئولة من قبل من يسمون أنفسهم ناشطين كل همهم الإساءة المفرطة لبلدهم دون تقدير العواقب التى يمكن أن تنتج عن تصرفاتهم الهوجاء وغير المسئولة، ناهيك عن أداء إعلامى وصحفى بدائى دعم ولو بطريق غير مباشر من الافتراضات الإيطالية وبحيث صارت لهم بمثابة حقيقة استنادا إلى ما ينشر فى بعض الإعلام المصرى وصحافته غير المسئولة، وبالتالى تم ضرب فى مقتل كل الاحتمالات الجنائية الممكن بحثها بما فى ذلك تورط أجهزة مخابرات لدول تسعى دائما للإضرار بمصر وبعلاقاتها المتميزة مع دول عديدة من بينها إيطاليا.


تناقضات إيطالية ذات مغزى


وعلى الرغم من اهتمام الجانب الإيطالى بالعديد من تفاصيل حياة ريجينى فى القاهرة إلا أنهم تجاهلوا تماما رفض جامعة كمبردج البريطانية أى تعاون معهم بشأن خلفيات إرساله إلى القاهرة للقيام بأبحاث حول النقابات العمالية تحت إشراف أستاذة عضو بجماعة الإخوان الإرهابية فرع لندن، وهو رفض يعكس غموضا وتورطا من قبل الجامعة البريطانية لا تهتم به الدوائر الإيطالية رغم أهميته وربما يكون أحد مفاتيح حل لغز التعذيب والقتل وإظهار الجثة فى يوم كان فيه وفد إيطالي رفيع المستوى يلتقى الرئيس السيسى ومسئولين آخرين للبحث فى تعزيز التعاون الاقتصادى بين البلدين. إن تغاضى السلطات الإيطالية عن احتمال تورط جماعة إرهابية فى تعذيب وقتل الطالب الإيطالى يجعلها غير جديرة بالاحترام. والمفارقة المثيرة أن الجامعة البريطانية ضربت ستارا من السرية على أبحاث ريجينى فيما يشى بأن وراء الأكمة ما وراءها، لكن الإيطاليين لا يفهمون ولا يريدون أن يفهموا.


طبيعة تعاونية مهدرة


الغريب والمثير معا أن طبيعة العلاقات المصرية الإيطالية هى طبيعة تعاونية وقابلة لمزيد من التعاون، سواء فى جانبها السياسى أو الاستراتيجى أو الاقتصادى، بل إنها تحمل وفورات للجانب الإيطالى أكثر مما تحمل بالنسبة للجانب المصرى، فالميزان التجارى بين البلدين وصل فى ٢٠١٤ إلى ستة مليارات دولار، منها أربعة مليارات لصالح الصادرات الإيطالية لمصر ومليارين فقط لصالح الصادرات المصرية، أى ان الفائض للجانب الإيطالى يصل إلى مليارى دولار، وهو رقم يُعتد به فى ظل أى حسابات عقلانية رشيدة، لكن الجانب الإيطالى وضع تلك الحسابات العقلانية الرشيدة جانبا وأخذ يبحث عن انتقام بلا معنى وبلا فائدة.


كذلك، الجوانب الأمنية والاستراتيجية بين البلدين يسودها التفاهم التام بشأن ما يجرى فى ليبيا ومحاربة داعش وتعزيز جهود منع الهجرات غير الشرعية المتوجهة عبر السواحل الليبية إلى الشواطئ الإيطالية وغيرها من الشواطئ الأوربية، وهناك بالفعل أطر عملية يشترك فيها البلدان لتعزيز جهودهما لمواجهة هذه التحديات المشتركة، ومع ذلك لم يشفع مثل هذا المستوى الراقى من العلاقات لكى تهدأ النفوس الإيطالية وتنظر للقضية بمنظور شامل، يتعدى حالة فردية لم تكل الأجهزة الأمنية والقضائية المصرية عن فك ألغازها ولن يهدأ لها بال حتى تصل إلى الحقيقة كاملة حفاظا على سمعتها الذاتية قبل أى شىء آخر.


ماذا نحن فاعلون؟


إذا الموقف الإيطالى تحكمه اعتبارات خاصة به، وبمزايداته الداخلية خاصة وانتخاباته المحلية التى هددت عرش أحزاب الحكومة الائتلافية القائمة. وهنا نصل إلى السؤال الرئيسى ماذا على مصر أن تفعل؟


لقد لاحظنا أن مجلس النواب اتخذ عدة خطوات، منها بيانات للجان الشئون الخارجية والأمن القومى ترفض قرار البرلمان الإيطالى وتصريحات قوية لرئيس مجلس النواب المصرى د. على عبد العال يلمح فيها إلى تأثيرات سلبية محتملة للقرار الإيطالى، ثم زيارة رئيس لجنة العلاقات الخارجية السفير محمد العرابى إلى البرلمان الإيطالى حاملا رسالة من د. على عبد العال إلى نظيره الإيطالى. إضافة إلى بيان وزارة الخارجية المصرية الذى رأى فى القرار الإيطالى تصعيدا لا مبرر له خاصة فى ضوء التعاون الكامل بين الأجهزة الأمنية فى البلدين، مع التلميح بأن هذا التصعيد الإيطالى قد يدفع مصر لمراجعة تعاونها مع الجانب الإيطالى بشأن جهود منع الهجرة غير المشروعة والوضع فى ليبيا.


الأمر على هذا النحو يجسد تحركات برلمانية مصرية وتلميحات بمواقف مصرية قد تؤذى الجانب الإيطالى فى قضايا ملحة ومهمة بالنسبة للأمن الإيطالى ردا على منع تزويد مصر بقطع غيار الطائرات أف ١٦. ومع ذلك أستطيع القول أن هذه التحركات رغم أهميتها فهى ليست كافية، وأنها ما زالت تدور فى إطار سياسة احتواء آثار التصعيد الإيطالى والذى لا يوجد ما يرجح أنه سيكون نهاية المطاف، بل قد تتبعه مواقف عقابية أخرى ما دامت المزايدات السياسية المحلية الإيطالية قائمة ولا رادع لها. وما دام هناك تصعيد حدث بالفعل وربما تصعيد آخر يتم التحضير له بعد حين قصير، فليس هناك سوى الرد بالمثل، أى تصعيد إزاء تصعيد، هكذا تدار علاقات الدول الواعية بمصالحها، أما أن نكتفى بالتصريحات والبيانات والتحركات والزيارات والمناشدات، فلم تعد مثل هذه المواقف ذات قيمة، بل عادة ما تأتى بنتائج عكسية لأن الطرف الآخر ينظر إليها كدليل ضعف وقلة حيلة وإنها للاستهلاك المحلى بالدرجة الأولى.


إن مجرد التلميح الصادر عن وزارة الخارجية المصرية بإعادة النظر فى التعاون المشترك فى جهود منع الهجرة غير المشروعة لا يجب أن يقف عند هذا الحد، بل يجب أن تُعلن قرارات صارمة بهذا الشأن، وكذلك وقف التشاور بشأن مجريات الأوضاع فى ليبيا ووقف تبادل المعلومات. هذه أمور لن تأتى نتائجها سريعا، ولكنها بمثابة أوراق ضغط يجب تفعيلها بكل حكمة ورشادة، وربط العودة عنها بإلغاء قرار البرلمان الإيطالى. ومع ذلك فهذه الخطوات يجب ألا تكون إلا بداية لتصعيد مصرى قوى. وأتصور هنا أن يقوم مجلس النواب المصرى باتخاذ قرار يلزم الحكومة باتخاذ هذه المواقف كحد أدنى، بمعنى قرار برلمانى مصرى يرد على قرار برلمانى إيطالى، يتبعه إلزام الحكومة بطرح تصور شامل للتعامل مع إيطاليا إذا ما اتخذت قرارات أخرى تضر بالمصالح المصرية، بما فى ذلك وقف تنفيذ بعض اتفاقيات التعاون التى سبق توقيعها فى العام ٢٠١٤.


أتصور أيضا أن يعلن النائب العام وقف تبادل أى معلومات مع الأجهزة الإيطالية بشأن مقتل ريجينى إلى أن تقوم السلطات الإيطالية بتقديم ملف كامل عن مقتل المواطن المصرى يتضمن إجابات شافية عن أسباب مقتل المواطن محمد باهر صبحى إبراهيم على، واختفاء المواطن عادل معوض هيكل فى إيطاليا، واللذين حتى هذه اللحظة تتعامل السلطات الإيطالية بشأنهما ببرود لا حدود له ولا مبالاة شديدة تجسد قمة التجاهل والعنجهية. وإذا كنا نعلن يأسنا الكامل من جمعيات حقوق الإنسان المصرية المقيدة بالتمويل الخارجى والتوجيهات عبر الحدود، ولا ننتظر منها أية محاولات للضغط على الجانب الإيطالى بشأن المصرييْن المشار إليهما كما تفعل بمناسبة وغير مناسبة فى الأحوال المصرية، فإن وسائل الإعلام المصرية ذات الطابع الوطنى عليها عبء التذكير دائما بحالة هذين الشابين المصريين، وعبء التذكير بأن السلطات الإيطالية تتعامل مع ملفهما بجلافة ولا مبالاة ومن ثم تشكيل رأى عام يضغط على السلطات المصرية حتى لا تنسى الأمر وتفقد بذلك ورقة ضغط جوهرية فى مواجهة الحالة النفسية التى تسيطر على البيئة السياسية الإيطالية.


إن ترفع السياسة الخارجية المصرية عن توظيف كل أوراق الضغط المتاحة لها إزاء من يضرها بالفعل يعطى مؤشرا سلبيا يجب التخلص منه سواء فى الحالة الإيطالية الراهنة أو فى غيرها من الحالات الأخرى التى تركنا فيها دولا نعرفها جيدا تعبث فى أمننا القومى دون أن نرد الرد المناسب عليها مما زادها طمعا وخبلا فى الآن نفسه. فعالم اليوم هو عالم القوة والقدرة على المناورة والتوظيف الأمثل لأوراق الضغط المتاحة مهما كانت صغيرة، أما الاستكانة إلى افتراض أن بلادنا مهمة للآخرين وسوف يرعوننا، فقد ثبت فشله فشلا ذريعا. وعلى الجميع أن يصحو ويفيق.. كفى سباتا.