نتن-ياهو فى أعالى النيل

13/07/2016 - 2:11:17

  جلسة مباحثات بين رئيسى وزراء إثيوبيا وإسرائيل جلسة مباحثات بين رئيسى وزراء إثيوبيا وإسرائيل

بقلم - أ.د. السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية

موضوعنا اليوم أوسع مدى من العنوان أعلاه، وإن كان سببا لكتابته أنه يتعلق بمجمل السياسة الإسرائيلية تجاه القارة الأفريقية: كيف بدأت؟ وما محدداتها ودوافعها وأدواتها ومراحلها التاريخية العامة؟ وما موقع هذه الزيارة التى قام بها نتن-ياهو رئيس وزراء إسرائيل لأربع من دول حوض النيل؟ والقمة التى عقدها معهم وما صاحب ذلك من مظاهر دعائية أصابت كثيرا من المواطنين المصريين والعرب بقدر كبير من الإحباط، وهم فى ذلك محقون وبصفة خاصة مع ضعف آليات الأداء الإعلامى التى يمكن أن توضح الصورة على نحو دقيق.


وبداية فإنه لا ينبغى لنا مهما كان رأينا فى إسرائيل أن تكون سياستنا فى أفريقيا قائمة على رد الفعل تجاه قراراتها وتفاعلاتها السياسية فى الاتجاهات كلها، وهنا علينا أن نسأل أنفسنا عن سياستنا فى مقابل سياستهم، ولماذا لم نكن نحن الفاعلين وهم المتأثرون، بدلا من أن يكون العكس صحيحا، وبصفة خاصة أن مصالحنا فى أفريقيا هى كما اتفقنا من قبل مصالح وجود وبقاء للشعب والدولة المصريين.


والحقيقة أن إسرائيل من قبل قيامها كانت تضع أفريقيا فى تصوراتها منذ بدايات الحركة الصهيونية، بل لقد فكرت فى أماكن عدة يمكن أن تكون وطنا بديلا على أرض أفريقيا، ومنها هضبة البحيرات على سبيل المثال وأوغندا تحديدا، وذلك قبل أن يتبلور المشروع الصهيونى فى فلسطين المحتلة، وذلك مثلما كانت سيناء هى المكان المقترح لدولة بنى صهيون فى بدايات الحركة الصهيونية، ومن ثم فإن الفكر الصهيونى كان يربط منذ فترة طويلة بين سيناء وحوض النيل. ويرى إمكانية لكى يرفد نهر النيل سيناء بكميات من الماء تسمح بقيام الدولة الصهيونية.


وعلى جانب آخر كانت وجهة إسرائيل إلى البحر الأحمر عبر ميناء أم الرشراش (إيلات حاليا)، والذى يقع شرق خط الحدود المصرية وفقا لاتفاقية ١٩٠٦، والذى سيطرت عليه إسرائيل بمؤامرة من القيادة البريطانية للجيش الأردني، حيث جرت عملية إخلاء المنطقة بزعم إجراء تدريب فدخلته قوة إسرائيلية «على البارد» دون رصاصة أردنية واحدة. ولقد ترتب على هذا أن صارت إسرائيل دولة من دول البحر الأحمر، ورغم معاندة كل من مصر والسعودية لفترة من الزمن إلا أن الدول الكبرى صاغت قانون البحار وترسيم الحدود البحرية، بما يجعل وجودها فى البحر الأحمر مبررا ما دامت عضوا فى الأمم المتحدة. ولقد كانت هذه المساحة الضيقة التى نالتها فى إيلات هى النافذة التى أطلت منها على منطقة شرق أفريقيا، وما وراءها من علاقات تمتد إلى إيران حيث مصدر البترول الوحيد الذى كان يأتيها فى بدايات قيامها.


وكان التوجه الإسرائيلى إلى القارة الأفريقية يقوم بالأساس على دعم الدولة وإعطائها هيبة دولية وإكسابها وجودا إقليميا فى المستعمرات الأفريقية، التى كانت تخضع فى هذا الوقت للوجود البريطانى فى الغالب، ومن ثم ساعدها هذا الاستعمار على تثبيت أقدامها فى كل من كينيا وأوغندا وتنزانيا، كما ساعدها على الالتحاق بإثيوبيا والعمل معها، وإن كان ذلك سريا بحكم أن إثيوبيا نالت إقليم إريتريا من الأمم المتحدة، كما نالت هى جزءا من إقليم فلسطين من الأمم المتحدة. وبالتالى كانت الدولتان معا هما الكيانان غير العربيين على امتداد البحر الأحمر وسواحله الشرقية والغربية.


وكان لإسرائيل هدف أساسى من الاتصال بهذه الدول الوليدة، هو أن تتمكن عبرها من التواصل مع الدول المجاورة لها، وأن يزيد امتدادها وانتشارها عبر القارة لإقامة علاقات دبلوماسية تسمح لها بقوة تصويتية تحفظ مصالح وجودها على أرض فلسطين المحتلة، وكان هذا الغرض السياسى يتم تحت ضغط من قوى الاستعمار الغربى القديم بكامل دوله، وأيضا دولة الاستعمار الغربى الناشئة (الولايات المتحدة الأمريكية)، وقد أسفرت هذه الرعاية عن حمل إسرائيل إلى قلب أفريقيا سواء من خلال السفارات الغربية أو من خلال شركاتها الدولية عبر فروع إسرائيلية، كما ساعدتها فى الإفادة من عدد من الأدوات المهمة، وعلى رأسها التقنيات العالية التى قدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا (بما فيها التقنية النووية)، مع طرحها كقوة غير استعمارية يمكن أن تحل بديلا للاستعمار القديم. وفى نفس الوقت ساعدتها فى الوصول إلى واحدة من الآليات المؤثرة للعمل الدولى وهى التواصل الاقتصادى والاجتماعى مع الجاليات اليهودية المنتشرة على أرض القارة الخاضعة للمستعمرين الأوروبيين، ما شكل آلية اختراق اجتماعى مباشر للدول الأفريقية الوليدة. على جانب آخر فقد قامت الدول الأوربية بمساعدة إسرائيل على التواصل مع قوى الاستعمار الاستيطانى الأوروبي، وبصفة خاصة فى جنوب أفريقيا وروديسيا الجنوبية والمستعمرات البرتغالية فى أنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو وغيرها. وبفضل ما تمتلكه هذه المستعمرات من معدنين نفيسين هما الماس والذهب، صارت إسرائيل على خط مواز فى تصنيع وصياغة كل منهما لذلك الخط الموجود فى جوهانسبرج وفى لندن وفى موسكو، لتصبح لاعبا مهما فى أغلى معدنين على وجه الأرض. ما أوصلها إلى فرصة النفاذ إلى الأسواق الدولية؛ حتى لو لم يكن معترفا بها كدولة من قبل البعض. ومن ثم فإن دولة تملك نافذة استراتيجية كبيرة على السلاح النووى ونافذة اقتصادية كبيرة على الماس والذهب كانت تستطيع أن توجد بشكل أو بآخر على الأرض الأفريقية.


على أن أخطر الأدوات كانت التيسيرات التى قدمت للجيش الإسرائيلى وأجهزته الأمنية للتواصل مع القيادات العسكرية الأفريقية، وهو الأمر الذى مكّن إسرائيل من أن تكون بعد فترة وجيزة قادرة على تعيين مستشارين أمنيين لحماية الانقلابيين من القادة عندما يصبحون رؤساء ممن اصطفوا فى إطار المعسكر الغربى الاستعمارى والعنصرى منذ فترة مبكرة. وبهذا حققت إسرائيل نجاحا وصفه الرئيس عبد الناصر بأنه النجاح الذى يؤكد وظيفة إسرائيل كرأس جسر للاستعمار الجديد على الأرض العربية والأفريقية، ومن ثم فقد اكتشف منذ كتب فلسفة الثورة الصلة بين إسرائيل وعنصريتها وبين الأنظمة الأوروبية العنصرية فى القارة، وبالتالى عبر عن وحدة الكفاح العربى الأفريقى من أجل الخلاص من كافة الأنظمة العنصرية، وكان هذا دافعا مبكرا لموافقة العالم على دمغ إسرائيل بالعنصرية الصهيونية على قدم المساواة مع دمغ نظام الأبارتهيد فى جنوب أفريقيا بالعنصرية.


وقد ساعد هذا كله على تمكين العرب والأفارقة من توحيد الرؤى والكفاح المشترك، لكن كامب ديفيد سرعان ما فكت عرى هذا التلاحم، والذى كان قد بلغ ذروته إبان حرب أكتوبر ١٩٧٣ وإقبال الدول الأفريقية على قطع العلاقات مع إسرائيل أسوة بإقبال العرب على قطع العلاقات مع نظام الأبارتهيد فى جنوب أفريقيا، وبالتالى بدأت تتفكك الرابطة العربية الأفريقية وبدأت إسرائيل تتسلل مجددا عائدة إلى أفريقيا، كما بدأت عملية الحصار القائمة على الاتهام بالعنصرية تتلاشى تدريجيا، بحيث قدمت الولايات المتحدة للأمم المتحدة مشروعا بإلغاء قرار دمغ إسرائيل بالعنصرية، وذلك فى وقت ضربها للعراق من ناحية، وبداية تسوية الوضع العنصرى فى جنوب أفريقيا من ناحية ثانية. ولاشك أن هذا يؤشر إلى أن ما يجرى فى الشرق الأوسط غير منقطع الصلة بما يجرى فى قلب القارة الأفريقية، وأننا بصدد مجموعة من الارتباطات الاستراتيجية على النحو التالي:


أولا- ارتباط إسرائيل بالدول القومية المعادية للعرب؛ كى تصبح هى بؤرة حركة هذه الدول، فكأنها تشد أطراف العالم العربى إلى الخارج بعيدا عن المركز الذى تقبع فيه فى فلسطين المحتلة، وذلك عبر الارتباط بتركيا فى الشمال من خلال حلف الأطلنطي، والارتباط بإيران وقوميتها «الفارسية» سواء فى ظل العهد الإمبراطورى أو حكم الملالي، والذى يعد نسخة قومية فارسية فى إطار من المسوح الإسلامية الشيعية. ويشترك مع إسرائيل فى ازدراء العرب الفاتحين على أساس قومي، ولا يعبأ مطلقا بقضية الوحدة الإسلامية، فلم يحدث أن أطلقت إيران رصاصة على إسرائيل، مهما شكلت من كتائب القدس. أما الطرف الثالث فهو إثيوبيا وهو طرف يتحكم فى مياه النيل، وتعد الرابطة معه رابطة ثابتة فى الفكر الصهيونى من البداية كما ذكرنا، كما تعد إثيوبيا قوة إقليمية كبيرة الحجم والسكان وذات نظرة تاريخية استعلائية على جوارها العربى الإسلامي، كما كان إمبراطورها يعتبر نفسه «سبط يهوذا»، وسليل الملك سليمان. كما اشتبك رئيسا إثيوبيا منجستو هيلا ميريام وميليس زيناوى فى ارتباط استراتيجى مع إسرائيل بشكل متواصل على نهج الإمبراطور هيلاسيلاسي. أما القوة الرابعة فكانت جنوب أفريقيا بموقعها المتميز على طريق التجارة العالمية عند رأس الرجاء الصالح، والذى يعد منافسا لقناة السويس كما سبق وأن ذكرنا فى مقال سابق، وهنا نستطيع أن نذكر أن إسرائيل انتقلت بسرعة من حالة التحالف مع النظام العنصرى إلى حالة العلاقة الطبيعية مع النظام الأفريقى من بعد التسوية الديمقراطية، وإن كان مانديلا قد حافظ على ارتباطاته العربية على نحو لم يراعه تابو مبيكي. وتحت مظلة حلف الأطلنطى كانت الحركة منسقة فى القارة الأفريقية من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها. وبهذا يمكن القول باختصار إن إسرائيل تعمل بقوة غيرها وليس بقوتها الذاتية.


ثانيا- الأقاليم الاستراتيجية؛ حيث كانت إسرائيل تتعامل فى إطار استراتيجى واحد منسق بين عدة أقاليم هي: إقليم البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وإقليم حوض النيل، وإقليم الخليج العربي. وبالتالى فإن أية متابعة للنشاط الإسرائيلى فى أية منطقة من هذه المناطق بمفردها لا تقدم صورة واضحة للتنسيق الاستراتيجى الإسرائيلى على مستوى الدولة ككل، ولكن قد تقدم صورة تفصيلية لإقليم واحد.


ثالثا- تنويع أدوات الدور الإسرائيلي، بمعنى أن إسرائيل تصل للنتيجة المحددة بأدوات متعددة. ففى الحالة الأفريقية المحبة لكرة القدم يصبح هناك مركز لاستقطاب اللاعبين الأفارقة سواء لردهم إلى بلادهم كلاعبين يرفعون علمها، أو كلاعبين يمكن بيعهم إلى الأندية الأوروبية لتحقيق عائد مادي، وفى كل الأحوال للوصول إلى قلب المواطن الأفريقي. ويدخل فى هذا التنويع أيضا برامج التدريب الثلاثى الذى تقوم به إسرائيل بمعنى أن تقدم هى الخبراء والفنيين، وأن يدفع المانحون الغربيون تكاليف برامج التدريب وأن تستفيد الدول الأفريقية من هذه البرامج، وبالتالى لا تدفع إسرائيل شيئا. أما أخطر الأدوات على الإطلاق، فهى الأداة الإعلامية؛ حيث شكلت أجهزة الإعلام الغربية داعما أساسيا لبرامج إظهار إسرائيل كقوة لا تقهر، وتضمنت قنوات مثل السى سى إن ونظائرها فقرات صغيرة، ولكن مؤثرة، تقوم بتعميق نظرة القارة الأفريقية إلى إسرائيل كدولة رائدة ومتقدمة، على أن أخطر الاختراقات الإعلامية على الإطلاق، تمثل فى قناة الجزيرة التى نشأت من بدايتها الأولى نشأة صهيونية من ناحية البرمجة والدعاية والتخطيط والتدريب مهما اختلف المكان، سواء كان فى قطر أو فى لندن أو فى تل أبيب للتطبيعيين المحبين للهوى الصهيوني. وقد مثلت الجزيرة الذراع العربية للدعاية الصهيونية لفترة من الوقت؛ حتى أصبحت ناطقة بلغات أخرى، فانتشرت إسرائيل عبر قنواتها انتشار النار فى الهشيم.


ويحتاج الباحث المدقق إلى الخروج من دوائر التأثير الإعلامي؛ لكى يراجع البرامج الإسرائيلية الرئيسية التى تقدمها الحكومة الإسرائيلية للأفارقة؛ لكى يدرك مدى تهافت دور إسرائيل فى أفريقيا، وأن فيه من الادعاء أكثر مما فيه من الوقائع، لكنه يقع-كما ذكرنا- على السمين من الموارد، ويؤثر على الكبير من المسئولين، فذهب وماس ويورانيوم، وكذا جنرالات ورجال أعمال يهتمون بالربح بأى ثمن. ويظاهر هذا كله سفراء جميع الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يعملون لصالحها حتى إن غابت أو أغلقت السفارة، ويحتوون رموزها وأفرادها ويخدمونها فى إطار وحدة الحركة الصهيونية بشطريها المسيحى واليهودي.


ومن الملاحظ أن كثيرا من الباحثين اهتموا بمراحل تاريخية معينة، صعد فيها الدور الإسرائيلى فى أفريقيا أو هبط، سواء فى مرحلة النشأة أو بعد عدوان ١٩٥٦ وما صاحبهما من صعود، ثم بداية التراجع عام ١٩٦٧ حيث اعتبرت الدول الأفريقية أن العدوان موجه ضد دولة أفريقية شقيقة، فبدأت مرحلة تراجع بما فيها مرحلة قطع العلاقات، إلى أن انتهى مبرر قطع العلاقات مع كامب ديفيد، فبدأت العودة التدريجية إلى أفريقيا، والحقيقة أن الدور الإسرائيلى فى المجالات التى ذكرناها وهى المجال الاقتصادى والأمنى لم تتراجع، بل ربما ازدادت حدة وقوة من بعد ظاهرة قطع العلاقات. وهذا يعطى مؤشرا مهما على ضرورة التعامل مع واقع الدور الإسرائيلى وليست مسألة التحقيب الشكلى لفترات العلاقات.


منذ فترة طويلة رتبت إسرائيل لزيارات من الصفين الثانى والثالث من المسئولين لدول أفريقية، ولكن زيارة نتنياهو فى الشهر الجاري، وهى الأعلى منذ عودة العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بعد كامب ديفيد، تمثل تطورا كبيرا فى العلاقات الإسرائيلية الأفريقية من نواح عدة سنعرض لها حالا، ولكن قبل ذلك علينا أن نتساءل هل هذه الزيارة تشكل مفاجأة؟ والحقيقة أن إسرائيل كانت وما زالت وستبقى تعبث بمصالحنا فى مياه النيل، وهى قوة مدمرة رغم اعتمادها على غيرها وقفت وراء تفتيت الصومال وتفتيت السودان والمواجهات اليمنية- الإيرانية عبر الشيعة الحوثيين فى جنوب البحر الأحمر، وهى تقف وراء مسألة سد النهضة، وكلنا يعلم أن إثيوبيا تتحرك بمشورتها فى كل خطوة تخطوها، وتكفى فقط أية مراجعة دقيقة للزيارات المتبادلة بين المسئولين عن قطاع الموارد المائية فى إثيوبيا وفى إسرائيل لنكتشف هذا، بل إن رئيس الوزراء الإثيوبى الحالي، والذى بدأ من موقعه كوزير سابق للرى مسيرة سد النهضة قد تخرج من الجامعات الإسرائيلية. والدولتان تتعاضدان منذ وقت بعيد، فقد مدت إثيوبيا إسرائيل بأبنائها ممن يعرفون باسم الفلاشا؛ ليقفوا فى الصفوف الأولى أمام الفلسطينيين ويموتون لحماية اليهود الغربيين، وذلك على الرغم من أن عددا كبيرا منهم مشكوكا فى صحة نسبه إلى العقيدة اليهودية، وقد ردت إسرائيل التحية بأحسن منها فكانت تكلف عددا من دبلوماسييها من الفلاشا للعمل بإثيوبيا. إذن فخط التواصل لم ينقطع بين تل أبيب وأديس أبابا.


فإذا عدنا إلى المسألة المائية؛ فإن إسرائيل تنفذ منذ سنوات قليلة برامج تنموية فى قطاع الموارد المائية بتمويل غربي، وبصفة خاصة ألمانى فى إثيوبيا، ومن ثم فإن توقيع الاتفاق الخاص بذلك خلال زيارة نتنياهو هو تجديد لعمل فنى مستمر فى مياه النيل وليس مبادرة جديدة. على جانب آخر فقد استدعى نتنياهو سفراء الدول الأفريقية قبل عدة شهور وأخبرهم بعزمه على إقامة منتدى أفريقى إسرائيلى على غرار ما صنعته الصين وتركيا والهند وإيران والبرازيل، كما أبدى استعداده لبرامج تنموية لأفريقيا، بل ووعد بدعم الصومال ضد حركة الشباب، وذلك استمرارا على النهج الإثيوبى الذى يستديم تقسيم الصومال ويمنع وحدته على نفقة الاتحاد الأفريقي، ومن خلال قوة أفريقية. فكأن إسرائيل تنكأ الجرح الذى بدأ بالاحتلال الإثيوبى لأرض الصومال عام ٢٠٠٦. ويعد سعى إسرائيل فى هذا الصدد تدخلا سافرا فى شأن عربى أفريقي، ولكن لا غرابة حيث إن التدخل الإثيوبى والكينى يتم رغم أنف القرار الأفريقى والأممى بعدم مشاركة دول جوار الصومال فى القوة الأفريقية.


ومن الملاحظ أن واقع الزيارة يكشف عن حقائق تستدعى التأمل:


أولا- أن الجانب الشخصى فى الزيارة والمتمثل فى أن رئيس الوزراء الإسرائيلى لا يريد فقط إحياء ذكرى عنتيبي، بل بالأخص ذكرى مقتل أخيه الأول فى هذه العملية، والتى نكأها المصريون بمقتل أخ ثان خلال حرب أكتوبر، فكأنما أراد أن يعظم من صورة أسرته وما قدمته لإسرائيل عن طريق الزيارة، وتشير كثير من الصحف الإسرائيلية إلى إدراكها بهذا المغزى الشخصى للزيارة؛ حتى أن بعضها انتقد التكلفة العالية لتحرك رئيس الوزراء بأربع طائرات وبحراسة مشددة وأسلحة وأجهزة كثيفة إلى الحد الذى جعل زيارته أعلى تكلفة من زيارة أحد رؤساء الولايات المتحدة.


ثانيا- أن ظن أن نتنياهو بدأ من فوره مشروعا لإرضاع الأطفال الإثيوبيين بألبان وفيرة ستنتج عن مشروع عملاق لتربية الماشية، وكأن جميع الأطفال شبعت بدءا من الزيارة من بعد جوع، وهو يعلم أنه لا يملك الطاقات اللازمة لذلك وأنه ينفق من جيب الدول الكبرى.


ثالثا- أن البعض ظن أن إعلانه فتح سفارات فى ٥٤ دولة أفريقية (والتى منها عشر دول عربية، فأنى هذا؟) هو أمر حقيقى وجاد، متناسيا أن السفارة الإسرائيلية فى مصر هى السفارة الوحيدة الموجودة فى دولة عربية، وأنه حتى هذه السفارة تبدو فى حالة انعزال كامل عن الوضع المصرى ورفض كامل لأى إجراء تطبيعى وفقا لرؤية شعبية لم ينحرف عنها مصرى أصيل، وفى هذا الإعلان افتراض أن دولا مثل المغرب والجزائر وتونس وليبيا والصومال وجيبوتى والسودان ستفتح ذراعيها للسفارة الإسرائيلية القائمة، والحقيقة أن الرد جاء مباشرا من الجزائر، والتى رفضت مباشرة لقاء كرويا وديا مع منتخب غانا لمجرد أن مدربه إسرائيلى الجنسية.


رابعا- أن البعض أيضا تصور أن الدول الأفريقية التى يعزف أغلبها عن إقامة سفارة فى تل أبيب سوف ترد التحية بمثلها، وتفتح سفارة لها فى تل أبيب. والواقع أن أفريقيا لا ترحب غالبية دولها بهذه الفكرة والادعاء الجاهز للرد على الطلب الإسرائيلى بافتتاح سفارة لدولة ما هو أن أفريقيا لا تملك الأموال الكافية لفتح سفارات فى جميع دول العالم. ولنا أن نتقاطع مع هذا الجانب التمويلي، فقد كان الأمير تميم بن حمد آل ثانى أمير قطر من الكرم بحيث منح الجيش الإسرائيلى مبلغا كبيرا من الدولارات الأمريكية لبناء مقرات مريحة لمرضاه من المصابين على أيدى المقاومة الفلسطينية: «يا حنين يا تميم»، ولا نستبعد أن يستخدم نتنياهو هذا المال فى إنشاء عدة فيلات داعيا الدول الأفريقية إلى استخدامها كسفارات بمنحة إسرائيلية.


فإن انتقلنا إلى محاولتنا لرصد موقف الرأى العام المصرى من الزيارة، والذى استبان أنه جسد شعورا بالإحباط المشوب بالغضب إزاء تأخر الدور المصرى عن اللحاق بخطى إسرائيل، فإن فيه أيضا ما يدعو إلى الثقة بالمصريين لشدة غيرتهم على وطنهم وشدة حرصهم على المصالح المائية وحساسيتهم المفرطة إزاء التدخل الإسرائيلى فى حوض النيل، وهذا بدوره يشكل فى رأيى أساسا صلبا لحركة الدولة المصرية تجاه أفريقيا، بحيث يمكن أن تخلق من شعور المرارة الناتج عن الإحساس بالخطر الذى يشكله تجول نتنياهو بين دول حوض النيل دافعا لتفعيل كافة آليات العمل الوطنى المصرى تجاه القارة الأفريقية، ونكرر مجددا ضرورة تأسيس المجلس الأعلى للشئون الأفريقية برئاسة الرئيس، فإذا كان سيادته يرأس مجلسا أعلى للاستثمار لجلب الأموال، فمن باب أولى أن يرأس مجلسا للدفاع عن مياه النيل، وأن يشرف بنفسه على أداء كافة الوزارات والهيئات المصرية العاملة مع الدول الأفريقية، وأن يفعل الأدوات جميعها: السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية والأمنية، ولا يترك أيا منها لمسئول صغير هنا أو هناك بل يتابع عن طريق مسئول واحد يكلفه بالملف الأفريقى ماذ يفعل الجميع وماذا يقدمون لوطنهم، وهل أجادوا أم قصروا، نحن نريد قبضة واحدة كقبضة عبد الناصر على يد محمد فايق فى إدارة الشئون الأفريقية فى إطار برنامج متناغم فى التعاون الشامل مع الأشقاء الأفارقة، باعتبار ذلك مصلحة مشتركة بيننا وبينهم وفقا لمشاعر أخوة صادقة، وعندئذ إذن فإن الأشقاء لا يتركون للغرباء فرصة للنفخ فى نار الفتنة.


وهنا تكمن أولوية الحركة لكل من الدبلوماسية الشعبية، وفى الطليعة منها البرلمان المصري، ولرجال الأعمال لمظاهرة أداء الدولة المصرية، فمن غير المعقول أن يصبح أداؤنا بعد تشكيل لجنة للشئون الأفريقية كأدائنا قبل تشكيلها.


كما أنه من غير المعقول أن يتبرع طفل كفيف بثلث الجائزة التى فاز بها لحفظه القرآن الكريم، بينما يقف رجال أعمالنا هذا الموقف السلبى الذى نرصده جميعا سواء من حقوق المواطنين المصريين فى العدالة الاجتماعية فى الداخل أو مصالح الدولة المصرية فى القارة الأفريقية، وليس من غير المنطقى ولا هو من دواعى السياسة الاقتصادية الحكيمة أن تركز المكاتب التجارية والغرف التجارية المصرية ورجال الأعمال وشركاتهم على أوروبا، وأن يتجاهلوا القارة التى يشربون من مائها، ويستغلون مياهها فى الإنتاج وتكديس الثروات، وإلا فليكدسوا من الذهب والفضة ما يشاءون، فأنا أظن أن هناك اتجاها شعبيا لحسابهم على ذلك قبل أن يروا فى آخرتهم حسابا من نوع آخر.


وفى الختام فإن إسرائيل إذ تتحرك لتحقيق مصالحها فذلك حقها وفقا للقانون الدولي، ولكن اللوم يقع مباشرة علينا أننا لم نتحرك لنحقق مصالحنا، صحيح أنها قوة احتلال وعدوان، أو باختصار، وعلى حد قول الرئيس واحدة من قوى الشر، فالسؤال ماذا صنعت قوى الخير؟ أليس من واجبنا أن نسأل الأشقاء من الخليجيين عن مدى صحة تمويلهم للمشروعات الإثيوبية على نهر النيل ومدى مشاركتهم فى البرامج الإسرائيلية فى دول حوض النيل بشكل عام؟ قد تنجح إسرائيل ولكن نجاحها يكون فى غياب دورنا وفى غفلة منه.


أفريقيا أيها السادة هى قارتنا التى نعيش على أرضها، وهى تتطلب منا حركة دائبة تستخدم فيها كافة مقومات نجاحنا وعلى رأسها ما تحتاجه أفريقيا فى مجالى الصحة والتعليم- والتعليم التكنولوجى بصفة خاصة- مما نملك فيهما مزايا نسبية، وقد اقترحت على السيدة الفاضلة السفيرة وزيرة الهجرة وشئون المصريين بالخارج أن تنسق مع وزارة الصحة المصرية ومصانع الأدوية وكليات الطب، ما يمكن أن نطلق عليه «البرنامج الطبى لجمهورية مصر العربية فى أفريقيا»، وليبدأ بمشروع وطنى لعلاج مرضى فيروس سى يخطط له الأستاذ الدكتور جمال شيحة رئيس لجنة التعليم بمجلس النواب مع هذه الجهات، وعندئذ لن نشكو من تفوق إسرائيل فى أفريقيا على الإطلاق. أما المصالح العليا للوطن، وعلى رأسها ما يخص مياه النيل والمخاطر التى يشكلها سد النهضة، فإن ثقتى إلى ما لا نهاية فى رئيس الدولة والأجهزة المصرية فى أنهم سيتوصلون فيها إلى القرار الذى يحفظ لمصر كل قطرة ماء، ويستبقى للمصريين حياتهم وهم مرفوعو القامة والكرامة.