تأثير ثورة ٣٠ يونيه على المعادلتين الدولية والإقليمية «٣»

13/07/2016 - 11:47:02

لواء د. مصطفى كامل محمد

فى مقال الأسبوع قبل الماضى قمت بتأصيل مفاهيم مصطلحات الشرعـية والمشروعـية والثورة الشعـبية والانقلاب العـسكرى، كنقـطة انطلاق لتحديد طبيعـة تفاعلات أحداث ٣٠ يونيه لتوضيح ما إذا كانت هذه الأحداث تنتمى إلى مفهوم الثورة الشعـبية أم الانقـلاب العـسكرى، وبعـد تأصيـل هذه المفاهيـم، خلصت إلى أن العالم بأسره كان إزاء نموذج فريـد يُعـبـر عن التعـبئة والحشد السلمى لم تشهـده البشريـة من قبل وأظنها لن تشهـده من بعـد،


نموذج رائع يستحق أن يُطلق عليه مصطلح « الثورة الشعـبية «، ومن يدعى غـيـر ذلك فـأولئك هم الذيـن فـقـدوا بصيـرتهم قبل بصرهم، ثم تناولت فى مقال الأسبوع الماضى تأثيـرهذه الثورة على سياسة وإستراتيجية الولايات المـتحدة لتحقيق مشروعها الذى يهدف إلى إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط ( الكبير )، وهو المشروع القائـم على تفكيـك وتقسيـم وتفـتـيـت الدول العـربيـة المركزيـة إلى كنتونات صغـيرة، وتوطيـن شعـوبها على أساس العـرق أو الديـن أو الطائفـة أو المذهـب، كهدف رئيسى لتحـقـق غايـتـها القـوميـة، التى تهـدف إلى الاحـتـفاظ بمـركـز الهـيـمنـة Focus of Hegemony على العالم، وحتمية استقراره لديها وعـدم زحزحته من قـلـبها إن رهـبـا أو رغـبـا، وفى مقال اليوم سأتناول تأثيرها على المعادلة الإقليمية، لتبيان تداعـيات سقوط نظام حكم الإخوان فى مصـر عـلى القوى الإقليمية غير العربية فى المنطقة ، حيث ألقت ثورة ٣٠ يونيه بظلالها عـلى جميع هذه القوى الإقليمية على نحو عام، وعلى تركيا على نحو خاص، وربما يُشيـر التصريح الغـريب للقائـد السياسى التركى إلى عمق هذا التأثيـرعلى المعادلة السياسية لتـركيا ومشروعها القـومى فى المنطقة، حيث صرح بالآتى « نعم لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولا للمصالحة مع مصـر»، وكأن مصـر هى التى تسعى للمصالحة وهو الأمر الذى لم يُدركه المتحدث الرسمى للخارجية المصريـة، حيث طلب فى رده على هذا التصريح بأنـه يتعين على تركيا « الاعتراف أولا بشرعية نظام الحكم الراهن فى مصر لإحداث هذه المصالحة «، فهل من المقبـول أن يكتسب نظام الحكم فى مصـر شرعيته من السلطان العثمانى وكأنها تابعة للباب العالى ؟!، وهل من المعقـول أن ينسى السلطان العثمانى الذى يتطاول على مصـر أن الجيش المصرى كان يوما على أعـتاب إستانبول يقرع أبوابها، وأن يجهل المتحدث الرسمى ذلك، ولولا مؤامرة الدول الأوربية وروسيا على محمـد على باشا لكانت تركيا ولايـة مصريـة حتى الآن .


ولكى نتناول مدى تأثيـر ثورة ٣٠ يونيه على المعادلة السياسية لتـركيـا، فإنه يتعين أولا إدراك الغاية النهائية التركية، التى يمكن استخلاصها من تفاعلات سلوكها السياسى، حيث يُمكن إدراكها من سعـيها الدؤوب والحثيث لإعادة صياغة دورها وتعـظيم مكانتها ووزنها فى النسقيـن الدولى والإقـليـمى حسبما تقتضى مصلحتها العـليـا، حتى يبدو للناظرين أنها قـد قفزت إلى مصاف الدول الكبرى، وبما يضمن أن يُسند لها دور فاعل فى أى تفاعـلات إقليمية ودولية قادمة، كما يُمكن إدراك أن منظورها الجيوبوليتيكى يرتكز على مرتكزين رئيسيين لتحقيق هذه الغاية : الأول : هـو السعى الدؤوب لإحياء مشروع الدولة الإسلامية تحت راية العثمانيين الجدد، وهو المشروع الذى يتطابق فى حدوده ومكوناته مع المنظور الجيوبوليتيكى الأمريكى فى تقسيم المنطقة العـربية إلى مناطق نفوذ بين القوى الإقليمية غير العربية، على أن تقوم هذه القوى بالهيمنة على منطقة نفوذها بالوكالة عن الولايات المتحدة، إذ تشمل منطقة نفوذ تركيا فى مخطط التقسيم منطقة شرق وجنوب البحر المتوسط التى تبدأ من تركيا شمال شرق المتوسط مرورا بسوريا ولبنان وحماس فى فلسطين وغـزة ومصر وليبيا وتونس والجزائر إلى دولة المغـرب غـربا، عـلى أن تكون هذه الدول تحت حكم التيار الإسلامى « المعـتدل « الذى يتمثل فى التنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلميـن، أما المرتكز الثانى فهو تنمية القوة الشاملة لتركيا خاصة مقدرتها الاقتصادية، ومقدرتها العسكرية بالتعاون مع الولايات المتحدة باعتبارها ثانى أكبر قوة عـسكرية فى حلف الناتــو من حيث الحجم بعـد الولايات المتحدة .


وجاءت ثورة ٣٠ يونيه لتمثل كابوسا مزعجا لتركيـا، حيث أدت إلى انفراط عـقـد هذه الدول، فأسقطت مشروع تركيا القومى ( إحياء الخلافة العـثمانيـة )، ووقـفت حائلا دون إتمام المشروع الأمريكى ( إعادة هيكلة وتشكيل إقليم الشرق الأوسط «الكبير»)، وفى هذا السياق يمكن التذكيـر بما أعـلنه أحمد داوود أوغـلو أمام البرلمان التركى فى ٢٧ إبريل ٢٠١٢ ) نحن إزاء شرق أوسط جديـد سينشأ فى المنطقة، ستكون تركيا قائـدة لتفاعلاته وناطـقة بلسانـه (، وهو التصريح الذى تصور معه القائد السياسى التركى التعامل مع دول الربيع العـربى خاصة مع مصر وكأنها تابعة للباب العالى، فقام بوصف ثورتها بالانقلاب العـسكرى، ثم قام باستضافة التنظيم الدولى للجماعة فى أنقـرة لبحث سبل إجهاض هذه الثورة، كما استدعت السفيـر المصرى فى تركيا لتملى عـليه خارطة طريق يتعـين على مصر اتباعها، أما السبب الحقيقى للعداء المحكم لهذه الثورة فيكمن فى خشية تركيا قيام ثورة شعبية فيها على غرار ثورة مصر بحكم التجاور الإقليمى، والتقارب السياسى والاقتصادى والاجتماعى  والثقافى، وبحكم التاريخ المشترك .


 ولمواجهة تأثيرات ثورة٣٠ يونيـه التى حالت دون إتمام المشروع الأمريكى ( إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبيـر وفقا للاتفاقات التى عـقـدتها الولايات المتحدة مع قيادة التنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين فى مقابل تمكين الجماعة من حكم دول الربيع العربى )، قامت الولايات المتحدة ببناء تحالف يضم القوى غـيـر العـربيـة ( تركيا وإيران وإسرائيل وإثيوبيا )، ودويلة قطر العـربية حتى تضفى عـليه صفة التحالف الإقليمى، وجعـلت تركيا قائـدة لتفاعلات هذا التحالف والأداة الرئيسية لعرقلة مسيرة الثورة المصرية، حيث واصلـت أنقـرة سياستـها المعـاديـة لمصر، فاستضافت المؤتمر الأول لرابطة عـلماء أهـل السنة ( أحد أفرع التنظيم الدولى للجماعة )، واخـتـتـم أعـمالـه يوم الإثنيـن ٣ فبرايـر ٢٠١٣ بتوصيـة تُضفى غـطاء « شرعيا « لأعمال العـنف والإرهاب التى تمارسها الميليشيات المسلحة التابعة للجماعة الإرهابية والتى خرجت معـظمها إن لم تكن جميعها من رحمها، إذ تقضى هذه التوصية بشرعـية التصدى لكل من يخرج على حاكم شرعى اختارته الأمة بكل الوسائل حتى يرجع عـن غـيَـه ويعـود إلى رشده، ولما كان ما شهدته مصر فى ٣ يوليو يُعـتبـر انقلابـا على الشرعـية وخروجا على الحاكم الشرعى، فإن الشرع يُجيز التصدى لهذا الانقلاب بكل الوسائل بما فى ذلك القتل والتدمير .


أما عن تطبيع العلاقات مع إسرائيل فهناك العديـد من التساؤلات تدور فى الأذهان الآن، ويتعـيـن على السلطان العثمانى الرد عليها، وهى : هل انقطعـت علاقات التعاون الأمنى والعسكرى والاقتصادى الوثيق بين تركيا وإسرائيل يوما ما ؟ وإذا كانت قد انقطعت فمنذ متى تم انقطاعها ؟ وهل قامت إسرائيل بتنفيذ الشرط الوحيد الذى اشترطته عليها أنقرة لتطبيع العلاقات وقامت بفك الحصار عن قطاع غزة أو أوقـفـت ممارساتها الوحشية ضد الشعب الفلسطينى ؟ ففى يقينى أن أردوغان كان يتاجر بدماء آلاف الشهداء والجرحى من الفلسطينيين فى غـزة للترويج فقط لحملته الانتخابية، حيث لا يستطيع أن يُضحى بالمصالح التركية مع إسرائيل وفقا للاتفاقات الاقتصادية والأمنية والعسكرية المبرمة بينهما من ناحية، ولا يستطيع الخروج عن طاعة سيـده فى البيت الأبيض من ناحية أخرى، حيث تعتبـر الولايات المتحدة هى الضامن الوحيد لعـدم عودة الجيش التركى للسيطرة على مقاليد الحكم فى تركيا مرة ثانية، هكذا واصل أردوغان مسلسله الهزلى الذى يلعـب فيه دوره المرسوم بدقة كبطل قومى يدافع عـن القيم الإنسانية الرفيعة إزاء العـدوان الإسرائيلى ضد الشعـب الفلسطينى بغـزة، وقد أجاد أردوغان هذا الدور حين أطلق تصريحاته الناريـة ليتهم إسرائيل بأنها تقوم بتنفيـذ عـملية إبادة ممنهجة ضد الشعـب الفلسطينى تجاوزت كثيرا عمليات هـتـلـر البربريـة، واستنكر الموقف الأمريكى الداعم لإسرائيل دوما، وأدان الصمت الأوربى المريب إزاء هذه الأعمال الوحشية، وجاءت تصريحاته هذه فى إطار حملته الانتخابية فى مدينة أوردو على ساحل البحر الأسود، وفى إطار استكمال الأدوار وجَه ليبرمان إلى أردوغان اتهاما بأنه يُعادى السامية، وهو نفس السيناريو الهابط بالغ السوء الذى لعـب فيه الإثنان دور الكومبارس فى مسلسل السفينة التركية مرمرة، وقد أصلح بينهما كبيرهم أوباما الذى دائما إليه يرجعون، حين كشف فجأة عن تفاصيل المكالمة التليفونية التى اعـتذر فيها نتنياهو لأردوغان عـن حادثة السفينة مع استعـداد إسرائيل لتقديم التعـويضات لأسر الضحايا، وقد قبل أردوغان الاعـتذار فورا ليشترى بقضية مواطنيه ثمنا قليلا طالما أن ذلك سيحقق بعض مصالحه وبقائه على رأس السلطة فى تركيا


أما عـن عـودة العلاقات التركية الروسية فيشير الواقع إلى أن التحرك التركى جاء بعـد أن قبل بوتين رسالة اعتذار أردوغان عن حادثة إسقاط الطائرة السوخوى الروسية (هذا الاعتذار يُعتبر اعترافا صريحا بأن إسقاط الطائرة لم يكن بسبب اختراق المجال الجوى التركى)، فكان التحرك التركى من منظور تبادل المصالح، فالمصلحة التركية العـليـا تقتضى حتمية كسر العزلة السياسية والاقتصادية، والاجتماعـية أيضا ( قرار بوتين باستبعاد العمالة التركية من روسيا ) التى فرضتها موسكو على تركيا بعـد إسقاطها الطائرة الروسية فى منطقة حدودها مع سوريا، بينما يأتى التحرك الروسى من حيث الشكل من منظور قبول بوتين اعتذار أردوغان عن هذه الواقعة، والاتفاق على ذهاب أردوغان إلى الكرملين لتقديم هذا الاعتذار بنفسه آخر الشهر الجارى أو أول شهـر أغسطس، ويأتى التحرك الروسى من حيث المضمون من إدراك بوتين أن المصلحة العـليـا لبلاده تقتضى عـدم توتـر علاقات موسكو مع أنقرة، فما زال موقع تركيا الجيوستراتيجى الفـريـد بين طرفى القارتين الأوربية والآسيوية يلعـب دورا بارزا فى التوازنات والتحالفات التى نشأت بين القوى العظمى والكبرى منذ نشأتها وحتى الآن، إذ تشرف تركيا على البحر المتوسط، وتتحكم فى بحر مرمرة بمضيقيه البسفور والدردنيل اللذين يقعان فى أراضيها ، وتشارك اليونان السيطرة على بحر إيجة، الأمر الذى جعـلها طرفا فاعلا فى النسقين الدولى والإقليمى، فما زال موقعها الجيوستراتيجى يمثل أهمية خاصة لروسيا، حيث تتحكم فى البحـر الأسود الذى يُعـتبـرمنطقة التمركز الرئيسية للأسطول الروسى، والذى يُصبح بحرا مغلقا، وتٌمسى روسيا دولة حبيسة عـنـد إغلاق بحـر مرمرة، حيث يُعـتبر هذا البحر منـفـذ روسيا الوحيـد للوصول إلى مياه البحر المتوسط الدافئة، ومن ثم إلى محيطات العالم .


وبالرغم من كل ذلك، فقد فقدت تركيا قدرتها لوضع حد للتناقضات الحادة فى معادلتها الإستراتيجية، هذه التناقضات قـد وضع أساسها أردوغان منذ اعتلاء حزب العـدالة والتنمية قمة السلطة عام ٢٠٠٢ بالرغم من الطفرة الاقتصادية التى حققها الحزب، والتى نتجت عن الرغبة الأكيدة للانضمام للاتحاد الأوربى، حيث أحدثت هذه الرغـبة كثيرا من التحولات فى النسق القيمى والاجتماعى لتركيا حتى تتسق مع الأنساق القيمية لدول الغـرب، فأصبحت تركيا تتظاهر بالتمسك بمبادىء الشريعة الإسلامية، وفى نفس الوقت لا تستطيع إخفاء مظاهر العـلمانية المفرطة التى تمارسها دون تعـقـل أو انضباط، كما غير قادرة على أن تفرق بين التحديث والتغـريب، فـفـقـدت بالتالى هويتها فى ظل نظام العثمانيين الجدد، فهى تبغى تحالفا مع الغـرب لكنها لا تستطيع أن تنسلخ من الشرق، تريـد محاكاة حضارة الغـرب، لكنها لا تستطيع أن تتخلى عـن ثقافة الشرق، فلا أصبحت شرقية ولا أضحت غربية، ولا أمست إسلامية ولا حتى باتت عـلمانيـة، ولله الأمر من قبل ومن بعـد.


وفى الأسبوع القادم نتناول تأثير ثورة ٢٠ يونيه على إحدى القوى غير العربية الأخرى بإذن الله