ابن عطاء الله السكندرى

13/07/2016 - 11:42:02

بقلم - أحمد بان

من أهم أعلام التصوف فى القرن السابع الهجرى، الفقيه المالكى والصوفى على طريقة الشاذلى، سمى بقطب العارفين وترجمان الواصلين ومرشد السالكين.


عرف الرجل بأهم مؤلفاته «الحكم العطائية»، التى أودعها خلاصة تجربته فى الترقى على طريق الوصول إلى رضوانه تعالى، وهى كلمات موجزة ملغزة فى بعض الأحيان، تتوخى تحقيق قيمة أو مقام الإحسان، فى نفس العارف تنير له الطريق إلى الله بحكم تستهدى بنور القرآن وصحيح السنة، وهو المنهج الذى التزمه كبار العارفين من أمثاله.


هو تاج الدين أبوالفضل أحمد بن محمد بن عبدالكريم بن عبدالرحمن بن عبدالله بن أحمد بن عيسى بن الحسين بن عطاء الله الجذامى، نسبة إلى قبيلة جذام، وفدت قبيلته إلى مصر مع الفتح الإسلامى واستوطنت الإسكندرية ومنها اكتسب لقبه.


ولد ابن عطاء الله سنة ٦٥٨هـ الموافق لسنة ١٢٦٠م، ونشأ كجده لولده مهتما بالعلوم الشرعية التى تلقاها ونبغ، الطريف أن سلوكه مضمار التصوف كان مفاجئاً، بالنظر إلى أنه كان له موقف سلبى منه حتى أنه كان يقول سخرية من هذ العلم الذى يسميه أعلامه علم الحقيقة «من قال إن هناك علما غير الذى بين أيدينا فقد افترى على الله كذبا”، فما إن تعرف على القطب أبى العباس المرسى، واستمع إليه وأخذ عنه حتى لزمه وأخذ ينهل من حاله وعلمه، حتى قال عن موقفه السابق من الصوفية إنه أصبح يضحك من هذا الكلام الذى ردده عن علم الحقيقة، وأصبح من مريدى أستاذه أبى العباس المرسى الذى نصحه قائلا «إلزم فوالله إن لزمت لتكونن مفتيا فى المذهبين، يقصد مذهب أهل الشريعة ومذهب أهل الحقيقة” متنبئا له بالمزيد من النجاح والقبول معددا له لمراتب سينالها فى المستقبل، وقد صحت نبؤته عنه عندما قال عنه «والله لا يموت هذا الشاب حتى يكون داعيا إلى الله وموصلا إلى الله وليكونن كذا وكذا”.


اختط الرجل لنفسه طريق التصوف الصحيح على الطريقة الشاذلية التى يعد من أعلامها، لكن شهرته ارتبطت بكتابه الحكم العطائية على لسان أهل الطريقة، وهو أفضل كتبه والمعبرة عن منهجه وطريقته، فى جعل التصوف سبيلا لتحقيق مقام الإحسان الذى عرفه العارفون والفقهاء معا بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فبينما انصرفت علوم الشريعة إلى التعرف على مقام الإسلام، وانصرفت علوم التوحيد إلى تحقيق مقام الإيمان، فقد انصرفت علوم التصوف إلى تحقيق مقام الإحسان، هذا المقام الذى يمر عبر معرفة الله بأسمائه وصفاته والتعرف على قدرته والغرق فى حبه تعالى والذوبان عن النفس والشريك.


للرجل العديد من المؤلفات أدركنا بعضها، بينما لم ندرك الآخر منها:


«لطائف المنن فى مناقب الشيخ أبى العباس وشيخه أبى الحسن، القصد المجرد فى معرفة اسم الله المفرد، التنوير فى إسقاط التدبير، أصول مقدمات الوصول، الطريق الجادة فى نيل السعادة، عنوان التوفيق فى آداب الطريق وشرح بهذا الكتاب قصيدة الشيخ أبو مدين «وما لذة العيش إلا فى صحبة الفقرا»، تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس، مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح فى ذكر الله الكريم الفتاح»، كلها عناوين لموضوعات معنية بتمهيد طريق التصوف للسالكين، واستغراق واع بالشريعة وجمع بين علمى الشريعة والحقيقة، وقديما قال أحد الصالحين إن هذا الدين لا يعرف حقيقته إلا صاحب القلب الحى والعقل النير، قلب أحيته الحقائق الربانية تعرف على ربه وتوله بعشقه فأحياه القرب، وعقل استنار بالشريعة والفقه وأعمل عقله فى النص فأدرك مراد الشارع، وقد اكتملت لدى شيخنا ابن عطاء الله أدوات الفقيه وأحوال العارف فصار كوكبا فى عالمه.


لكن شهرته التى جابت الآفاق اقترنت بمؤلفه الأكبر والأهم وهو الحكم العطائية التى قرنت باسمه، والتى جمعها وشرحها العديد من العلماء والعارفين منهم الشيخ بن عجيبة فى كتابه إيقاظ الهمم فى شرح الحكم، والشيخ بن الخطيب الشربينى فى كتابه سواطع الحكم، والشيخ أحمد زروق فى كتابه قرة العين فى شرح العارف بالله ابن عطاء الله السكندرى، وابن عباد النفرى فى كتابه غيث المواهب العليا فى شرح الحكم العطائية، وسعيد حوى فى كتابه مذكرات فى منازل الصديقين والربانيين، كما شرحها وتطرق إليها الشيخ على جمعة مفتى مصر الأسبق والشيخ ماء العينين، كما قدمها فى حلقات على يوتيوب مصطفى اليحياوى، لكن تبقى شروح العالم العارف بالله الشهيد بإذنه تعالى الدكتور سعيد رمضان البوطى عالم الشام الأبرز الأشهر وربما الأعمق والأسهل والأوضح بين كل تلك النسخ، وقد اغتيل الشهيد البوطى وهو يلقى دروسه فى أحد مساجد دمشق قبل ثلاثة أعوام فى ٢١ مارس ٢٠١٣، بعد أن اشتعلت الحرب الأهلية فى سوريا، وربما يكون لنا وقفة مع هذا الرجل فى مقالات قادمة، باعتباره أحد أعلام التصوف فى القرن العشرين، وممن هضموا هذا العلم وأسسوا له مدرسة راسخة فى عالمنا الإسلامى.


لكننا ذكرنا الرجل فى هذه الوقفة الموجزة، لأنه قدم تلك الحكم وشرحها فى حلقات متلفزة من مساجد دمشق دعمت شهرة الحكم العطائية وعرفت بها.


تضمنت تلك الحكم العطائية ٢٦٤ حكمة جمعها فى سفر هام، وبودى لو عددتها لكن لا يتسع لها مقالات، لذا سأذكر أمثلة منها فيما يلى ليتبين لك عزيزى القارىء ما تنطوى عليه من بلاغة وعلم وأسرار يقول: “إن رغبتك البدايات زهدتك النهايات، وإن دعاك إليها ظاهر نهاك عنها باطن، إنما جعلها محلا للاعتبار، ومعدنا لوجود الأكدار تزهيدا لك فيها»، إنها الدنيا التى سكنت عقولنا وقلوبنا فلم تترك محلا لتدبر أو اعتبار.


«العلم النافع هو الذى ينبسط فى الصدر شعاعه وينكشف عن القلب قناعه»، معنى دقيق فى التعرف على العلم النافع وثمراته فى العقل والقلب.


«التواضع الحقيقى هو الناشئ عن شهود عظمته وتجلى صفته»، لاشك فلا تواضع إلا عبر معرفة قدرك، أمام قدر الله بالتعرف على صفاته تعالى.


«قوم تسبق أنوارهم أذكارهم، وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم، وقوم تتساوى أذكارهم وأنوارهم، وقوم لا أذكار ولا أنوار نعوذ بالله من ذلك»، تخيل هذا التقسيم الذى لم يسبقه إليه غيره عن أصناف الناس فى العلاقة مع الله.


«الفكرة فكرتان، فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان، فالأولى لأرباب الاعتبار والثانية لأرباب الشهود والاستبصار».


هذه بعض حكم من تلك الحكم التى صكها الرجل بقلمه وبحاله وبتجربته الغنية المترعة بالفقه والمواجيد والأحوال، وقد استفاد منها العلماء الذين حفظوا للرجل مكانه فقال فيه أحمد زروق: «إنه كان جامعا لأنواع العلوم من تفسير وحديث وفقه وأصول، متعلما على طريق أهل التصوف واعظا انتفع به خلق كثير وسلكوا طريقه، وقال عنه الشيخ الذهبى” كانت له جلالة عظيمة ووقع فى النفوس ومشاركة فى الفضائل، وكان يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسى بكلام يروح النفوس”.


رحم الله الإمام ابن عطاء الله السكندرى ونفعنا بحكمه وطريقته فى التربية والسلوك.