المدينة المنورة.. تفجير من المخدرات إلى الإرهاب

13/07/2016 - 11:56:28

بقلم - د. ناجح إبراهيم

يعد تفجير المدينة المنورة والذى قام به شاب يعتقد أنه ينتمى لداعش واسمه «نائر مسلم حماد” وقد قدم الشاب قرب أذان المغرب ـ فى اليوم قبل الأخير لشهر رمضان الماضى إلى مجموعة من جنود حراسة المسجد النبوى وأظهر أنه يريد الإفطار معهم ثم باغتهم وفجر نفسه بينهم فأرداهم قتلى وقتل معهم.


وقد اتضح من التحقيقات أن «نائر” يبلغ من العمر ٢٦ عاما، وأن له سابقة تعاطى مخدرات .. وأن والده لا يعرف شيئا عن توجهاته الفكرية وأسرته كذلك .. ويبدو أنه انتقل بحدة من طريق المعصية والمخدرات إلى طريقة التشدد والغلو، دون مرور بمرحلة الوسطية والاعتدال.


وفى نفس اليوم تم انفجار فى أحد المساجد بالقطيف قام به ثلاثة انتحاريين قتلوا جميعا.


وسف نركز فى هذه الدراسة على تفجير المدينة المنورة فقط نظرا لدلالاته الكثيرة، حيث تم قريبا من المسجد النبوى وأصاب بعض المعتمرين وقاصدى المسجد .. وقد بكى رئيس الوزراء المغربى عبد الإله بن كيران أثناء حديثه إلى قناة العربية عن تفجيرات المدينة .. ويعد الرجل هو المسئول العربى والمسلم الوحيد الذى بكى علانية تأثرا بالحادث الأليم وذلك لتجاوزه قداسة النبى محمد صلى الله عليه وسلم حيا وميتا .. وهذا الحادث المؤلم له تبعات كثيرة ويلقى بظلال خطيرة فى مسيرة الإرهاب والتفجيرات .. ويعنى أمورا كثيرة أهمها ما يلي:


أولا: تفجير المدينة يعد المحرم الأكبر والأخطر وقبل الأخير الذى كسرته داعش .. فالجرأة على المسجد الحرام سقف خطير لم يفعله أحد من قبل سواء دولة أو تنظيما .. ورغم التفجيرات الدموية والمذابح الكثيرة التى قامت بها داعش والتى هزت الوجدان العالمي، إلا أن هذا التفجير له حساسية خاصة فى الوجدان الإسلامى .. فالمدينة المنورة والحرم النبوى لهما الكثير من القداسة والتبجيل والتقدير فى قلوب المسلمين .. والجرأة عليهما بهذه الصورة تعنى أن داعش كسرت كل الحواجز وحطمت كل الحدود ..وفقدت البقة الباقية من عقلها.


ثانيا: سفك الدماء فى المسجد الحرام فى العشر الأواخر من رمضان أفسد على أغلب المسلمين فى الحرمين خاصة وفى العالم الإسلامى عامة فرحتهم بالعيد ونغص عليهم بهجته .. وجعل عشرات الألوف من الأسر المسلمة لا هم لها قبل العيد إلا الاطمئنان على أبنائها المعتمرين والمعتكفين فى الحرمين الشريفين.


ثالثا: عملية التفجير فى المدينة المنورة وقريبا من الحرم النبوى الشريف هى واحدة من عشر عمليات إرهابية تمت جميعها فى الخمسة أيام الأخيرة من شهر رمضان المعظم .. وفى أجمل أيامه ولياليه .. وهذه العمليات الإرهابية العشر ضربت ٦ دول عربية وإسلامية .. وهى ماليزيا وبنجلادش وثلاث عمليات فى السعودية وتركيا والعراق، كما تم إجهاض ٣ محاولات إرهابية فى الكويت وتعد أخطر هذه العمليات الإرهابية وأكثرها خسائر هى تفجير الكرادة فى العراق والذى أسقط أكثر من ٢٠٠ قتيل.


رابعا: يعتبر أغلب المراقبين أن هذه العمليات العشر تعد بمثابة صحوة الموت بالنسبة لداعش .. وأنها حالة يائسة وبائسة من إثبات الذات والوجود ردا على هزيمة التنظيم فى الفلوجة وحصاره وبداية نهايته فى الموصل.


خامسا: ليس غريبا على الدواعش الاعتداء على المسجد النبوى الشريف أو حراسه رغم أن «نائر» الذى فجر نفسه له شقيق من حراس المسجد النبوى وذلك لأن بعضهم يرى كفر والديه وكفر معظم المسلمين .. وأجدادهم من قبل قتلوا سيدنا على بن أبى طالب وهو من هو .. فالتكفير والتفجير هو دينهم وإيمانهم والدماء سهلة عندهم «قل بئسما يأمركم به إيمانكم”


سادسا: فجرت زيارة شارون للمسجد الأقصى عام ٢٠٠٠ م الانتفاضة الفلسطينية الثانية مع مظاهرات عارمة فى العالم العربى والإسلامى .. كما أدى حادث شارل إبدو فى فرنسا إلى تظاهرات أوربية ضخمة شارك فيها المسلمون، أما تفجيرات باريس الشهيرة فقد جمعت أوربا تحت لواء واحد وحشدت رؤساءها وكبراءها الذين قادوا مليونية ضخمة فى فرنسا.


وكان ينبغى أن يكون رد الفعل الإسلامى على حادث المدينة موازيا أو مشابها أو على الأقل قريبا من ذلك .. وخاصة أن الاعتداء كان مركزا على أقدس الأماكن الإسلامية بعد الحرم المكى الشريف .. فلماذا لم نرَ مظاهرة كبرى فى عاصمة عربية أو مليونية ضخمة فى بلد إسلامية أو تظاهرة للمثقفين الذين يتظاهرون على ما هو أهون من ذلك بكثير .. ولم نشاهد تظاهرة شعرية لاختيار أعظم قصيدة فى ذم داعش أو الحشد الشعبى .. أو أعظم أغنية تفضح داعش والحشد الشعبى .. لماذا صمت الجميع؟!


سابعا : لا جديد فى استهداف الإرهاب للسعودية، فقد تمت فى السعودية ٣٩٠ عملية إرهابية من قبل .. ولكن الجديد فى هذا الحادث هو الجرأة على المدينة المنورة .. وانتهاك حرمة الزمان والمكان بشكل غير مسبوق .. وكأن هؤلاء لم يسمعوا يوما بقول النبى صلى الله عليه وسلم « من أحدث فيها حدثا (أى جرما أو فتنة) فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا” ولم يسمعوا بقوله صلى الله عليه وسلم “لايرد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله فى النار كما يذوب الرصاص”


ثامنا: لقد كانت السيدة عائشة تفزع إذا دق أحدهم مسماراً فى جدار المسجد النبوى فتهتف بلسان المحبة للرسول «ص» زوجها قائلة»احذروا أن تؤذوا رسول الله».


هؤلاء أدركوا أهمية توقير وتعظيم رسول هذه الأمة حياً وميتاً، ولكن هؤلاء الأغبياء الفجار الذين أرادوا التفجير عند مسجد النبى لم يعرفوا شيئاً عن هذه الآداب والأخلاق، مسمار يدق فى جدار المسجد كان السلف يخافون أن يؤذى النبى فى قبره، فكيف بالديناميت والمتفجرات.


تاسعا: ألم يقرأ أحد هؤلاء يوماً»لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ» فلا صوت يعلو فوق صوته، ولا شريعة تعلو على شريعته، ولا فكر أو مذهب يرتفع على كتاب الله وسنة رسوله، وهؤلاء لا يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي، ولكنهم يزعجونه بتفجيراتهم ويؤذونه بتصرفاتهم، ويبغضون الناس فى دين الله، ويصدونهم عن سبيله.


عاشرا: كان النبى « صلى الله عليه وسلم»يخطب على جذع نخلة قبل أن يتخذ منبراً، فلما فارق الجذع إذا به يبكى للفراق ويجزع له ويحن للقاء رسول الله «ص» الذى شرفه من قبل، فهل الذين فجروا أنفسهم مع حراس المسجد النبوى وقريباً منه تشربت قلوبهم ما تشربه هذا الجذع، فهؤلاء لم يحبوا الرسول ولم يشتاقوا إليه ولم يحنوا إليه وعليه، ولم تتشرب أنفسهم توقيره وتعظيمه، لم يتعلموا من الجذع الأصم شيئاً، كانت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة.


يا قوم ألا تخجلون من أنفسكم، ألا تراجعونها، ألا تتوبون إلى الله قبل أن تملأوا الدنيا تكفيرا وتفجيرا وقتلا ودماءً ، وكراهية وأشلاءً، ألا تخشون ربكم، ألا توقرون نبيكم، ألا تحيون الأنفس بدلا من إزهاق الأرواح، ألا تزرعون فسائل الخير بدلا من التخريب والدمار.