من القصص الإسلامى أبو ذر الغفارى التقى الزاهد.. صادق اللهجة7

13/07/2016 - 11:45:36

بقلم - رجائى عطية

الرحيل


 « أبو ذر فى موكبه المتواضع الجليل على راحلته الضامرة .. تتباعد وتتخافت من ورائه الصور العزيزة التى خلفها وراءه بالمدينة ، بينما ركبه يوغل فى الصحراء الموحشة فى طريقه الى الربذة .. إنه لا يدرى لماذا لا تزال دموعه تنهمر حارة سخينة من لحظة فارق علىّ بن أبى طالب وصحبـه .. بل لعلها قد صارت الآن أغزر وأسخن .. إنها ليست المرة الأولـى التى فيهـا يفـارق عليـا والأحباب .. كم دعاه الترحال ودعاه الجهاد إلى الفراق .. فمـا بالـه هـذه المرة يغمره هذا الحزن .. إنه حزين لفراق مثوى الرسول ـ عليه السلام ـ بالمدينة وحزين لفراق آل البيت الذين أحبهـم وأحبـوه .. وما باله لا يحزن وقد اختلطت لوعة الفراق بوجيعة القلـق على أحـوال المسلمين ؟!! .. بل إنه لحزين لفراق عثمان وربما لغضب عثمان .. أليس عثمان الذى وسع مسجد الرسول بالمدينة ؟! أليس هو الرقيق اللين الذى يفيض رحمة وحبًا ؟!! .. بيد أن الغريب أن حزنه يخالطه غير قليل من الرضا ، بل غير قليل من المسرة .. إنه راضٍ لأنه لم يرفع ضد عثمان راية ، ولـم يخلع لـه طاعة .. وإنه لراض بل تراوده غبطة يحسها من قرب تحقق نبوءة الرسول ـ عليه السلام ـ له ..ألم يتنبأ له النبى بأنه يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده ؟.. أليس هذا الرحيل إلى الربذة إيذانا بنهاية الرحلة وتحقق النبوءة المحمدية بعـد أن طال شوقه إلى السفر الطويل ؟! .. أليس اعتكافه وخلوته إلى نفسه فى صحراء الربذة الموحشة إيذانًا بأنه شارف على المشهد الأخير .. حين يعيش وحده ، ولعله سيموت هناك وحده كما أنبأه حبيبه المصطفى ؟! .. إنـه ليس آسيـاً على شىء مما كان ! .. لقد صدقت مواساة على بن أبى طالب له .. أجل ، إنه غضب لله فلم يرج إلاّ من غضب لأجله .. وإنهم خافوه على دنياهم وخافهم هو على دينه .. وها هو يترك لهم الدنيا التى خافوه عليها ، وينجو هو بدينه الذى يخافهم عليه .. كم مست كلمات الإمام علـى شغـاف قلبـه .. علام إذن يبكـى .. إنه لا يبكى على ضنك أصابه ، فما أهون ما يحتمله اليوم إزاء ما احتمله سلفا فى سبيل الله .. ألم يقل له النبى « اصبر حتى تلقانى » إنه إذن لصابر ، وإنه ليذكر فى صبر ترحاله الطويل .. آمن ، وصاحب ، وزامل ، وجاهد ، وصال ، وجال ، .. فكيف له أن ينسى ترحاله سائحًا فى سبيل الله ؟! .. »


* * *


« موضع الربذة بالصحراء القاحلة الموحشة .. أبو ذر ، وقد حط رحاله .. يجـول بنظره فيما حوله فلا يجد ظلاً ولا مأوى .. ينيخ راحلته ، ويتخير موضعاً جعل يقيم فيه خباءً من الوبر والصوف ليتخذه لنفسه دارًا تقيه وهج الشمس وغوائل الصحراء .. أبوذر يتفقد المكان فيتخير موضعا يجعله «زاوية» للصلاة .. يجد ويسعى حاملا ما تصل إليه يداه ويتسع له جهده لإقامة «الزاوية» .. يخطها ويعين موضع القبلة فيها .. يتذكر وهو يقيمها تلك الصلاة التى كان يقيمها باحثًا عن الله فى مضارب غفار .. ويتذكر وهو يقيمها ويحدد قبلتها ترحاله إلى مصر .. وإنه ليذكر فيما يذكر كيف وقف على قبلة الجامع الذى بناه هناك عمرو بـن العاص فـى صحبـة الزبير بن العوام ، والمقداد بن الأسود ، وعبادة بن الصامت ، وأبى الدرداء ..وإنه ليذكر قبلته ومحرابه وأبوابه .. ويذكر كيف اتخذ عمرو بن العاص منبرًا له فيه يخطب عليه ، فكتب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يعزم عليه أن يكسره ويقول له : أما يكفيك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس تحت عقبيك ؟! .. وإنه ليذكر كيف سارع عمرو فكسره .. شتان بين تلك الأيام الخوالى وبين ما يراه الآن .. إنه لايقارن الآن بين القبلتين .. القبلة التى أقامها لجامع عمرو بمصر، وهذه القبلة التى يكاد يرسمها رسمًا على الأرض بصحراء الربذة .. فقد علم مما علمـه القرآن إنه حيثما تولوا فثم وجه الله .. »


* * *


« فى صحراء الربذة .. أمام خباء أبى ذر وبجواره زاوية للصلاة .. يجلس إليه رهط من أهل الكوفة »


الكوفيون : والله ما أنصفك عثمان بإخراجك إلى هذه الصحراء الموحشة ! .


أبو ذر : لا عليكم .. فقد أمرنى الرسول أن أخرج منها إذا بلغ البناء سَلْعًا ..


كوفى : ولكنه الـذى استقدمك مـن الشام ، وسمع قالـة معاويـة فيك ؟ . ثم أخرجك !!


أبو ذر : ( صابرًا ) أمرت أن أطيع وإن أُمر على عبد مجدع..


الكوفيون : قد والله بلغ السيل الزبى ، وما نرى إلاّ أن تنهض بنا فنخلع عثمان ونولى الأمر أهله !


أبو ذر : ( ناهرًا فى حزم ) لا والله .. ( يستأنف ) لو صلبنى عثمان على أطول جذع من جذوع النخل لسمعت وأطعت ، وصبرت واحتسبت ، ورأيت ذلك خيراً لى .. ولو سيرنى ما بين الأفق والأفق لسمعت وأطعت ، وصبرت واحتسبت ، ورأيت ذلك خيرًا لى .. ولو ردنى إلى منزلى لسمعت وأطعت ، وصبرت واحتسبت ، ورأيت ذلك خيرًا لى ..


* * *


« أبو ذر فى خبائه بالربذة .. معه نفر من زواره من المارين فى طريقهم إلى المدينة .. لا يستطيعون إخفاء إشفاقهم مما هو فيه من ضنك ، ولا من خلو خبائه من أى متاع يعيش عليه .. أبوذر يصمت طويلا حتى أشفق الحاضرون من صمته !! »


أبو ذر : ( بعد صمت كالمخاطب نفسه ) لو أن صاحب المنزل يدعنا فيه لملأناه أمتعة .. ولكنه يريد نقلتنا منه ؟!


أحدهم : أى منزل يا أبا ذر وأى أمتعة .. ومن هذا الذى يريد أن ينقلك من هذا الخباء حتى
لا تجد بك حاجة إلى أمتعة تليق بك وتعينك على الحياة ؟!


« أبو ذر صامت لا يجيب .. يبدو عليه أن السائل لم يفهم مرامه .. ولكن أبا ذر لا يفصح »


آخر : ( إلى جاره هامسًا ) لماذا هو صامت لا يحير جوابًا .. هل أغضبته ؟!


ثالث : ( هامسًا ) يا أخا الإسلام ، إنك لم تفهم مرامه .. إن البيت الذى يومىء إليه أبو ذر هو الدنيا ، وصاحبه هو الله سبحانه وتعالى ، يريدنا أن نعلم أننا فى الدنيا فى دار المجاز لننتقل منها إلى دار القرار ، فما فائدة الاقتناء وجمع الثروات والضياع ومآلنا إلى الانتقال والرحيل ؟!


* * *


« أبو ذر بخبائه بالربذة .. تدخل عليه ابنته عليها كساء خشن بال من الصوف .. »


الابنة : يا أبَهْ ، زعم الزاعمون أن أسمالى رديئة ..


أبو ذر : ( ناصحًا شفيقًا ) ضعى ثقتك واحمـدى الله أن أباك ما أمسى يملك حمـراء ولا صفراء إلاّ هذه الأسمال !!


« على مشارف الخباء ، يمر بعض القوم .. يلاحظون ما فى معيشة أبى ذر من خشونة فيعرضون عليه بعض النفقة .. »


أبو ذر : يا عباد الله ، ـ عندنا أعنز نحتلبها وأحمر ننقل عليها ، وفضل عباءة أخاف الحساب عليها ، ذو الدرهمين أشد حسابًا من ذى الدرهم!


* * *


« صحراء الربذة .. المعرور بن سُويد فى بعض أصحابه .. يمر عليهم رجل عليه بُرْد ، ومعه غلامه عليه بُرْد مثله .. يتناجون فيعرفون أن الرجل هو أبو ذر الغفارى صاحب الرسول ـ عليه السلام .. ينتهزون فرصة سلامه عليهم .. فيبتدره المعرور .. »


المعرور : يا صاحب رسول الله ، هلا عملت بُرْدك وبُرْد الغلام حُلة لك ، واشتريت للغلام غيره؟!


أبو ذر : ( متبسطًا ) سأحدثكم بما كان بينى وبين صاحب لى ، كانت أمه أعجمية ، فنلت منها ، ـ فقال لى رسول الله : « ساببت فلانا » ؟ . قلت : نعم . قال : « ذكرت أمه » قلت : « من ساب الرجال ذُكر أبوه وأمه » . فقال : « إنك امرؤ فيه جاهلية .. يا أبا ذر ، إخوانكم ، جعلهم الله تحت أيديكم فمـن كان أخـوه تحت يده فليطعمه من طعامه ، وليلبسه من لباسه ، ولا يكلفه ما يغلبه . »


* * *


« صحراء الربذة .. شيخان من بنى ثعلبة .. يستريحان من وعثاء السفر .. يمر بهم شيخ أشعث أبيض الرأس واللحيـة .. يتهامسـان من هو .. »


الثعلبى الأول : إنه أبو ذر الغفارى .. صاحب رسول الله ..


الثعلبى الثانى : ( لصاحبه ) هلم بنا إليه ..


« يقترب الثعلبيان من أبى ذر ، فيقرئانه السلام .. ويستأذنانه بأن يغسلا رأسه .. أبو ذر يرحب ويستأنس بهما ، وإذ هم يتناجون .. يصل إلى أبى ذر وفد من أهل العراق .. لا يكادون يجلسـون حتى يبتدروا أبـا ذر غاضبين لـه مما حاقه !! .. »


عراقى : ( غاضبًا ) يا أبا ذر ، إن هذا الرجل قد فعل بك ما فعل !! فهل أنت ناصب لك راية فنكلمك برجال ما شئت ؟


أبو ذر : يا أهل الإسلام ، لا تعرضوا علىّ ذلك ، ولا تذلوا السلطان ، فإنه من أذل السلطان فلا توبة له ، والله لو صلبنى عثمان على أطول خشبة أو حبل ، لسمعت وصبرت ورأيت أن ذلك خير لى .


« العراقيون يؤخذون فلا يعلقون كأن على رءوسهم الطير ! »


* * *


« أبو ذر بالربذة ..يعود من مورد الماء ، فيجد الصلاة قد أقيمت وعليها عبد حبشى من رقيق الصدقة .. يقال له مجاشع .. ما إن يرى أبا ذر حتى يتنحى له ليؤم الصلاة .. »


مجاشع : ( لأبى ذر ) تقدم يا أبا ذر ، يرحمك الله


أبو ذر : بل تصلى أنت بنا ..


مجاشع : كيف يا صاحب رسول الله وأنت فينا ؟!


أبو ذر : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لى « اسمع وأطع وإن كان عليك عبد مجـدّع .. ( مقطع الأعضاء ) فلماذا لا أصلى خلفك ؟! .. هلم فصل بنا ، فأنت أخى ..


* * *


« أبو ذر بالربذة .. بزاوية الصلاة وحوله بعض المارين فى طريقهم إلى المدينة .. »


أبو ذر : قد والله سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : « إنى لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم».


أحدهم : فما هى يا صاحب رسول الله ..


أبو ذر : ( يتلـو) « وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا )٢( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ
لا يَحْتَسِبُ )٣( » ( الطلاق ٢ ، ٣ ) .


« أبو ذر يكرر الآية ويعيدها .. »


(مستأنفًا) هل ترون الناس .. ما أكثرهم فى زماننا .. ما فيهم خير إلا تقى أو تائب !


إنه يكفى الدعاء مع البر ما يكفى الطعام من الملح !


سمعت من خليلى إن الله عز وجل يقول : يا ابن آدم إن لقيتنى بملء الأرض ذنوبًا لا تشرك بى شيئا لقيتك بمثلها هدى ..


* * *


« أبو ذر فـى الطريق إلى المدينة ليلحق بالحج .. يمر بالبيضاء بمقابل الربذة .. يلـم بخاطره ما كان أيام النبى حين خرج ليرعى اللقاح فى البيضاء فأغار عليهم عُيينة بن حصن وذووه وقتلوا ابنه .. كم لام نفسه يومها على ما كان منه من اندفاع خلافاً لتحذير النبى .. وها هـو يجـد نفسـه بعد مضى كل هذه السنين أمام قبر ولده بالبيضاء .. »


أبو ذر : ( كأنه ينادى على ابنه بالقبر ) أى بنى ، قد شغلنا الحزن لك عن الحزن عليك .. ليت شعرى ، ما قلت وما قيل لك ؟!!


« يمضى أبو ذر فى طريقه .. تغالبه عبراته .. »


* * *


« فى المدينة .. أبو ذر يمشى وقد قدم من الربذة بإذن عثمان .. يمر به رجل أموى .. »


الأموى : أنت أبو ذر ؟


أبو ذر : نعم .


الأموى : ( ساخرًا ) لولا أنك رجل سوء ما أُخرجت من المدينة !


أبو ذر : ( فى حلم ) بين يدىّ عقبة كؤود .. إنْ نجوتُ منها لا يضرنى ما قلت ، وإن أقعْ فيها فأنا شرّ مما تقول !!


« أبو ذر ينظر حوله متأملاً فيما قام بالمدينة من أبنية علت ، ومظاهر ثراء تفشت !! .. فيهز رأسه مشفقًا .. »


( كالمخاطب نفسه ) ما زلت آمـر بالمعروف ، وأنهـى عـن المنكر ، حتى ما ترك الحقُ لى صديقًا !!!


* * *


« مكة فى موسم الحج .. أبو ذر الغفارى آخِذ بحلقة باب الكعبة .. ينادى فى الحجيج .. »


أبو ذر : ( منادياً ) أنا أبو ذر الغفارى ، من لم يعرفنى فأنا جندب صاحب رسول الله .. سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : «مثل أهل بيتى مثل سفينة نوح .. من ركبها نجا » ..


إنما مالك لك ، أو للجائحة ، أو للوارث .. فلا تكن أعجز الثلاثة .


نفس الإنسان مطيته ، إنْ لم يرفق بها لم تُبلّغْه !..


من لبس مشهوراً من الثياب أو ركب مشهورًا مـن الدواب أعـرض الله عـز وجـل عنـه ، وإن كان كريماً عليه ما دام عليه . (يتلو) « وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ )٣٤( يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ )٣٥( » ( التوبة ٣٤ ، ٣٥ )


« أبوذر يعاود التلاوة بينما يتهافت إليه الحجيج .. »


* * *


« فى منى .. موسم الحج .. يتناقل الحجيج أن عثمان قد أتم الصلاة فى منى وصلى بالناس أربعًا .. يقوم أبو ذر والناس بين داهش ومُستاء وثائر .. فما يكاد أبو ذر يعلم بالخبر ، حتى يثور غضبًا »


أبو ذر : ( غاضبًا ) قد صليت مع رسول الله فى السفر ، فصلى ركعتين ، وصليت مع أبى بكر وعمر .. وهكذا أيضاً صلى عثمان .. فكيف به يتم الصلاة ؟!


أحد الحجيج : قد قال له على وعبد الرحمن بن عوف مثلما قلت ! .


أبو ذر : فبماذا أجاب ؟!


الحاج : قال : إنى أخبرت أن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا فى عامنا الماضى إن الصلاة للمقيم ركعتان ، هذا إمامكم عثمان يصلى ركعتين .. وقد اتخذت بمكة أهلاً ، فرأيت أن أصلى أربعـاً لخوف ما أخاف على الناس ، وأخرى قد اتخذت بها زوجة ، ولى بالطائف أعمال .. فربما أطلعته فأقمت فيه بعد الصدر ..


أبو ذر : ما هذا برأى !! وما ينبغى له أن يتم الصلاة فى السفر !!


« بعد برهة ينهض أبو ذر فيصلى .. يلاحظ الحاضرون أنه يصلى أربعاً ، فيرقبونه مدهوشين حتى يفرغ من صلاته »


بعض الحجيج : ( مدهوشين ) عبت على أمير المؤمنين شيئًا ، ثم تصنعه ؟!


أبو ذر : الخلاف أشد ..


أحد الحجيج : هكذا قال عبد الله بن مسعود ، وقد صلى أربعًا ..


حاج آخر : كذلك عبد الرحمن بن عوف .. عندما بلغه من ابن مسعود ما صنع ، قال له : أما الآن فسوف يكون الذى تقول ..


أبو ذر : إن رسول الله خطبنا يوماً فقال : « إنه كائن بعدى سلطان فلا تذلوه ، فمن أراد أن يذله فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، وليس بمقبول منه توبة حتى يسد ثلمته التى ثلم ، وليس بفاعل !! »


* * *


« دار أمير المؤمنين عثمان بن عفان بالمدينة ، وقد جلس إليه رهط من المسلمين ، فيهم كعب الأحبار .. يدخل من يستأذن لأبى ذر ، فيأذن له عثمان »


أموى : ( هامسًا لأنصارى بجواره ) أليس فى الربذة ؟! ما الذى أتى به ؟!


الأنصارى : قد أرسل إليه أمير المؤمنين أن يتعاهد المدينة حتى لا يرتد أعرابيًّا .. وها هو يفعل .


« يدخل أبو ذر فيستقبله عثمان هاشـًا .. ولكن أبا ذر يلحظ أمام عثمان كومًا من الذهب جاءوا به إليه من تركة
عبد الرحمن بن عوف .. الكوم يكاد أن يحجب الجالس خلفه ، فلا يكاد أبو ذر يجلس حتى يبادر إلى عثمان .. »


أبو ذر : يا أمير المؤمنين ، لا ترضوا من الناس بكف الأذى حتى يبذلوا المعروف ، وقد ينبغى للمؤدى الزكاة ألاّ يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والإخوان ، ويصل القرابات .


عثمان : إنى لأرجو لعبد الرحمن خيرًا ، لأنه كان يتصدق ، ويقرى الضيف ، وترك ما ترون .


كعب الأحبار : ( منبريًا ) .. من أدى الفريضة فقد قضى ما عليه ..


أبو ذر : ( وهو يدفع كعباً بعصاه ) يا ابن اليهودية ، ما أنت وما هاهنا ؟!! تقول لرجل مات وترك هذا المال إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة وتقطع على الله بذلك ، وأنا سمعت النبى ـ صلـى الله عليه وسلم ـ يقول : « ما يسرنى أن أموت وأدع ما يزن قيراطًا »


« يبدو الغضب على عثمان حتى يحمر وجهه .. ولكن عثمان يهدىء من غضبه ويسأل كعب الأحبار أن يهبه شجته ، فيهبها له فيعفو عثمان عن أبى ذر .. »


عثمان : ( لأبى ذر ) يا أبا ذر ، اتق الله واكفف يدك ولسانك ..


« ينصرف أبو ذر آسيًا مهمومًا »


* * *


« أبو ذر بالمسجد بالمدينة .. بعد الحج .. حوله بعض المسلمين»


أبو ذر : ( ناصحًا ) لك فى مالك شريكان .. إذا جاءا أخذا ولم يؤامراك..


أحدهم : ومن هما يا صاحب رسول الله ؟


أبو ذر : ( مجيبًا ) الحَدثَان والقدر .. كلاهما يمر على الغث والثمين ، والورثة ينتظرون متى تموت ، يأخذون ما تحت يدك ! .. وأنت لم تقدم لنفسك ! فإن استطعت ألاً تكون أخسّ الثلاثة نصيبًا فافعل ! .. إنكم إنما تلدون للموت ، وتعمرون للخـراب ، وتحرصـون علـى ما يفنى ، وتتركون ما يبقى ، ألاّ حبذا المكروهان : الموت والفقر !!


* * *


« دار عثمان بالمدينة .. عثمان وأبو ذر يتناجيان بالداخل وقد علت نبرة الحوار .. رهط من المسلمين متزاحمون بالخارج .. تتناهى إلى أسماعهم بعض العبارات الغاضبة .. يسمعون صوت عثمان بوضوح»


عثمان : ( لأحد غلمانه ) ناد فى الناس أنى أحظر على الناس أن يجالسوا أبا ذر أو يكلموه ..


« يخرج أبو ذر ، فيبتدره بعض العراقيين »


العراقيون : يا أبا ذر ، ما لعثمان يفعل بك هذا ؟!!


( محرضين ) فهل أنت ناصب لنا راية ؟!


أبو ذر : ( معرضًا ) يا أهل الإسلام ، لا تعرضوا علىّ ذلك وتذلوا السلطان ..


* * *


« بعد أيام .. أمام دار أبى ذر فى صحراء الربذة .. ومعه سلمة بن نباتة يتحادثان »


سلمة بن نباتة : ( شاكيًا ) والله قد صار أصحابك أكثر الناس مالاً !!


أبو ذر : أما إنهم ليس لهم فى مال الله حق إلاّ ولى مثله ..


سلمة : فما يمنعك .. يرحمك الله ؟!


أبو ذر : قد سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لنا : « إن أقربكم منى مجلسًا يـوم القيامة من خـرج من الدنيا كهيئـته يـوم تركته فيها » .. (يستأنف محزونًا) والله ما منهم أحد إلاً وقد نشب فيها بشىء غيرى !!


* * *


« خباء أبى ذر بالربذة ومعه زوجته .. تدخل عليهما أم طلق ، فتراه شعثًا شاحبًا ، بيده صوف ، قد جعل على عودين ، وهو يغزل بهما .. تنظر مشفقة فى الدار فلا تجد فيه شيئًا !! »


أم طلق : ( وهى تنادى أم ذر ) هذا يا أم ذر شىء من دقيق وسويق.


أبو ذر : يا أم طلق ، شكراً لك ، أما ثوابك ، فعلى الله ! .


* * *


« خباء أبى ذر فى الربذة .. عنده أبو أسماء مع بعض صحبه .. يبادرهم أبو ذر شاكياً إليهم من امرأة ألحت عليه فى الخروج إلى العراق »


أبو ذر : ( لائمًا ) ألا تنظرون ما تأمرنى به ؟ .. تأمرنى أن آتى العراق .


أبو أسماء : ( مقاطعًا ) وما فى ذلك يا صاحب رسول الله ؟


أبو ذر : إنى إذا أتيتها مالوا علىّ بدنياهم ، وإن خليلى عَهِدَ إلىّ : « إن دون جسر جهنم طريقًا ذا دَحْضٍ ومزلّة ».. ( مستأنفًا ) وإنا إن نأتى عليه وفى أحمالنا اقتدار أحرى أن نَنْجُوَ .. من أن نأتى عليه ونحن مواقير.. ( محملون بأثقال ) ..


* * *


« أبو ذر فى خلوته بخبائه بالربذة .. يجلس إليه بعض المسلمين المارين فى طريقهم إلى المدينة .. يهولهم ما عليه من شظف العيش وخلو الدار .. »


أحدهم : ( مشفقًا ) يا أبا ذر .. إنك امرؤ ما تبقى لك من ولد .. فلو اتخذت لك امرأة غير هذه لعلك تنجب ما تقرُ به عينك !


أبو ذر : الحمد لله الذى يأخذهم من دار الفناء ويدخرهم فى دار البقاء ..


آخر : لو اتخذت بساطًا ألين من هذا ؟


أبو ذر : اللهم غفرًا ، ما لى حاجة لأكثر مما ترى .. وإنما قد قتلنى يا أخى يوم لا أدركه !


« تنثال عبرات أبى ذر »


ثالث : ( مستفسرا ) وما يوم لا تدركه يا أبا ذر ؟!!


أبو ذر : طول الأمل .. اشتقت والله إلى السفر الطويل !


* * *


« بعد أيام بخباء أبى ذر بالربذة .. لم يكن اليوم الذى أشرقت شمسـه ، كبـاقى الأيـام !! .. تكاد أم ذر تحس أنفاس الصباح محبوسة مكتومة ، وصمت الصحراء أكثر وحشة وأعمق جلالاً .. ما بـال أم ذر تحس بـأن اليوم ليس كالأيـام .. أبو ذر مريض فى فراشه قد أخذته إغفاءة طويلة يبدو فيها كأنه حالم أو كالحالم .. أم ذر تختلس النظر إلى أبى ذر .. تنظر إليه ملياً وقد غلبها الحزن والإشفاق .. أبو ذر فى فراشه يحس بها فيفتح عينيه فيلحظ وجومها وقلقها .. ما إن ينظر إليها حتى تغالبها عبراتها فتجهش بالبكاء .. »


أبو ذر : ( بوهن ) ما يبكيك ؟ .. ( وقد فهم ما يجول بخاطرها ) فيم البكاء والموت حق ؟


أم ذر : ( وهى تغالب عبراتها ) أنت تموت بالفلاة ، وما يحضرك أحد ، وليس عندى ثوب يسع لك كفنًا ! ..


أبو ذر : ( مكفكفًا عنها ) لا تبكى ، فإنى سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات يوم وأنا عنده فى نفر يقول : ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين .. فكل من كان معى فى ذلك المجلس مات فى جماعة أو قرية .. ولم يبق غيرى ، وقد أصبحت بالفلاة أموت ، فراقبى الطريق .. فإنك سوف ترين ما أقول لك ، فإنى والله ما كذبت ولا كُذبت ..


أم ذر : وأنى ذلك يرحمك الله وقد انقطع الحاج ؟!


أبو ذر : راقبى الطريق !


« تخـرج أم ذر إلـى كثيب قريب .. ترقب الطريق من فوقـه ، فلا تـرى أحداً .. فتعود إلى أبى ذر .. »


أبوذر : هل ترين أحدًا ؟


أم ذر : لا ! ..


أبو ذر : فما جاءت ساعتى بعد !. ناشدتك الله أن تذبحى شاة وتطهيها ..


« تبدو على امرأته الدهشة »


أبو ذر : ( يستأنف بعد برهة ) إذا جاءك الذين يدفنوننى فإنه سيشهدنى قوم صالحون ، فقولى لهـم إن أبـا ذر يقسم عليكم أن لا تركبوا حتى تأكلوا ..


« تمضى الزوجة فتنادى غلام أبى ذر .. وتقوم وإياه بذبـح وسلخ الشاه .. وتسرع بها إلى النار »


أبو ذر : ( بعد فترة وقد ازداد وهنه ) .. أنضجت قدرها ؟ ..


أم ذر : نعم ..


أبو ذر : فاستشرفى الطريق ..


« أم ذر تخرج إلى الكثيب .. ترقب من فوقه ، فترى قوماً تخب بهم رواحلهم كأنهم الطير .. حتى وقفوا عليها »


القادمون : مالك يا أمة الله ؟!


أم ذر : امرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه ..


أحدهم : من هو يرحمك الله ؟!


أم ذر : إنه أبو ذر ..


آخر : صاحب رسول الله ؟! .. فداه أبى وأمى ..


« يردد القادمون عبارة صاحبهم .. ويبادرون جميعًا إلى أبى ذر ، فما يكاد يراهم حتى يبدو عليه الارتياح »


أبو ذر : ( وهو يغالب سكرات الموت ) أبشروا ، فأنتم النفر الذين قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنكم ستشهدون موت واحد من أصحابه بفلاة من الأرض .. وها قد أصبحت اليوم حيث ترون ، ولو أن لى ثوباً من ثيابى لـم أكفـن إلاّ فيه .. فأنشدكم بالله والإسلام لا يكفننى رجل كان أميرًا أو عريفاً أو بريدًا أو نقيبًا ..


« يتقدم فتى من الأنصار »


الفتى الأنصارى : أنا صاحبه ، فما كنت شيئاً من هذا قط .. والثوبان فى صرتى من غزل أمى ..


أبو ذر : ( وقد بدت عليه علامات الارتياح ) أنت صاحبى فكفنى ..


« يحس بدنو لحظته ، فينادى امرأته بصوت واهن »


أبو ذر : ( لزوجته ) استقبلى بى الكعبة ..


« تسرع بمساعدته حتى استقبلت به الكعبة »


أبو ذر : ( يتمتم فى صوت ضعيف ) بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ..


« تغمض عيناه ، وتفيض روحه .. فتنثال عبرات الحاضرين .. ثم يشرع الفتى الأنصارى فى تكفينه »


* * *


« بخارج الدار، جسد أبو ذر بكفنه مسجى على الطريق ، بينما يتهيأ الحاضرون لجنازته .. يصل الصحابى عبد الله بن مسعود فى رهط من أهل العراق معتمرين .. يستوقفهم المشهد ، فيبادرهم غلام أبى ذر»


غلام أبى ذر : هذا أبو ذر صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ، فأعينونا على دفنه ..


الكوفيون : ( وهم يهرعون إلى الجثمان ) نعم ونعمة عين ، لقد أكرمنا الله بذلك ..


« يقف عبد الله بن مسعود محزونًا .. تنثـال عبراته فـى صمت مهيب .. ثم يبدأ صلاة خاشعة »


عبد الله بن مسعود : ( يتمتم وهم يوارون الجثمان ) صدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ..
( متمليًا فى الجثمان وهو يوارى التراب ) أجل أبا ذر ، تمشى وحدك ، وتموت وحدك ، وتبعث وحدك ..