زيارة نتنياهو بين الواقع والأوهام

13/07/2016 - 2:06:45

  نتنياهو بجوار الرئيس الكينى أثناء مراسم الزيارة نتنياهو بجوار الرئيس الكينى أثناء مراسم الزيارة

بقلم - السفيرد.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

قام رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بزيارة إلى شرق إفريقيا شملت إثيوبيا وأوغندا وكينيا وأطلق خلالها عدة تصريحات نارية حول الاتجاه نحو منح إسرائيل صفة مراقب بالاتحاد الإفريقى والتعاون فى إدارة الموارد المائية لتحقيق معادلة النفط مقابل المياه مما أصاب الإعلام المصرى بحالة من الهلع وطرح تساؤلات عديدة بعضها يرتبط بسد النهضة والبعض الآخر يرتبط بما أطلق عليه غياب الخارجية المصرية أو مصر بأكملها.


بداية يجب أن نتذكر أن السياسة الخارجية لأى دولة كبرت أو صغرت لا تخرج عن معادلة تفاعل تاريخها مع جغرافيتها فإذا كانت الجغرافيا من معطيات الطبيعة ومن ثم فالتغيير فيها شبه مستحيل ولا أقول مستحيلا فيصبح تاريخ الدولة هو العامل الذى يمكن إعادة تشكيله.


والتاريخ يشير إلى عدة حقائق راسخة لا مانع من التذكير بها:


أولا: أولى حقائق التاريخ أن إسرائيل موجوده فى إفريقيا فلا ينبغى الانزعاج من كل تحرك تقوم به فى القارة السمراء وكان دخولها هذه القارة ذا أولوية مطلقة فور تكوين الدولة عام ١٩٤٨ حتى تتغلب على حالة الحصار العربى لها وحتى تكتسب أكبر كتلة تصويتية فى الأمم المتحدة رغم أن معظم الدول الإفريقية كانت ترزح تحت نير الاستعمار.


ثانيا: فى هذا الإطار مرت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية بعدة مراحل يمكن تناولها على النحو التالي:


مرحلة التوسع الإسرائيلي: رغم أن أول دولة إفريقية وثالث دولة عامة تعترف بإسرائيل فور قيامها عام ١٩٤٨ كانت ليبيريا، إلا أنه عام ١٩٥٧ قام موشى دايان بزيارة ليبيريا وغانا وفى عام ١٩٥٨ قامت جولدا مائير وزيرة الخارجية حينئذ بزيارة ليبيريا وغانا ونيجيريا والسنغال وساحل العاج وقد أكدت فى بيان لها أمام الكنيست عقب عودتها أهمية تقديم المساعدات إلى الدول التى زارتها، وأسفرت الزيارة عن افتتاح عدة سفارات إسرائيلية فى إفريقيا بدأت بالسنغال وساحل العاج بمساعدات وضغوط فرنسية على الدول الإفريقية ووصل عدد السفارات إلى ٣٠ سفارة وتبادل الاعتراف مع ٣٢ دولة مقابل إقامة ١١ سفارة إفريقية فى إسرائيل.


مرحلة تدهور العلاقات الإسرائيلية الإفريقية: بدأ تدهور هذه العلاقات بعد حرب ١٩٦٧ التى غيرت صورة إسرائيل فى ذهن الأفارقة نتيجة تناول منظمة الوحدة الإفريقية للعدوان واعتباره عدوانا على الدول الإفريقية ووصل التدهور قمته بإصدار المنظمة قرارا فى ٢٩ مايو ١٩٧٣ يتضمن تحذيرا لإسرائيل بأن رفضها الجلاء عن الأراضى العربية المحتلة يعتبر اعتداء على إفريقيا وتهديدا لوحدتها وأن الدول الأعضاء مدعوة لاتخاذ أية إجراءات سياسية أو اقتصادية مناسبة لصد العدوان ويلاحظ أن القرار كان قبل حرب ١٩٧٣ مما أدى لقطع ٨ دول علاقاتها بإسرائيل ثم قامت باقى الدول بقطع علاقاتها بعد الحرب وصارت العلاقات محصورة على سوازيلاند ومالاوى وليسوتو فقط


إعادة العلاقات الإسرائيلية الإفريقية: بعد ١٩٧٩ وتوقيع اتفاقيات كامب ديفيد منيت الدبلوماسية العربية بنكسة لأنه لم يكن لديها دبلوماسية بحجم زلزال كامب ديفيد تواجه بها الدول الإفريقية خاصة مع مقاطعة الدول العربية لمصر وهى الدولة الإفريقية الوحيدة التى احتلت أراضيها مما أتاح الفرصة لإسرائيل للتحرك من جديد على الساحة الإفريقية ودعم تحركها اتفاقية اوسلو ١٩٩٣ ومبادرة السلام العربية التى طرحت فى قمة بيروت واتفاق وادى عربة بين إسرائيل والأردن فقد ثبت أن السلام هو خيار العرب حتى أمكن لإسرائيل استعادة العلاقات مع حوالى ١٨ دولة إفريقية.


ثالثا: نمط علاقات التعاون الإسرائيلى مع إفريقيا يمكن إيجازه فيما يلي:


١- إن إسرائيل ليست عابر سبيل فى إفريقيا ولكنها لها علاقات دبلوماسية متعددة فى القارة والزيارات مستمرة بين الطرفين.


٢- أن حجم الصادرات الإسرائيلية للدول الإفريقية مازال محدودا إذ يبلغ ١.٤ مليار دولار وهو ما يوازى ٢.٨٪ من إجمالى حجم الصادرات الإسرائيلية البالغ حجمها ٥٣ مليار دولار ومن ثم يمثل أقل من ١٪ من إجمالى الدخل القومى الإسرائيلي.


وهذه الصادرات تتركز فى أسمدة ومعدات زراعية وصناعة النسيج وحاسبات آلية ومعدات بناء.


والتعاون العسكرى محدود فصادراتها من السلاح للدول الإفريقية لا تتجاوز ٣٦ مليون دولار إلى نيجيريا ورواندا والسنغال وجنوب إفريقيا.


رابعا: أيضا إسرائيل ليست دولة مانحة للمساعدات بل على العكس هى متلقية لها مما يحد من قدرتها على تقديم المساعدات إلى الدول الإفريقية.


خامسا: صحيح أننا فى عصر المعلومات الذى يرتب بين لحظة وأخرى ترتيبات تخل بالعلاقة بين التاريخ والجغرافيا إلا أن إسرائيل مازالت حبيسة جغرافيتها الصعبة وتاريخها التوسعى الاستيطاني.


ما تقدم يتضح لنا أن زيارة نتنياهو لا تخرج كثيرا بأى حال من الأحوال عن زيارات جولدا ودايان من قبل أى أنها زيارات ذات طابع عام لا ينبغى أن نحملها أكثر مما ينبغى ومكمن الخطورة الوحيد فيها أنها تمت لدول حوض النيل وتحديدا إثيوبيا لأن إسرائيل كما أوضح شيمون بيريز فى كتابه الشرق الأوسط الجديد فى نهاية التسعينيات ألمح إلى إمكانية حل مشكلة الشرق الأوسط بالارتباط بينها وبين مد ترعة السلام إلى الحدود المصرية لتمد إسرائيل بالمياه أو على الأقل الفلسطينيين.


وقد سبق لجامعة هارفارد والبنك الدولى أن قاما بدراسات لتسعير المياه لتبيع إثيوبيا المياه لإسرائيل عبر ترعة السلام وتحصل الأخيرة على الثمن مباشرة من إسرائيل، ومن ثم فقد أشار نتنياهو فى تصريحاته إلى هذا الارتباط.


ولكن من المؤكد أن هناك ما يحول دون تحقيق ذلك كما رفضت رئيسة الاتحاد الإفريقى طلب إثيوبيا وكينيا بضم إسرائيل إلى الاتحاد نظرا لأنها قوة احتلال واتساقا مع قرارات سابقة للاتحاد بشأن القضية الفلسطينية فمن المؤكد أن الرغبة الإسرائيلية فى الاستفادة من مياه النيل ستواجه عقبات عديدة يصعب التغلب عليها إذا أجدنا استخدام قواعد القانون الدولى وابتعدنا عن المفاهيم التى ابتدعها واستخدمها د. محمود أبو زيد وزير الرى الأسبق فى مفاوضات الاتفاق الإطارى لمياه النيل وهى مفاهيم خاطئة وللأسف ما زال هناك من الدبلوماسيين المصريين من يستخدمها وهى مسألة تحتاج لعناية السيد رئيس الجمهورية وعناية السيد سامح شكرى وزير الخارجية لأن من يستخدمها أحد أقرب معاونيه، وبالتالى لا ينبغى الانسياق وراء التهويل فى الزيارة رغم إثارة مياه النيل وبنك المياه والانضمام بصفة مراقب إلى الاتحاد الإفريقى لأن إسرائيل دولة احتلال استيطانى ولأنها دولة متلقية للمساعدات ولأنها دولة عدوان ولأنها تريد توسيع نطاق العدوان بالربط بين دول إفريقية وحل مشاكلها الاستيطانية العدوانية وعلى الجميع تفهم هذه الحقائق.