حقيقة أزمة الديون الخارجية!

13/07/2016 - 12:05:13

بقلم - عبدالقادر شهيب

رغم أن عام ٢٠١٢ هو عام الارتفاع الكبير فى ديون مصر الخارجية، إلا أننا لم نسمع أحداً من المنزعجين حالياً من ارتفاع الديون الخارجية ينبه أو يحذر من خطورة ذلك على عكس ماهو قائم حالياً.. وهذا ليس له سوى معنى واحد هو أن هذه القضية الاقتصادية صارت إحدى القضايا الخاضعة الآن للاستخدام السياسى فى إطار الهجوم الممنهج على الحكم القائم.. ويعزز ذلك أنه مازال هذا الاستخدام السياسى الممنهج لمسألة الديون الخارجية مستمراً رغم القرار الذى اتخذه الرئيس السيسى بعدم اقتراض أية جهة مصرية من الخارج إلا بعد التأكد من قدرتها على سداد ما سوف تقترضه، وأيضاً بعد أن تم منذ أيام قليلة ومع حلول هذا الشهر (يوليو) ٢٠١٦ سداد نحو مليار دولار تمثل الدفعة الأخيرة من القرض القطرى الذى بلغ نحو سبعة مليارات دولار وحصلت عليه مصر إبان العام الذى حكم فيه الإخوان، ونحو ٧٠٠ مليون دولار تمثل القسط الجديد من ديوننا المستحقة لمجموعة نادى باريس .


ولذلك من المفيد والضرورى أن نقوم بقراءة تحليلية لديوننا الخارجية وما طرأ عليها خلال السنوات الخمس الماضية تحديداً، وهى السنوات التى أعقبت تنحى مبارك وما صاحب ذلك من تطورات سياسية كان لها تأثيرها المباشر العميق على أوضاعنا الاقتصادية ومن بينها ديوننا الخارجية، خاصة فى ظل التراجع الذى طرأ على معدل الادخار فى البلاد إلى أكثر من النصف، حيث انخفض إلى ٢،٥ ٪عام ٢٠١٤/٢٠١٥ مقابل ١٤،٣ ٪عام ٢٠٠٩/٢٠١٠، مع تعذر تعويض هذا الانخفاض بزيادة الاستثمارات الأجنبية، فكان البديل الآخر هو اللجوء إلى الاقتراض من الخارج لتوفير وتدبير الاحتياجات الأساسية للمصريين، خاصة من الطاقة والمنتجات البترولية (غاز وبنزين وسولار وبوتاجاز) .


لقد ارتفعت ديوننا الخارجية فى غضون السنوات الخمس الماضية من ٣٤ ملياراً إلى نحو ٥٣ مليار دولار بزيادة تبلغ نسبتها حوالى ٥٦ ٪ ولاشك أن هذه قفزة كبيرة وزيادة ضخمة فى ديوننا الخارجية.. غير أن معظم هذه الزيادة فى ديوننا الخارجية حدثت فى العام المالى (٢٠١٢/٢٠١٣) وهو العام الذى حكم فيه الإخوان البلاد..ففى هذا العام ارتفعت ديوننا الخارجية من ٣٤ مليار دولار إلى ٤٣ مليار دولار أى نحو ٤٧ ٪من جملة الزيادة فى ديوننا الخارجية خلال أربع سنوات .. كل هذه الزيادة فى الديون الخارجية لنا استخدمت فى تمويل الاستهلاك وتدبير الاحتياجات الأساسية، ولم تستخدم فى تمويل استثمارات من عائدها يمكن سداد أقساطها مستقبلا، فضلا عن أن معظمها كانت ديونا قصيرة الأجل أى أنها كانت تعد عبئاً كبيرا على اقتصادنا الوطنى، وهذا ما توضحه المؤشرات الاقتصادية خاصة نسبة الديون إلى الناتج القومى للبلاد.. حيث ارتفعت نسبة الديون الخارجية لمصر إلى جملة الناتج القومى خلال هذا العام الذى حكم فيه الإخوان البلاد من ١٢٫٥ ٪ إلى ١٦٫٤٪ لكن هذا الوضع الذى يدعو للقلق بالنسبة للديون الخارجية للبلاد طرأت عليه تغيرات إيجابية بعد أن ترك الإخوان الحكم.. نعم لقد استمرت هذه الديون الخارجية فى الزيادة منذ عام ٢٠١٢/٢٠١٣ نحو ٤٣ مليار دولار إلى ٥٣ ملياراً أى بزيادة قدرها عشرة مليارات دولار ونسبتها ٢٣٪، إلا أن وضع هذا الديون الخارجية طرأت عليه تغيرات إيجابية، حيث انخفضت نسبتها من الناتج القومى الإجمالى من ١٦٫٤ ٪ إلى ١٥٫٧٪ وهذا ناتج عن زيادة الناتج القومى الإجمالى بنسبة أكبر من زيادة الديون الخارجية.. والأهم فقد انخفضت الديون قصيرة الأجل من إجمالى الديون الخارجية لتصل إلى ٥٫٤٪ عام ٢٠١٤/٢٠١٥ مقابل ٣،٪١٦ عام ٢٠١٢/٢٠١٣) العام الذى حكمنا فيه الإخوان)، وانخفضت أيضاً نسبة هذه الديون قصيرة الأجل إلى صافى الاحتياطيات الدولية من ٪٤٧ إلى ٪١٣ فقط، وبالتالى انخفض عبئها وتأثيرها السلبى على هذه الاحتياطيات .


لكن هذا لا يعنى أن عبء الديون الخارجية تراجع، رغم تراجع نسبتها إلى الناتج القومى ونسبة الديون قصيرة الأجل فيها، والسبب هو تراجع مواردنا من النقد الأجنبى بشكل عام ومن الصادرات بشكل خاص.. فإن خدمة الدين إلى الصادرات ارتفعت خلال العام المالى الأخير (٢٠١٣/٢٠١٤ - ٢٠١٤/٢٠١٥) من ٧٫٣٪ إلى ٨،٢٢٪، كما ارتفعت خدمة الدين إلى المتحصلات الجارية فى ذات الفترة ٣.٤٪ إلى ٥.٨٪، وهنا كان من الضرورى أن يأتى قرار الرئيس السيسى بوقف الاقتراض من الخارج لأية جهة حتى التأكد من قدرتها على سداد أعباء ما تقترضه .


وهكذا فإن القراءة التحليلية لأرقام الديون الخارجية لمصر تبين أن ثمة مغالاة فى إثارة الفزع ولا أقول القلق فقط، حولها.. فما زالت هذه الديون رغم زيادتها فى أربعة أعوام نحو ١٩ مليار دولار تمثل نسبة آمنة من الناتج القومى والمهم أن مصر طوال هذه الأعوام لم تتوقف عن سداد أقساط ديونها الخارجية التى استحق سدادها ولم تتأخر فى السداد يوما واحدا أو حتى ساعة واحدة، بل كانت منتظمة دوما فى السداد وفى المواعيد المقررة والمتفق عليها سلفا مع المقرضين.. كما أن بعض الزيادة فى ديوننا الخارجية فى السنوات الثلاث التى أعقبت التخلص من حكم الإخوان ذهبت لتمويل استثمارات ضرورية ومهمة كان أبرزها الاستثمارات فى الطاقة وتحديدا فى محطات الكهرباء، وهذا أمر يقلل من أى قلق حول مسألة الديون الخارجية لتمويل احتياجاتنا من المواد البترولية (مثل القرض السعودي) أو لسد النقص والتراجع فى مواردنا من النقد الأجنبي، وقدر ثالث طرحه البنك المركزي، فى شكل سندات دولارية لسد هذا النقص والتراجع فى مواردنا من النقد الأجنبى وأخيرا قدر منها احتفظ به البنك المركزى فى شكل ودائع حصلنا عليها من كل من السعودية والإمارات والكويت، ومعها سلطنة عمان احتفظ بها البنك المركزى لدعم احتياطيات النقد الأجنبى لدينا.


وبالطبع الوضع المثالى ألا تزيد ديوننا الخارجية على هذا النحو الذى شهدناه والذى ارتفع بها فى غضون أربع سنوات من ٣٤ مليار دولار إلى ٥٣ مليار دولار.. وأيضاً الوضع المثالى أن نكون قادرين بسهولة فى سداد أقساط الديون وألا تكون عملية السداد تمثل عبئاً علينا وعلى ما لدينا من موارد نقد أجنبي.. ولكن الأمر لا يستأهل إثارة الفزع حول ديوننا الخارجية، فى ظل أن كل الدول تقريبا تقترض من الخارج سواء من حكومات أو هيئات ومؤسسات دولية، وأكبر مقترض فى العالم، وبالتالى أكبر مدين هى صاحبة أكبر اقتصاد فى العالم كله، أى الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً فى ظل أننا عشنا ظروفا اقتصادية خلال السنوات الخمس الماضية تآكلت فيه احتياطياتنا من النقد الأجنبى بعد التراجع الحاد فى مواردنا منها وتراجعت صادراتنا للخارج وزادت وارداتنا من الخارج وانخفض بشدة معدل النمو الاقتصادى وانخفضت الاستثمارات الأجنبية بشدة، بل إنها اختفت فى الفترة التالية ليناير ٢٠١١، وهكذا كنا مضطرين بسبب هذه الظروف الشديدة الصعوبة للاقتراض من الخارج لتحريك اقتصادنا وتحقيق معدل نمو اقتصادى ملائم لتخفيف حدة المشاكل الاقتصادية التى عشناها ومازلنا.


أما بالنسبة تحديدا للقرض الروسى المتوقع إبرام اتفاق به بيننا وروسيا لتمويل إنشاء أول محطة نووية فى منطقة الضبعة، فرغم أنه قرض ضخم وكبير، ولعله أكبر قرض حصلت عليه مصر من الخارج على مدى التاريخ، إلا أن شروطه سهلة بالنسبة لنا.. فهناك فترة سماح كبيرة قبل البدء فى سداد أقساطه.. السداد سوف يبدأ بعد إنتاج الكهرباء من أول محطة نووية سيتم إنشاؤها فى الضبعة، أى أن السداد سيكون من عائد إنتاج هذه المحطة، فضلاً عن أن السداد سيكون جزءا منه بالعملة الوطنية المصرية.


أى حتى إذا رفع هذا القرض إجمالى الديون الخارجية، وبالتالى نسبتها للناتج القومى فإن عبء سداد هذا القرض لن يكون كبيراً أو صعبا علينا، مع العلم أننا لن نحصل على هذا القرض دفعة واحدة، وإنما سوف نحصل عليه على مدار السنوات السبع التى سيتم خلالها تنفيذ إنشاء أول محطة نووية فى الضبعة.. أى أن إجمالى ديوننا الخارجية لن تزيد دفعة واحدة بنحو ٢٠ مليار دولار، وإنما سوف تزيدها على دفعات على مدار السبع سنوات القادمة والتى تبدأ من بدء تنفيذ اتفاق هذا القرض الذى لم يوقع بعد وينتظر توقيعه خلال الأسابيع القادمة بعد الانتهاء من التفاوض حول كل بنوده بين الجانبين المصرى والروسى.


أيضاً ثمة مبالغة البعض يقصدها والبعض الآخر لا يدركها فى أننا بزيادة ديوننا الخارجية لأن قدر من هذه الديون الخارجية، وخاصة من الزيادة التى طرأت عليها خلال العامين الماضيين ذهب لتمويل مشروعات استثمارية سوف تستفيد منها هذه الأجيال القادمة وسوف تشارك الأجيال الحالية فى تحمل عبء سداد أقساطها، مثل القروض الخاصة بتمويل إنشاء المحطات الكهربائية.


إذن.. الخلاصة نحن لسنا إزاء أزمة ديون خارجية على غرار ما عشناه فى التسعينيات من القرن الماضي، والتى وصلت إلى حد المعاناة فى سداد الأقساط التى استحق سدادها من هذه الديون، وهى الأزمة التى وجدت حلا لها بعد حرب الخليج الأولى (حرب تحرير الكويت) بإسقاط الديون العسكرية الأمريكية، والديون العربية، وإعادة جدولة الديون المستحقة لمجموعة نادى باريس، ثم أعقبها صدور تعليمات مشددة من الرئيس الأسبق حسنى مبارك بعدم إبرام أى اتفاق لقرض جديد مع أية دولة أو جهة خارجية إلا بموافقته هو شخصياً.


ولكن ذلك لا يعنى ألا نحتفظ بيقظتنا وانتباهنا وأن نلتزم بضوابط على الاقتراض الخارجى حتى تظل ديوننا فى الحد الآمن ولا تضيف لاقتصادنا مشكلة جديدة نحن فى غنى عنها.


ويتبقى القول أن الأمر الذى يثير القلق فعلاً هى الديون المحلية للحكومة والتى بلغت حالياً مائة فى المائة من إجمالى الناتج القومي، وهو الأمر الناجم عن زيادة عجز الموازنة، وهو الأمر الذى يحتاج لعلاج حاسم وعاجل لأن هذا الدين المحلى يغل يد الحكومة فى الإنفاق على الخدمات الأساسية، خاصة الصحة والتعليم، ويسهم فى زيادة معدل التضخم الذى يتحمل أعباءه أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة أساساً.