الرئيس يتابع الأمر.. و«النواب» يهدد وزير التموين بـ«سحب الثقة»: ملف «توريد القمح الوهمى» على مكتب النائب العام.. بداية أغسطس

13/07/2016 - 12:39:20

تحقيق: بسمة أبو العزم - رانيا سالم

منتصف يوليو من العام ٢٠١٥، خرج الدكتور خالد حنفي، وزير التموين والتجارة الداخلية، ليؤكد كذب الشائعات التى أطلقت وأكدت أنه يأتى على رأس قائمة المرشحين لخلافة المهندس إبراهيم محلب، رئيس الحكومة السابق، فى منصبه الرفيع، واليوم.. وتحديدا بعد مرور ما يقارب ١٢ شهرا، عاد «حنفي» لتصدر «مشهد النفي» مرة أخرى، غير أن تغييرات عدة شهدتها الأشهر المنقضية، كان من شأنها أن تزيحه من قائمة «نفى الترشح بناء على الأداء الجيد»، لتضيفه – وبجدارة- إلى قائمة «إلقاء المسئولية والتهم على الآخرين».


تجاوزات توريد القمح المحلى.. يمكن القول والتأكيد أيضا على أنها واحدة من الأسباب الرئيسية التى دفعت بالوزير الذى كان يوما محط شائعات الترشح للحكومة إلى الترويج فى وقتنا الحالى بأنه أصبح من المهددين بالخروج من الحكومة، والغريب هنا أن «حنفى» متمسك – منذ بداية الأزمة- بالحديث عن أن الجميع تجاهلوا المتهم الرئيسى فى حدوث الأزمة، ووضعوا وزارة التموين منفردة فى قفص الاتهام، مؤكدا أن وزارتى الزراعة والصناعة والتجارة الخارجية مسئولتان أيضا عن التجاوزات التى دفعت رئيس الجمهورية للتدخل وبشكل مباشر لمناقشة ملف «توريد القمح»، وإصداره توجيهات بالتعامل بحسم مع الأطراف المتورطة فى الأمر.


المثير فى الأمر أيضا أنه رغم كشف لجنة تقصى الحقائق المٌشكلة من مجلس النواب عن وقائع التوريد الوهمى بمعاونة شركة عالمية بالقياسات، وإعدادها ملفا يكشف حدوث فساد فى عملية توريد المحصول، تمهيداً لتقديمه إلى النائب العام أول أغسطس المقبل، ومن ثم احتمال قيام البرلمان بسحب الثقة منه، إلا أن د. خالد حنفى، لا يزال متمسكا بسيناريو التهرب من تحمل المسئولية، وإلقاء التهم كاملة على وزارتى الزراعة والصناعة والتجارة الخارجية، وتحديدا لجان الاستلام التى تضم ممثلين عن الوزارات الثلاث، ليس هذا فحسب لكنه لم يتردد فى الإشارة إلى أن ما يحدث حاليا لا يتعدى كونه حربا أعلنتها عليه «مافيا الخبز» وفقا لوقائع لا أساس لها.


وزير التموين، الذى اعترف خلال لقائه ورئيس الجمهورية عبدالفتاح السيسي، بوجود مخالفات فى عمليات توريد محصول القمح المحلى، هو ذاته الذى خرج أيضل ليتنصل ويبعد المسئولية عن وزارة التموين، وهو ما جاء على لسان المتحدث الرسمى باسم الوزارة، الذى اتهم لجان الاستلام المشكلة برئاسة وزارة التجارة والصناعة وعضوية وزارتى الزراعة والتموين بالتورط فى الأمر، ولم يتم الاكتفاء بذلك بل لا يزال يروج بأن قضايا «التوريد الوهمى» لا يمكن التعامل معها كونها وقائع، ولكن يجب النظر إليها على أنها مجرد شبهة مخالفات لم ولن تثبت وهناك من يروج لها ويشعلها من مافيا الخبز.


الغريب هنا أيضا أن وزير التموين بدأ يروج لفكرة أن الحل الوحيد للتأكد من وجود عمليات توريد وهمى هو تصفير الشون والاعتماد على الميزان، رغم علمه التام باستحالة الأمر نظراً لتعرض القمح للمزيد من الإهدار والتكلفة والوقت المهدرين فى تلك العملية، نظراً لإخلاء الشون ووضع القمح على سيارات ثم إعادة وزنه من جديد وإعادته إلى الصوامع مرة أخرى.


وعن موقف وزارة التموين والتجارة الداخلية قال محمود دياب، المتحدث الرسمى باسم وزارة التموين والتجارة الداخلية: ما يوجد حالياً لا يتعدى كونه شبهة مخالفة ولم تثبت حتى الآن، وهذا الوصف ليس دفاعاً عن الفساد لكن فى كل منظومة ضوابط وهناك من يحاول اختراقها، ونحن لن نعترف إلا بتحقيقات النيابة، فالعام الماضى تم الحديث عن فساد بالتوريد فى القليوبية وبعد إحالة الأمر إلى النيابة لم تثبت أى إدانة وتم حفظ التحقيقات.


«حق الدولة.. مضمون»


المتحدث باسم «التموين» أكمل قائلا: حق الدولة مضمون ولا يوجد إهدار فى أموال الدعم كما يدعى البعض لعدة أسباب أهمها أننا لا نتسلم القمح فى المطاحن عن طريق التسجيل الدفترى، بل يكون الاستلام فعلياً، هذا بجانب أننا لم ندفع مستحقات الشون والصوامع بالكامل، فهناك مليار و ٥٠٠ مليون جنيه باقى ثمن الأقماح ونصف مليار آخر قيمة آخر التخزين بإجمالى مليارى جنيه متبقية للموردين، ولن يتم دفعها إلا بعد صرف كميات الأقماح المخزنة بالكامل لضمان استلام هذه الكميات دون نقصان، وفى حال حدوث أية سرقات أو اختلاس على الفور يتم اتخاذ الإجراءات القانونية مع خصم قيمة الأقماح وفقاً لما تحدده هيئة السلع التموينية من الأموال المؤجلة، كذلك هناك خطابات ضمان وبوليصة تأمين ضد الحريق والتلف والسرقة والاختلاس وخيانة الأمانة بنحو ٥ مليارات جنيه، وبالتالى أموال الدعم فى أمان.


«التموين والبرلمان فى مركب واحد»


وفيما يتعلق بإحالة ملف «توريد القمح الوهمى» إلى النيابة العامة، علق «دياب» على الأمر بقوله: نحن لا نقف ضد الإحالة للنيابة فوزارة التموين والبرلمان فى مركب واحد ومهمتنا الحفاظ على المال العام، مع الأخذ فى الاعتبار أيضا أننا نقدم كامل الدعم للجنة تقصى الحقائق التى شكلها البرلمان، كما شكل الوزير لجاناً من مفتشى التموين والرقابة الإدارية ومباحث التموين والقوات المسلحة للمرور على الشون والصوامع للتأكد من التوريد، كما أصدر قراراً لمديريات التموين للتنسيق مع اللجان وحال ثبوت أى مخالفات تتم إحالتها للقضاء واتخاذ كافة الإجراءات القانونية.


المستشار الإعلامى لوزير التموين، فى سياق حديثه أوضح أيضا أن د.خالد حنفى يعيد التفاوض حالياً مع نواب البرلمان لتغيير نظام استلام الأقماح المحلية والعمل بالنظام الذى سبق وأن تقدمت به وزارة التموين ورفضه البرلمان، رغم موافقة المجموعة الاقتصادية بمجلس الوزراء والذى من شأنه إلغاء عمليات الفساد أو التوريد الوهمى نهائياً، فكل سلعة لها سعران تشجع على الفساد، فالقمح المحلى سعره أعلى من المستورد بنحو ألف جنيه للطن بما يدفع البعض للتفكير فى خلط المحلى بالمستورد، لكن وزير التموين يدعو لدعم الفلاح بمبلغ ألف و٣٠٠ جنيه لكل فدان بحد أقصى ٢٥ فداناً فى شهر يناير قبل الحصاد فى شهر إبريل ووقت الحصاد يتم الشراء بالسعر العالمى، وبالتالى يتم القضاء على ظاهرة السعرين، وهذا الأمر سبق تطبيقه فى منظومة الخبز بتحرير سعر الدقيق، ما أدى للقضاء على السوق السوداء للدقيق المدعم وتوفير نحو ٦ مليارات جنيه كانت تذهب إلى جيوب أصحاب المصالح.


«أصحاب المصالح الخاصة.. سبب الأزمة»


حديث المتحدث الاعلامى باسم «التموين» لم ينته عند هذا الحد، حيث أضاف قائلا: هناك من يريد إشعال الأمر لتحقيق مصالح خاصة به وهناك من طالب بأشياء غير مشروعة رفضها وزير التموين، كذلك هناك من يأمل فى عودة منظومة الخبز القديمة التى كانت بؤرة الفساد على حساب ما تم إنجازه فى ملف الخبز، لذا يحاولون التشكيك فى مقدرة الدولة على استلام ٥ ملايين طن قمح محلى بزيادة عن السنوات السابقة، فوزارة التموين بادرت بمحاربة الفساد فى منظومة الخبز والدقيق والقمح وقضت على الجزء الأكبر منه ومازالت تتصدى لمافيا كبيرة لها أدواتها وأعوانها، ويجب أن نضع فى اعتبارنا أن محاربة الفساد ليست بالأمر السهل.


وحول حديث وزارة التموين المتعلق بـ«تصفير اللجان للتأكد من عدم وجود عمليات توريد وهمى»، قال «دياب»: هناك اعتراض على أسلوب قياس الكميات المتاحة بالصوامع، فيجب تصفير الصوامع والشون محل التحقيق وإعادة وزن الكميات بها بعد إخلائها لكى تثبتها تحقيقات النيابة وهذا الأمر فى غاية الصعوبة، لكن ما يحدث حالياً مجرد طرق على الصوامع لمعرفة الممتلئة والفارغة، ونحن لا نعترف بهذا الأسلوب، فالميزان هو الفاصل فى قضايا الفساد.


محمود دياب، أنهى حديثه بنفى وزير التموين أسماء شركات عالمية متخصصة فى قياسات السلع إلى البرلمان للاحتكام إليها، مؤكدا على أن المعيار الذى يحكم التأكد من الفساد تصفير الشون وإعادة الوزن.


المستندات تفضح فساد المنظومة


على الجانب الآخر قال النائب مجدى ملك مكسيموس، رئيس لجنة تقصى الحقائق المُشكلة من البرلمان حول إهدار المال العام خلال موسم توريد القمح بالصوامع: اللجنة مكونة من ٢٥ نائباً، تمت الموافقة عليها بعد تقديم طلب لرئيس المجلس وهيئة المكتب لمراقبة منظومة القمح، وبالفعل تم الحصول على الموافقة فى ٣٠ يونيو، واللجنة توافر لديها عدد من المستندات والأوراق الخاصة بفساد فى عملية توريد القمح، وبالفعل تولت اللجنة القيام بزيارتين ومستمرة فى الزيارات المفاجئة للكشف عن أوجه الفساد المتفشية فى المنظومة بأكملها.


وفيما يتعلق بالاستعانة بشركة دولية للوقوف على عمليات “فساد التوريد” علق “رئيس تقصى الحقائق” على هذا الأمر قائلا: الاستعانة بشركة قياسات الغرض منه الكشف عن حجم التوريد الوهمى والفساد الذى لحق منظومة القمح، ويجب أن نشير هنا إلى أن وزير التموين هو من تولى ترشيحها لمجلس النواب، وهو ما تم فى اجتماعه مع أعضاء اللجنة الاقتصادية. فى سياق ذى صلة قال النائب ياسر عمر، عضو لجنة تقصى الحقائق، وكيل لجنة الخطة والموازنة : اللجنة أجرت زيارتين الأولى لشركة بنك العائلة الكيلو ٧٤ طريق إسكندرية الصحراوى من الناحية الغربية، وتم الكشف عن توريد ٢٠ ألف طن على الورق فقط وهو ما يعرف بالتوريد الوهمى، أما الزيارة الثانية كانت للمنطقة الصناعية ب٦ أكتوبر فى صوامع شركات الياسمين.


“السلع التموين.. الفساد بعنيه”


عضو “تقصى الحقائق” أكد فى حديثه أيضا أن هيئة السلع التموينية هى رأس الفساد فى منظومة القمح، وأكمل قائلا: “هى الفساد بعينه”، وأفرعها هى شركات الصوامع، فهذه الهيئة تعطى مثالاً واضحاً لكيفية تنامى وتعاظم الفساد فى هيئة حكومية، ولهذا تتولى اللجنة فى المقام الأول مهام كشف كافة أوجه الفساد فى منظومة القمح.


وعن موقف مجلس النواب من التقرير الذى أعدته اللجنة، قال النائب البرلمانى: يجب أن نشير أولا إلى أن اللجنة بدأت عملها فعليا فى ٣٠ يونيو الماضى، ومن المفترض أن تنتهى منه نهاية يوليو الجارى، مع الأخذ فى الاعتبار أنه فى حالة عدم عدم انتهاء عملها من حق أعضاء اللجنة ووفقاً للائحة تقديم طلب لرئيس المجلس لمد فترة عمل اللجنة، وفيما يتعلق بموقف المجلس من التقرير الذى أعدته اللجنة، فإن د. على عبدالعال، رئيس المجلس قرر إحالة ملف اللجنة للنائب العام بعد انتهاء اللجنة من عملها، إضافة إلى المسؤلية السياسية لوزير التموين أمام البرلمان وأمام الشعب المصرى بأكمله، حيث إنه من المقرر أن يتم عمل استجواب وزير التموين بعد انتهاء تقرير اللجنة، ولا يٌستبعد سحب الثقة منه، لأن البرلمان قام باستدعائه بداية المشكلة وأنكرها وهو أمر مثبت فى محاضر اللجنة الاقتصادية، لكنه عاد واعترف بوجود بعض التجاوزات.