التفجيرات بداية الموجة الثالثة من الإرهاب فى السعودية

13/07/2016 - 11:52:49

العميد خالد عكاشة مدير المركز الوطنى للدراسات الأمنية

يوم الاثنين الذى كان فيه شهر رمضان الكريم يستعد للرحيل محملا بدعوات ورجاء المصلين والعابدين فى رحمة الله ومغفرته، وعلى أرض المملكة العربية السعودية التى قامت بتقديم خدمات لمعتمرى هذا الشهر الكريم وهو شهر الذروة بالنسبة لتلك السنة المحببة لنفوس المسلمين جميعا، فهذا اليوم هو يوم حزين ومؤلم للمواطنين السعوديين ولأفئدة المسلمين فى كل بقاع الأرض الذين يظلون مشدودين بالاهتمام لأكثر البقاع المقدسة فى مكة والمدينة المنورة، فقد واجه الأمن السعودى عملا إرهابيا ربما غير مسبوق فى موجة التصعيد الحالية رغم سابقة استهداف مساجد المملكة، فمع حلول صلاة مغرب يوم الاثنين بالمدينة المنورة اشتبه رجال الأمن فى أحد الأشخاص أثناء توجهه إلى المسجد النبوى الشريف عبر أرض فضاء تستخدم كمواقف لسيارات الزوار، وعند مبادرتهم فى اعتراضه قام بتفجير نفسه بحزام ناسف مما نتج عنه مقتله، واستشهاد ٤ من رجال الأمن، كما وقع عند مغرب اليوم نفسه وبالقرب من أحد المساجد المجاورة لسوق مياس فى محافظة القطيف تفجير انتحارى وتم العثور على أشلاء بشرية لثلاثة أشخاص، وكانت وزارة الداخلية السعودية أعلنت فى وقت سابق من نفس اليوم، أن انتحاريا فجر نفسه قرب القنصلية الأمريكية بمحافظة جدة فى ساعة مبكرة من صباح الاثنين وأدى الهجوم إلى إصابة رجلى أمن ومدنى واحد، يوم ثقيل من دون شك خاصة أننا أمام ثلاثة أعمال إرهابية تضرب ٣ مدن سعودية فى يوم واحد وتمتد من جدة فى أقصى غرب المملكة، وصولا إلى القطيف شرقا مرورا بثانى المدن المقدسة المدينة المنورة.


بالطبع استحوذت المدينة المنورة على الاهتمام الأكبر فى هذا اليوم وسرقت أعين المتابعين ووسائل الإعلام كافة باعتبار دلالة تلك البقعة المقدسة وأثرها النفسى البالغ، وقد استطاعت العملية الإرهابية أن تصل بهدفها النفسى بالفعل للمسلمين جميعا ولمواطنى السعودية خاصة الذين يعتبرون مدينتى مكة المكرمة والمدينة المنورة خطا أحمر عريضا، ليس فى مواجهة الإرهاب والعمليات المسلحة فقط، إنما قبل أى شكل من أشكال التهديد الذى يشوش على تقديم خدمة الرعاية المتميزة لتلك البقاع فائقة الأهمية، وليس أكثر دلالة على ما توليه المملكة السعودية ومواطنوها لتلك المدينتين المقدستين من لقب الملك السعودى وكبير العائلة المالكة أيا كان شخصه بـ (خادم الحرمين الشريفين)، وهو اللقب الرسمى المعتمد والذى يعكس حجم التقدير الهائل لهذه المهمة ومرجعيتها الرمزية للملك السعودى الذى يتولى حكم البلاد والتى تمتد إلى عائلة «آل سعود» بكاملها، لذلك ينظر إلى الإرهاب الذى يطال تلك البقاع المقدسة كنوع من الضرب فى العصب الأهم والأكثر إيلاما من الناحية السياسية والمعنوية بغض النظر عن حجم الضحايا أو الخسائر المادية.


وقد يكون من باب إنعاش الذاكرة وإلقاء الضوء على إحدى أهم محاولات التهديد التى تعرضت له تلك الأماكن المقدسة والتى شهدتها (موجة الإرهاب الأولى) فى سبعينيات القرن الماضي، وفيها بدأت الأحداث فجر يوم الأول من محرم عام ١٤٠٠ هجرية الموافق ٢٠ نوفمبر عام ١٩٧٩م عندما شهد «الحرم المكي» الشريف أقدس بقاع العالم بالنسبة للمسلمين، هجوما إرهابيا استهدفه، كما تم الإعلان فيما بعد لقلب نظام الحكم بالمملكة من خلال السيطرة على الحرم المكى وإعلانه تحت قبضة المجموعة المهاجمة، هزت العملية الإرهابية العالم الإسلامى برمته، فمن حيث موعدها فقد وقعت مع فجر أول يوم فى القرن الهجرى الجديد، ومن حيث عنفها فقد تسببت بسفك للدماء فى باحة الحرم المكى وأودت بحياة الكثير من رجال الأمن السعوديين والمسلحين المتحصنين داخل الحرم، حركت الحادثة بسرعة مشاعر الكثير من المسلمين بعضهم شجبها وأنكرها ووقف ضدها والغالبية أصابتهم دهشة عارمة لما يحدث للمرة الأولى فى العصر الحديث منذ تاريخ نشأة المملكة بصورتها الحالية، وقد برر «جهيمان العتيبي» قائد العملية هجومه باعتباره محاولة لتصحيح الوضع الذى تسبب به «آل سعود» الفاقدين للشرعية حسب زعمه، إضافة إلى دعوته إلى اقامة دولة إسلامية، حيث وقف «جهيمان العتيبي” وجماعته يطالبون بتطبيق الشريعة بالمملكة ومعاداة الكفار، واستغل جهيمان كثرة وجود المصلين بالمسجد الحرام فالتوقيت بعد موسم الحج مباشرة وأمسك بالدائرة الصوتية بالحرم يطالب بتطبيق الشريعة، عمل جهيمان بن محمد بن سيف العتيبى (قائد المجموعة التى اقتحمت الحرم) موظفا بالحرس الوطنى السعودى عدة سنوات، وقبلها درس الفلسفة الدينية فى جامعة مكة المكرمة والجامعة الإسلامية فى المدينة المنورة، وهناك التقى «محمد بن عبد الله القحطاني» أحد تلامذة الشيخ «عبد العزيز بن باز»، وتوطدت العلاقة بين الرجلين بعدما توافقا فكريا فى العديد من الرؤى قبل أن يقررا معا اعتزال المجتمع ورفضه باعتبار أنه «مجتمع كافر»، بدأ «جهيمان» و»القحطاني» نشر أفكارهما بين عدد من الشبان خاصة فى المساجد الصغيرة بالمدينة المنورة، حتى تحول أتباعه إلى جماعة ما لبثت أن تنامت وكبرت وبات أفرادها يعدون بالآلاف خلال تلك الفترة، ومن خلال الرسائل التى كان يكتبها «جهيمان» لأتباعه يتضح أنهم يأخذون بتكفير المجتمع لأنه لا يحكم بشرع الله، داعين إلى هجر المجتمع ووسائله المدنية مثل الصحافة والتليفزيون والانعزال عنه، تجنبا لتفشى الفساد والرذيلة رافعين شعار «عدم موالاة الأنظمة» التى لا تحكم بشرع الله ولا تنتهى بنواهيه.


فى أواخر العام الذى سبق العمل الإرهابى أخبر «القحطاني” صهره “جهيمان” بأنه رأى فى منامه أنه هو (المهدى المنتظر) وأنه سوف يحرر الجزيرة العربية والعالم كله من الظالمين، فآمن «جهيمان» بكلام صهره دون تردد أو تشكيك، وبدأ يفكر فى الطريقة التى سيعلن من خلالها للعالم أجمع ظهور المهدى الذى ينتظره المسلمون، ووجد فى بداية القرن الهجرى الجديد موعدا مناسبا لتنفيذ خطته التى ستبدأ باحتلال بيت الله الحرام لكى يتلقى «المهدي» البيعةَ بين الركن والمقام كما جاء فى الأحاديث النبوية الشريفة، وقبل انطلاق أذان فجر غرة القرن الهجرى الجديد وعبر منافذ مخصصة لدخول الشاحنات تمكن بعض رجال جهيمان من إدخال شاحنتين محملتين بالتمر والماء والذخيرة إلى الحرم المكي، وعقب انطلاق أذان الفجر ووسط مئات المصلين الذين تدفقوا إلى صحن الحرم، تمكن قرابة مائتى شخص من الدخول إلى الحرم الشريف، حاملين عددا من النعوش للصلاة على أصحابها بيد أنها كانت نعوشا من نوع آخر لا تحمل جثامين موتى، وإنما تحمل أسلحة وذخيرة بهدف احتلال الحرم المكى الشريف وفى مقدمتهم «جهيمان العتيبي”، بعد نحو ربع الساعة من رفع الأذان ووسط عشرات الآلاف من المصلين غالبيتهم من الحجاج الذين قضوا مناسكهم، وآخرون قدموا لأداء العمرة، أعلن عن إقامة الصلاة قبل أن يتقدم شاب ذو ملامح حادة متجهمة ليستولى على «الميكروفون» المخصص للإمام ليوجه نداء إلى جموع المصلين، طالبهم فيه بالجلوس والاستماع لبيان هام وسط حالة من الاضطراب التى سادت أرجاء البيت الحرام فيما تدافع بعض المصلين نحو صحن الطواف لاستجلاء ما يحدث، فى تلك الأثناء تسرب بعض أتباع «جهيمان» حاملين أسلحة «قناصة» إلى مآذن الحرم، فيما تكتل آخرون أمام الأبواب لمنع خروج المصلين وإجبار الجميع على الاستماع للخطبة المرتقبة، حاول أحد أفراد الجماعة المسلحة إغلاق باب للحرم يقع فى الجهة الجنوبية فاشتبك مع أحد حراس المكان الذى حاول منعه، فانطلقت رصاصة من سلاحه صوب حلقة معدنية فى الباب فارتدت على الرجل المسلح وأردته قتيلا، فدب الرعب فى نفوس الجميع وتتابعت الرصاصات المرتبكة المذعورة فى أرجاء الحرم الشريف، وسط صرخات المصلين الذين كان بينهم أطفال ونساء وعلى وقع هذه المأساة بدأ أحد أفراد الجماعة خطبته.


تحدث أحد رجال الجماعة ويدعى «خالد اليامي» عن «المهدى المنتظر» وعلاماته وأهدافه وكيفية مبايعته ساردا بعض الأحاديث التى تصف «المهدي» وتتحدث عن علامات ظهوره، قبل أن يصل فى خطبته إلى مراده قائلا: «فاعلموا أيها المسلمون، أنه انطبقت هذه الصفات كلها على هذا المهدى الذى سوف تبايعون بعد لحظات بين الركن والمقام» معلنا أن “المهدي” موجود الآن داخل صحن الحرم لتلقى البيعة، فور انتهاء الخطبة التى صدمت الجميع بدأ «جهيمان» وأتباعه فى إجبار المصلين على التقدم نحو الكعبة بين الركن والمقام، ومبايعة زوج أخته «محمد بن عبد الله القحطاني» بصفته «المهدى المنتظر”، أمام تهديد الأسلحة داخل صحن الحرم وجد بعض المصلين أنفسهم مجبرين على التقدم لمبايعة «المهدى المزعوم»، إلا أن آخرين رفضوا الانصياع وحاولوا التحدث إلى رجال «جهيمان» ومناقشتهم فى دعواهم فعلت الأصوات وعمت الفوضى، ووسط حالة الارتباك تمكن الشيخ الرسمى للحرم من السير وسط الزحام حتى وصل إلى غرفة فى الحرم وقام بالاتصال مباشرة بالشيخ ناصر بن حمد الراشد رئيس شئون الحرم آنذاك وأخبره بالأمر وأسمعه طلقات الرصاص، خلال دقائق وفور أن اكتشفت السلطات أن ما يحدث بالحرم هو حدث جلل غير اعتيادي، وجه وزير الداخلية آنذاك الأمير نايف بن عبد العزيز بمحاصرة الحرم المكى مع التزام الهدوء وعدم مواجهة المسلحين منعا لإراقة الدماء، فنفذت القوات توجيه الأمير بمشاركة رجال الجيش السعودى وفرضوا سيطرتهم على المكان تمهيدا لبدء التفاوض مع «جهيمان» ورجاله حقنا للدماء فى بيت الله الحرام.


عندما شاهدت جماعة «جهيمان» القوات السعودية وهى تحاصر الحرم بادرتهم بإطلاق الرصاص من مآذن الحرم الشريف معتقدة أنهم يمنعون الحجاج من التوافد لمبايعة «المهدي»، لتبدأ المواجهة المسلحة بين أروقة البيت العتيق فى مشهد توقف أمامه التاريخ طويلا حيث بدأ الخبر ينتشر خارج أروقة الحرم، ودب القلق بالنفوس خوفا على بيت الله الحرام وبدأت وكالات الأنباء تتناقل معلومات مرتبكة وغير دقيقة عما يجرى فى الحرم المكي، فيما أعلنت بعض الإذاعات وفاة إمام الحرم برصاص جماعة مسلحة، وصل الأمير نايف إلى مكة المكرمة ليشرف بنفسه على العملية وعلى الخطط المتعلقة بتحرير الحرم، فيما أسرعت القوات السعودية إلى إبعاد زوار الحرم عن المكان تجنبا للرصاص العشوائى الذى كانت تطلقه جماعة «جهيمان”، وبعدما اتضحت الصورة كاملة أمام الملك خالد بن عبد العزيز وجه دعوة عاجلة لعدد من كبار علماء المملكة، أطلعهم على الموقف واستفتاهم فى شأن تلك الفئة الضالة فأفتوه بأن الواجب دعوتهم إلى الاستسلام ووضع السلاح فإن فعلوا قبل منهم وسجنوا حتى ينظر فى أمرهم شرعا، وإن امتنعوا وجب اتخاذ كل الوسائل للقبض عليهم ولو أدى إلى قتالهم وقتل من لم يحصل القبض عليه منهم، وصلت توجيهات الملك خالد بالحرص على سلامة المحتجزين داخل الحرم وسلامة مبنى الحرم وإعطاء المسلحين فرصة للاستسلام، فوجهت القوات السعودية عبر مكبرات الصوت نداء إلى «جهيمان» ورجاله طالبتهم فيه بالخروج من الحرم وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين، ووقف احتلال أطهر بقعة على وجه الأرض احتراما لقدسية المكان إلا أن «جهيمان» رفض الطلب وعاود إطلاق الرصاص.


وجدت القوات السعودية صعوبة فى تحرير الحرم المكى مع الحفاظ فى الوقت ذاته على أرواح الرهائن داخله، خاصة أن جماعة «جهيمان» كانت تجبر الرهائن على التجمع داخل صحن الحرم ليكونوا فى مرمى القناصة كدروع بشرية، فحاولت القوات السعودية تنظيم عملية «إسقاط مظلي» لعدد من الجنود إلا أن التجربة لم تنجح فى فك الحصار حيث تمكنت جماعة «جهيمان» من قنص المظليين وقتل عدد كبير منهم، فى اليوم الثالث للحصار كان «محمد بن عبد الله القحطاني» بين رجاله يحاول إقناعهم بأنه «مخلد» ولن تتمكن القوات السعودية من قتله، فكان يعيد إلقاء القنابل التى تسقط عليهم باتجاه القوات وهو ينادى «أنا المهدى يا أعداء الله» وفى إحدى المرات انفجرت قنبلة بين يديه، ولم يتمكن الرجال من إنقاذه فتركوه وفروا هاربين دون أن يستوثقوا مما إذا كان توفى أم أصيب على إثرها فقط، لتسحب القوات الأمنية جثمان “القحطاني» خارج الحرم، ليشكل مقتل عبد الله القحطانى صدمة كبيرة لكل من شاهده يقتل وسرى الخبر بين المسلحين، وعندما علم «جهيمان» بالواقعة غضب واتهم كل من يروج لمقتل «المهدي» بـ «عدم اليقين» وأنه يسعى إلى إثارة الفتنة بين صفوف رجاله، مؤكدا أن «القحطاني» لا يمكن أن يقتل لأنه «المهدى المنتظر» وإنما حصر فى مكان ما من الحرم وسيخرج منه عقب انتهاء الأزمة لتلقى البيعة، بعدها واصلت القوات السعودية تنفيذ خطتها لتضييق الخناق على المجموعة المسلحة التى تم دفعها للنزول إلى الدور السفلى للحرم المسمى بالخلوات، وهو دور محفور تحت مستوى أرض الحرم الشريف فتحصنوا فيه وفى حجراته وأقبيته، فى اليوم التاسع للأزمة تمكنت القوات السعودية من احتلال الطرق المؤدية إلى الأقبية وطاردت رجال «جهيمان» من قبو إلى آخر، وتمكنت من إلقاء القبض على عدد كبير منهم واستسلم آخرون بعدما دب اليأس فى نفوسهم بعد تأكدهم من مقتل «القحطاني»، وبدأت السلطات السعودية التحقيق مع الذين تم القبض عليهم وتمحور التحقيق حول معرفة مصادر السلاح وكيفية تهريبه إلى داخل الحرم المكي، ومن خلال التحقيق توصلت السلطات إلى معرفة العديد من خيوط الجريمة، وهو ما ساعد بعد ذلك فى القضاء على المجموعة المتبقية فى الأقبية، وفى اليوم الثالث عشر نفذت القوات السعودية العملية النهائية التى استمرت يومين متواصلين، بعد أن حاصرت المجموعة المسلحة فى أضيق نطاق وأصغر مساحة ممكنة بعيدا عن الكعبة الشريفة داخل الأقبية، ثم تمكنت القوات السعودية من تضييق الخناق على كل المسلحين المتبقين على قيد الحياة وأجبرتهم على الاستسلام فجر يوم ١٥ محرم وآخر من ألقى القبض عليه كان «جهيمان» الذى ظل مختبئا فى أحد الأقبية، وفى اليوم ذاته الذى يعد اليوم الخامس عشر أصدر وزير الداخلية البيان الثانى معلنا تطهير قبو المسجد الحرام من أفراد «الطغمة الفاسدة”.


هذا عن الحادث الأول من نوع الهجمات الإرهابية أما عن (موجة الإرهاب الثانية) والتى اندلعت فيما بعد الغزو الامريكى على العراق ببداية الألفية الجديدة، ففيها أيضا لم تسلم أراضى المملكة السعودية من العديد من الضربات المؤثرة التى كان يقف وراء معظمها «تنظيم القاعدة» فى أوج نشاطه الخارجي، حيث بلغت عدد الحوادث الإرهابية التى تعرضت لها حتى عام ٢٠١١ بحسب التقارير الأمنية السعودية حوالى ٩٨ عملية إرهابية، راح ضحيتها أكثر من «٩٠ شخصا» من المدنيين إضافة إلى «إصابة نحو ٦٠٨» آخرين فيما تكبدت الأجهزة الأمنية خسائر بشرية بلغت حوالى (٦٥) وإصابة نحو (٣٩٠)، واختلفت بعض الإحصاءات من تقارير أخرى لكن ظل جميعها يؤكد أن الضحايا من المدنيين أكثر من العسكريين.


ففى ٢٥ يونيه ١٩٩٦ وقع انفجار ضخم بالقرب من مجمع سكنى يقطن فيه أمريكيون يعملون مع سلاح الطيران فى مدينة “الظهران” وأدى إلى مقتل ١٩ أمريكيا وسعوديا وجرح ٣٧٢ شخصا، وحامت الشبهات حول دور إيران فى الحادث خاصة أنه فى ديسمبر ٢٠٠٦ وجه قاضٍ أميركى الاتهام إلى إيران بالضلوع فى التفجيرات وأصدر حكما بذلك، وكانت تلك المرة الأولى التى توجه فيها جهة رسمية أمريكية الاتهام إلى إيران بالتورط فى تلك التفجيرات، كما وقعت حوادث انفجارات ثلاثة فى مدينة “الخبر” فى ١٥ ديسمبر ٢٠٠٠ وأسواق “اليورومارشيه” فى ١٠ يناير ٢٠٠١ و”مكتبة جرير” فى ١٥ مارس ٢٠٠١، ثم بتاريخ ١٢ مايو ٢٠٠٣ نفذت ٣ سيارات مفخخة استهداف ٣ مجمعات سكنية يقطنها غربيون وعرب فى الرياض قتل فيها ٢٠ شخصا و١٩٤ إصابة، وفى نفس الشهر شاهدت إحدى الدوريات الأمنية على بعد ١٠ كم شمال شرقى مدينة «تربة» سيارة جيب تويوتا يستقلها شخصان وعندما طلب رجال الأمن من السائق إثبات هويته فر هاربا، وقام رجال الأمن بمطاردته وأثناء المطاردة قام الهاربان بإلقاء قنابل يدوية على رجال الأمن مما نتج عنه استشهاد جنديين وإصابة اثنين، وفى ٣ يونيه ٢٠٠٣ توفى أمريكى بالرصاص فى قاعدة بحرية متأثرا بجروحه والذى كان يعمل فى قاعدة الملك عبدالعزيز فى “الجبيل” المدينة الساحلية الصناعية، بعدها فى ٨ نوفمبر ٢٠٠٣ تم تفجير “مجمع المحيا” السكنى الذى يسكنه الغالبية من المواطنين العرب والمسلمين، كانت حصيلة هذا الهجوم ١٢ قتيلا و ١٢٢ جريحا من الأبرياء المدنيين.


ليجىء بعدها عام ٢٠٠٤ الذى يعد عام الذروة حيث شهد أكثر من عملية إرهابية بدأت فى ٢١ أبريل بانتحاريين يستهدفون مبنى “الإدارة العامة للمرور” فى الرياض بسيارة مفخخة، نتج عنها مقتل ٤ من رجال الأمن، بالإضافة إلى مدنى وإصابة ١٤٨ شخصا، ثم فى ١ مايو اقتحم مسلحون أحد المواقع الصناعية فى مدينة “ينبع” وقتل ٥ أشخاص (أسترالى وأمركيين وبريطانيين)، بالإضافة إلى رجل أمن سعودى وإصابة ١٤ من زملائه، وفى ٢٩ مايو اقتحمت مجموعة مسلحة»مجمع الواحة” السكنى فى مدينة “الخبر” واحتجاز ٤٥ رهينة، وقتل العشرات من ساكنيه قبل أن تتمكن قوات الأمن السعودى من اقتحام المبنى بعد ٤٨ ساعة وتحرير الرهائن، ليتبعها فى ٦ يونيه قتل مصور تليفزيونى أيرلندى وأصيب زميله البريطانى مراسل هيئة الإذاعة البريطانية فى اعتداء بحى “السويدي” فى العاصمة “الرياض”، كما كان هناك فى ٦ ديسمبر محاولة اقتحام فاشلة لمبنى “القنصلية الأمريكية”بجدة انتهت بمقتل ٣ مسلحين وإلقاء القبض على ٢ آخرين وسقوط عدد من القتلى من غير الأمريكيين، ليختتم العام فى ٢٩ ديسمبر بعمليتين متزامنتين بالرياض استهدفت الأولى مقر “وزارة الداخلية”عبر انتحارى فجر سيارة ليُصاب رجلا أمن من الحراسات، والثانية استهداف مقر “مركز تدريب قوات الطوارئ الخاصة” فى الرياض عبر انتحاريين حاولا تفجير سيارة بالمركز، قبل أن تفجرهما السلطات الأمنية قبل دخول السيارة إلى مقر المركز.


عام ٢٠٠٥ شهد اغتيال ضابط شرطة من جهاز المباحث العامة فى ١٨ يونيه بضاحية “الشرائع” بمكة المكرمة على يد اثنين من الإرهابيين، أطلقوا عليه نحو ٢٠ رصاصة من سلاح ناري، وفى ٢٤ فبراير ٢٠٠٦ أحبطت السلطات الأمنية محاولة فاشلة استهدفت “معامل بقيق لتكرير النفط” شرقى السعودية، حيث حاول انتحاريون تفجير سيارتين كانوا يستقلانها قبل أن تتمكن حراسات المعامل من قتلهم كما استشهد رجلا أمن، وبعدها فى ١٢مايو ٢٠٠٦ تعرضت “القنصلية الأمريكية” بجدة إلى إطلاق نار من مسلح قبل أن تتمكن سلطات الأمن من إلقاء القبض عليه بعد أن أصابته، بينما شهد عام ٢٠٠٩ محاولة اغتيال فاشلة للأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية السعودية (ولى العهد السعودى الآن)، حيث نفذت باستخدام تقنية الجوال المفخخ فى محاولة الاغتيال الفاشلة قبل أن يقتل منفذها.


لم يقف الإرهاب عن استهداف المملكة السعودية عند هذا التاريخ وهذه العمليات هى بعض وليست كل العمليات، فهى عينة تظهر تنوع وإصرار الإرهاب على تنفيذ عملياته حتى ولو على الأراضى المقدسة رغبة فى استهداف أمن المملكة بكافة أنواع وأشكال العمل الإرهابى المسلح، والموجة الحالية (موجة الإرهاب الثالثة) لن تتوقف فى المدى المنظور وهو ما يلقى على أجهزة الأمن السعودية مهمة ثقيلة، فى محاولة تجفيف منابعه الداخلية ورصد وملاحقة القادمين من ساحات الصراع المختلفة المتاخمة لحدود المملكة.