الأهداف الكامنة لجولة نتنياهو الإفريقية

13/07/2016 - 1:51:07

  نتنياهو يستعرض حرس الشرف فى زيارته الأخيرة نتنياهو يستعرض حرس الشرف فى زيارته الأخيرة

بقلم: سفير د. محمد حجازى مساعد وزير الخارجية الأسبق

حظيت جولة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو لأربعة بلدان إفريقية هى أوغندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا، باهتمام واضح فى الدول التى شملتها الجولة، وفى الصحف والأوساط الإسرائيلية، وفى مصر على حد سواء، وهو اهتمام غلفته المخاوف ومشاعر القلق والمبالغة فى كثير من التصريحات والتعليقات، وتستحق الزيارة بلا شك وهى لأربع من دول حوض النيل الاهتمام والمتابعة، ولكن من الضرورى أن توضع فى إطارها الصحيح لفهم أبعادها دون مبالغة أو تهويل بما يعطى مكاسب مجانية ويثير مخاوف وقلقاً، وينتقص قدرتنا على التحليل الموضوعى.


لاشك أن الزيارة فى توقيت أزمة ملف سد النهضة القائم بين مصر وإثيوبيا وحساسية العلاقة مع باقى دول حوض النيل، تبرر مساحة من القلق ولكن لا تستدعى المبالغة فى الخوف والقلق، ونعود إلى التوقيت، فالزيارة تتم قبل أيام من انعقاد القمة الإفريقية القادمة فى العاصمة الرواندية كيجالى، ومن هنا يمكن فهم هدف أساسى من أهداف الزيارة وهى محاولة التواصل مع بعض العواصم الإفريقية المؤثرة، ومن بينها إثيوبيا دولة مقر الاتحاد الإفريقى لاستعادة إسرائيل لوضعيتها كمراقب فى الاتحاد الإفريقى بعدما فقدتها عام ٢٠٠٢ وكانت تتمتع بها فى ظل منظمة الوحدة الإفريقية التى حل محلها الاتحاد الإفريقى ولم يمنح إسرائيل تلك الصفة لأنها دولة احتلال، ومسعى إسرائيل يستهدف كذلك كسر العزلة المفروضة دولياً على نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة، ولاسيما باتجاه القارة الإفريقية التى تمثل دولها نحو ٥٤ دولة يشكلون ربع مقاعد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالتالى كسب ودهم ودعمهم سيسهم فى مجابهة الضغوط الدولية، والتحكم فى أنماط التصويت المناهضة لإسرائيل سواء على صعيد الاتحاد الإفريقى، أو فى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فقد حصلت إثيوبيا على مقعد عن إفريقيا لمدة عامين تم انتخابها بأغلبية أعضاء الجمعية العامة الأسبوع الماضى، اعتباراً من الأول من يناير العام القادم، وهو مقعد غير دائم كانت تشغله أنجولا، مما يعزز من أهمية التواصل معها، وهى بالنسبة لإسرائيل أيضاً وبحكم موقعها الجغرافى فى القرن الإفريقى تؤثر على الأمن فى البحر الأحمر، كما هى دولة يهود الفلاشا والمقدر عددهم بنحو ١٢٠ ألف شخص، واهتم رئيس وزراء إسرائيل لضمان نجاح زيارته بالبعدين الأكثر أهمية بالنسبة لدول القارة الإفريقية عموماً وهما بعدا “التنمية والإرهاب”، وكلاهما محل لاهتمام إفريقيا، فاصطحب معه نحو ممثلي ٧٠ شركة إسرائيلية فى المجالات التى تهم إفريقيا من صحة وزراعة ورى وتعدين وتكنولوجيا معلومات وأمن، وغيرها، وكان ملف الإرهاب مطروحاً من خلال قمة مصغرة عقدت فى كمبالا لست دول منها دول الجولة، بالإضافة لقادة مالاوى وزامبيا وجنوب السودان، فالإرهاب بات مهدداً لكافة دول القارة، وتملك إسرائيل من البرامج التدريبية والمعلوماتية والأجهزة الأمنية والمعدات ما يلبى الاحتياجات الطارئة لمواجهة الإرهاب، وتدرك إسرائيل أهمية عملية التنمية فى القارة، وهى متغلغلة منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضى فى بعض القطاعات منها الزراعة والرى الحديث والتعدين، علاوة على تدريب الوحدات العسكرية والحراسات، والاتجار فى السلاح على نطاق واسع.. إذا فتح ملف الإرهاب باباً واسعاً للتعاون بين إفريقيا وإسرائيل، وتظل كل شعوب القارة فى احتياج تنموى دائم لا يسمح لها بتجاهل شريك مثل إسرائيل له أهميته وله استثماراته الهامة ولكن أيضاً يملك مفاتيح للتأثير فى الأوساط المالية الدولية وفى الولايات المتحدة وأوربا تلك العلاقات النفعية المتشعبة هى التى أعطت للزيارة زخمها وأبعادها الأمنية والتنموية، علاوة على ما ذكرنا بشأن كسر عزلة إسرائيل واستقطاب الصوت الإفريقى فى المحافل الدولية للتصدى للأغلبية العربية والدولية المناهضة لاستمرار الاحتلال.


وعلى أى حال لا ينبغى أن نحمل هذه الزيارة أكثر مما تتحمل فقد رصد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلى ١٣ مليون دولار كمنح تنموية يقدمها خلال الجولة لدعم الدول التى يزورها، وهو رقم يضع الزيارة فى حجمها، وبدون عقد مقارنات، فكلفة مشروع واحد من مشروعات وزارة الرى بأوغندا لتطهير البحيرات من تكدس نبات ورد النيل تصل تقريباً لنفس الرقم ١٣ مليون دولار سنوياً، بخلاف مشروعاتنا المتنوعة فى كافة ربوع القارة خاصة فى دول حوض النيل، وإذا كان حجم الاستثمار الإسرائيلى فى إثيوبيا وصل لنحو ١.٢ مليار دولار، فإن حجم الاستثمار المصرى هناك وصل لأكثر من ٢ مليار دولار، ولذا علينا فقط أن نثق فى أنفسنا وقدراتنا وفى مكانتنا الإفريقية المتزايدة كل يوم ولاسيما مع المشاركات الهامة للرئيس عبدالفتاح السيسى فى كافة المحافل والقمم الإفريقية، ومنها القمة القادمة فى كيجالى والتى تتيح دائماً فرصة نادرة للتواصل مع القادة الأفارقة، وبحث كل موضوعات العلاقات الثنائية وتطوير التعاون.. وكلمة أخيرة بشأن المخاوف التى عبر عنها البعض بشأن ملف المياه، ودور إسرائيل، وللتوضيح النهر يخص دول الحوض وحدها ولا مجال للحديث عن خروج مياهه لأى دولة خارج الحوض، فتلك هى القواعد المستقرة والتى تتفق عليها كل دول الحوض بما فيها إثيوبيا، كما أن وزراء الري في مصر والسودان وإثيوبيا يتابعون هذا الملف بكافة تفصيلاته، ولا مجال للدخلاء أو إقحام طرف خارجى فى ملف المياه الذى إن نجحت الدول الثلاث فى إدارته فسيحول نهر النيل لواحة من التعاون والاستقرار، وتبقى الإشارة إلى أن الأشقاء الأفارقة داعمون للقضية الفلسطينية، وتتمتع منظمة التحرير الفلسطينية بوضعية المراقب بالفعل فى الاتحاد الإفريقى، وأرى أن مشاركة الرئيس أبومازن فى قمة كيجالى القادمة على رأس وفد فلسطينى رفيع المستوى ستكون هامة لنقل وجهه النظر الفلسطينية والعربية للقادة الأفارقة، بأن على إسرائيل إنهاء احتلالها والالتزام بالشرعية الدولية وبحل الدولتين قبل أن تطالب بأية وضعية فى المحافل الإفريقية أو الدولية، وأن الأشقاء الأفارقة يجب ألا يسمحوا لها باستخدام تلك الوضعية لتحقيق مكاسب دون سداد استحقاقات السلام والالتزام بالشرعية الدولية.


والدول العربية مطالبة كذلك بتقديم نفس الإيضاح والتعبير عن نفس الموقف فى قمة كيجالى والأهم، ومادامت إفريقيا مطمعاً لكافة القوى بوصفها القارة البكر ذات الموارد والأسواق الواعدة والفرص، فعلينا أن نواصل جهودنا الهامة والمشكورة ومضاعفتها، وأن تستقبل القاهرة بعد قمة كيجالى زعيماً إفريقياً كل شهر فتكون الزيارة فرصة لتعزيز العلاقات مع القطر الشقيق ولمزيد من التقارب على مستوى القمة، والمبادرة الثانية مشابهة للمبادرات التى تتبناها دول من خارج القارة منها الهند والتى رصدت ٥ مليارات دولار لاستثمار شركاتها فى إفريقيا، وكذلك رصدت الصين١٠ ــ ١٥مليارا لشركاتها لتنفيذ مشروعات فى إفريقيا، وكلاهما يستضيف قمة تخصيص لقادة إفريقيا ودولتهم، وكذلك تفعل كوريا الجنوبية وتركيا وروسيا وما يتم فى كافة تلك المبادرات هو رصد مبلغ هام يمول مشروعات تحتاجها دول القارة ولكن بتنفيذ من شركات الدولة المانحة التى تقدم القيمة الإجمالية للمشروع بفائدة ميسرة، وهى بذلك تقدم تنازلاً محدوداً لأنها فى الغالب لديها جدارة ائتمانية تسمح لها باقتراض تلك الأموال أساساً بسعر فائدة أقل بما لو اقترضتها الدولة الإفريقية، أى أن ميزة تلك القروض فى فوارق الجدارة الائتمانية وفى المقابل تستفيد الشركات المنفذة للمشروعات وتربط الصناعات بها لأجل طويل.


مصر لديها طموح وثقة فى أهمية علاقاتها وتشعبها فى كافة المجالات مع الأشقاء الأفارقة سياسياً واقتصادياً وتجارياً واستثمارياً وثقافياً، ولدينا الإرادة السياسية لتعويض مسافات وتحقيق أهداف تلك العلاقة التى هى جزء من استراتيجية التحرك السياسى والاقتصادى، وركيزة من ركائز أمننا الاستراتيجى والقومى.. المطلوب أن نتواصل ودون توقف، وعلى وزاراتنا كل فى مجال تخصصه إعداد برنامج تعاون سنوى مع إفريقيا، وتنسيق الجهد مع الوكالة المصرية للشراكة مع إفريقيا التابعة لوزارة الخارجية، ولم تكن مصر بعيدة عن عملية التنمية فى مؤتمر إفريقيا ٢٠١٦ للتجارة والاستثمار الذى عقد فى شرم الشيخ فى فبراير الماضى وحضره نحو ١٦٠٠ رجل أعمال من كافة بلدان القارة وخارجها، كما استضاف السيد وزير الدفاع فى مارس ٢٠١٦ نحو ٢٨ وزير دفاع من تجمع الساحل والصحراء، وذلك لبحث جهود مكافحة الإرهاب على صعيد القارة، وأدعو قواتنا المسلحة والداخلية بحكم إمكانياتهم الواسعة فى مجالات التدريب والتأهيل وإعداد الكوادر العسكرية والشرطة المدربة، الاهتمام بنقل تلك المعارف والخبرات لمن يحتاجونها من الأشقاء الأفارقة.


وبهذه الخطوات الحادة، والوعى بمخاطر الإرهاب، ومستلزمات التنمية، يمكن لمصر مع رصيدها السياسى والضارب بجذوره مع مختلف دول القارة أن تستعيد بالكامل مكانتها الإفريقية المستحقة وأن تكون مصدراً للتجارة والاستثمار، وأداة لدول القارة فى الاستفادة بخبراتها التى تشمل كافة المجالات والتى تضاهى أعلى معايير الجودة، وتستهدف كل ما يحقق الخير للقارة الإفريقية.