حياة السود مهمة شعار الثورة ضد العنصرية الأمريكية

13/07/2016 - 1:38:10

تقرير: هالة حلمى

«إن بلادنا ليست منقسمة كما يعتقد البعض» بهذه الكلمات حاول الرئيس الأمريكى باراك أوباما الدفاع عن صورة بلاده أمام زعماء قمة حلف شمال الأطلسى بعد حوادث العنف ضد الأمريكيين السود والمظاهرات المناهضة للعنصرية التى تجتاح عددا كبيراً من الولايات الأمريكية، لكن الحقيقة أن هذه الكلمات لم تنجح سوى فى تكريس واقع يعيشه المجتمع الأمريكى ولم يعد خافياً اليوم عن العالم مهما حاولت أمريكا أن تتجمل بأن تختار لها رئيساً ملوناً على سبيل المثال.


من جديد خرج الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع فى عدد من المدن الأمريكية منددين بحوادث العنف والقتل الذى تمارسه الشرطة الأمريكية ضد أصحاب البشرة السوداء والذى راح ضحيته فى الأسبوع الماضى رجلان من السود فى ولايتى مينسوتا ولويزيانا وإن كانت ردة الفعل هذه المرة جاءت أكثر دموية بعد أن قام قناص، عرف بعد ذلك أنه مجند سابق فى الجيش ومن السود، بقتل خمسة من رجال الشرطة البيض فى مدينة دالاس وجرح ١١ آخرين قبل أن يتم قتله باستخدام إنسان آلى مفخخ.


القناص المتهم بقتل رجال الشرطة وجرح العديد منهم يدعى ميكا جونسون ٢٥” عاماً» وهو جندى سابق فى القوات البرية الأمريكية وقضى فترة من خدمته، من عام ٢٠١٣ إلى ٢٠١٤، فى أفغانستان ونقلاً عن قائد شرطة دالاس بأن المتهم القتيل قال قبل مصرعه إنه غاضب بسبب حوادث القتل التى يتعرض لها السود بأمريكا مؤكداً أنه لا يرتبط بأى مجموعة وإنما نفذ الهجوم من تلقاء نفسه من بين أقواله قبل مصرعه إنه يريد قتل كل الرجال البيض فى أمريكا.


كما أعلن البيت الأبيض أن المحققين يستبعدون فرضية الإرهاب فى الحادث وأنهم خلصوا إلى عدم وجود أى علاقة لهذا الرجل بأى منظمة إرهابية، رد الفعل الدموى من جانب المواطن الأمريكى الأسود يعكس غضب مجتمع السود فى أمريكا ضد العنصرية الواضحة التى تمارس ضدهم خاصة على يد منفذى القانون الذى يفترض فيهم العدالة، ورغم أن الحكومة الأمريكية أعلنت من جانبها فتح تحقيق على المستوى الاتحادى فى حادث قتل المواطنين السود فى لويزيانا ومينسوتا، لكن من غير المتوقع أن تؤدى هذه الخطوة إلى نتيجة ترضى أسر القتلى أو مجتمع السود برمته فأغلب التحقيقات والمحاكمات السابقة انتهت بتبرئة عناصر من الشرطة قتلوا مواطنين سوداً، تأتى هذه الشكوك حول التحقيقات فى ظل انتقادات موجهة لطبيعة النظام القضائى الأمريكى الذى يعتبره البعض أنه وضع من أجل حماية حقوق وامتيازات البيض وإقصاء كل من يسعى لتغييره هذا النظام كان دائماً ما ينتهى بإصدار أحكام مخففة ضد مرتكبى الجرائم ضد السود وبالعكس تغلظ الأحكام على مرتكبى الجرائم من السود.


وعلى الرغم من وعود الرئيس أوباما الجديدة بشأن إصلاح جهاز الشرطة إلا أنها وعود لا يعول عليها كثيراً فقد سبق أن شكل لجنة أصدرت توصيات للشرطة فى مجال حقوق الإنسان لم يلتزم بها عدد كبير من مراكز الشرطة فى الولايات الأمريكية.


واللافت للنظر فى مظاهرات احتجاج السود هذه المرة هو الدور البارز لحركة حياة السود مهمة حيث تظاهر المئات من أنصارهم أمام البيت الأبيض وفى العديد من الولايات الأمريكية رفع المتظاهرون لافتات تندد بالعنصرية والكراهية وتدعو إلى تحقيق المساواة وإدانة ممارسات الشرطة الوحشية ضد الأمريكيين السود بينما نظم مئات من المتظاهرين التابعين لنفس الحركة مسيرات فى مدينة نيويورك مرددين شعارات تدعو للتغيير وتعبر عن الغضب، ولكن بدون عنف نافين صلتهم بقناص دلاس.


هذه الحركة التى تقول إنها تستلهم زخمها من حركة الحقوق المدنية لمارتن لوثركينج فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى، نشأت فى عام ٢٠١٢ بعد تبرئة رجل أبيض من قتل شاب أسود فى السابعة عشرة من عمره بدعوى عدم توفر أدلة كافية لإدانته وأنه تصرف دفاعاً عن النفس رغم أنه ثبت أن الشاب لم يكن يحمل سلاحاً وهى القضية التى أثارت جدلاً فى المجتمع الأمريكى لفترة طويلة.


وتعرف الحركة نفسها بأنها وطنية تعمل من أجل أحقية السود فى الحياة وإعادة بناء حركة تمرد السود رداً على العنصرية المعادية للسود والتى تتغلغل فى المجتمع الأمريكى.


نجحت الحركة رغم نشاطها فى الإفلات حتى الآن من سيطرة السلطات الأمريكية مع إنه قد أصبح لها أتباع فى كل المدن الأمريكية المهمة ومن أهم دعوات الحركة ضرورة خلق جيل جديد من الزعماء القادرين على النضال من أجل حرية السود فى المجتمع الأمريكى تأتى هذه الدعوات بعد مرور أكثر من ١٥٠ عاماً على نهاية العبودية فى أمريكا وأكثر من ٥٠ عاماً من انتهاء كل صور الفصل العنصرى فى المجتمع الأمريكى، ولكن الواقع اليوم يشير إلى تغلغل كل صور التمييز العنصرى فى كل جوانب الحياة فى الولايات المتحدة على الرغم من أن الدستور الأمريكى يمنع التفرقة بين المواطنين على أساس اللون أو الجنس أو الدين ويكفى أن نقرأ التقرير الصادر عن الأمم المتحدة عام ٢٠١٢ الذى يضع الولايات المتحدة على رأس الدول العشر الأعلى عنصرية فى العالم، وتظهر هذه العنصرية فى العديد من صور الحياة فالبيض لهم أحياؤهم النظيفة الراقية وللسود شوارعهم وأحياؤهم الشعبية للبيض مدارس وللسود مدارس أخرى مختلفة وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة البطالة بين السود تقدر بثلاثة أضعاف البيض كما أن ثلث السود يعيشون تحت خط الفقر وبالنسبة للأجور فإن السود يتقاضون أجراً أقل من البيض بمعدل ٥٨٪ وتؤكد التقارير أن مجتمع السود كان الأكثر تأثراً بالأزمة المالية التى شهدتها الولايات المتحدة منذ عام ٢٠٠٨ وقد أدت هذه الأزمة إلى مضاعفة الفجوة فى الثروة بين البيض والسود.


وعلى الرغم من أن الأمريكيين من أصول إفريقية يمثلون ١٣٪ فقط من المجتمع الأمريكى إلا أن عدد السود فى السجون الأمريكية يمثل ٥٠٪ من جميع السجناء كما سقط مؤخراً ١٢٣ رجلاً أسوداً قتيلاً فى عام واحد فقط على يد رجال الشرطة الأمريكية وتشير الكثير من التقارير إلى انتشار الممارسات العنصرية داخل الجيش الأمريكى.


وكانت هيئة الإذاعة الوطنية بالولايات المتحدة


(NBC) قد فجرت


مفاجأة من العيار الثقيل العام الماضى حيث أعلنت أن رجال شرطة ميامى فى ولاية فلوريدا يستخدمون صوراً لأمريكيين من أصول إفريقية كأهداف للتدريب على الرماية وإطلاق النار وفى ظل هذه الممارسات تتصاعد حالة الغضب داخل مجتمعات السود يوماً بعد يوم وقد شهدت الفترة الأخيرة خروج مظاهرات الغضب والاحتجاج بشكل منتظم فى أعقاب وقوع أحداث العنف الموجه ضدهم والتى يبدو أنها لن تنتهى وسياسة التمييز العنصرى خاصة من جانب الشرطة والسلطات القضائية الأمريكية.


وأمام هذا التصاعد الواضح فى تلك الممارسات لابد أن يضع الرئيس الأمريكى باراك أوباما فى حرج شديد فهو أول رئيس أسود فى التاريخ الأمريكى وفى عام ٢٠٠٨ حينما تولى الرئاسة أشار استطلاع للرأى إلى أن ٨٠٪ ممن أجابوا على الاستطلاع يتوقعون أن تستفيد الأقليات والفقراء من وجوده فى البيت الأبيض، واليوم وبعد ثمانى سنوات فى البيت الأبيض وفترتين رئاسيتين وبينما هو يلملم أوراقه مستعداً للخروج تبدو الصورة بالنسبة للأقليات أكثر قتامة والحقيقة أن خيبة الأمل فى أوباما بدأت منذ الشهور الأولى لوصوله للبيت الأبيض حيث كان من الواضح أنه يريد أن ينأى بنفسه عن مشاكل مجتمع السود وأنه ليس لديه الكثير الذى يمكن أن يقدمه إليهم، وربما ساعد ذلك على تأجيج جذوة الغضب فى نفس أبناء المجتمع.


وإن كان أوباما يستعد للرحيل فهناك أيضاً رئيس جديد يستعد لدخول البيت الأبيض وتاريخياً فإن الفترات التى تسودها اضطرابات ومخاوف تأثر على الخيارات السياسية للناخبين وذلك بإقصاء الحزب المتولى السلطة عن موقعه مثلما حدث عندما تغلب الجمهورى رونالدريجان على الديمقراطى كارتر خلال أزمة الرهائن فى إيران وتغلب الديمقراطى أوباما على المرشح الجمهورى جون ماكين فى ٢٠٠٨ أثناء الأزمة الاقتصادية فى الولايات المتحدة.


ولكن الأمر فى انتخابات هذا العام لا يمكن التنبؤ به خاصة أن المرشح الجمهورى الأبرز دونالد ترامب مشهور بتصريحاته العنصرية ورغم ذلك فقد سارع لاستغلال الموقف لصالحه وأصدر بياناً تعليقاً على الأحداث الأخيرة كان متعقلاً ورصيناً على خلاف الكثير من تصريحاته العلنية السابقة ودعا إلى تخطى الانقسام لأنه «هذا ليس الحلم الذى نريده جميعاً لأبنائنا» على حد قوله.


كما أن نويت جينجرتش رئيس مجلس النواب السابق والمرشح الأبرز لمنصب نائب الرئيس على قائمة ترامب أدلى بتصريحات تندد بممارسات الشرطة الأمريكية ضد السود.


أما هيلارى كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطى فقد دعت إلى فرض المزيد من القواعد على حيازة الأسلحة الشخصية وأسست حركة «حياة السود مهمة» وقالت كلينتون إنها عملت طوال حياتها على محاولة تخطى الانقسام العرقى.


فهل وعى الشعب الأمريكى الدرس جيداً وأدرك أن ما يقال فى موسم الانتخابات لا يخرج عن كونه شعارات انتخابية على أية حال على العالم الانتظار حتى الأول من نوفمبر القادم ليتعرف على الرئيس الجديد الذى استطاع الاستحواذ على عقل الناخب الأمريكى قبل صوته.