أفراح القبة .. إبداع ما بعده إبداع

13/07/2016 - 11:19:26

  محمد الحنفى محمد الحنفى

بقلم : محمد الحنفى

علينا أن نرفع القبعة لكل من شارك في هذا العمل الرائع «أفراح القبة « التي تم تصوير جزء منها في مؤسسة دار الهلال العريقة ، بدءاً من أصغر فرد حتى المخرج المتميز محمد ياسين ، لأنهم عن جدارة قدموا لنا عملا فنيا مبدعاً من كل العناصر ، نصاً وتمثيلاً ، وتصويرا وديكورا ومونتاجا وموسيقى تصويرية وتتر مقدمة ونهاية وصوتا وإخراجا .


حقيقة ومنذ فترة طويلة لم أشهد هذا اللون من الإبداع في الدراما المصرية ، وهذا التنافس الرهيب والسلس من النجوم الذين أتحفونا بوصلات من التمثيل المتقن .


دعوني في البداية أهنئ السيناريست نشوى زايد وأتصور أنها سليلة العائلة المبدعة آل زايد ، على هذا الورق المذهل الذي يسرقك رغم أنفك دون أن تشعر بضيق أو ملل ، نشوى بثت الروح في أبطال رواية الأديب العالمي الراحل نجيب محفوظ « أفراح القبة « ،التي أصدرها عام ١٩٨١ وظلت حبيسة الأرفف طيلة هذا الوقت حتى آن الأوان لتضيف أهم بصمة للدراما العربية كلها .


ولابد أن أحيي هذا المخرج العبقري محمد ياسين « الذي استطاع جمع كل هؤلاء النجوم في عمل واحد ، وفجر فيهم طاقات تمثيلية جديدة فضلا عن اللوحات المبهرة في كل لقطة ظهرت على الشاشة ، حقاً أحسن ياسين استغلال هؤلاء النجوم ، واستطاع بحسه الفني أن يبعد المشاهد عن مناطق الإثارة الجسدية أو الحسية ليركز على الأبعاد النفسية أو ما وراء تلك المشاهد حتى لو كانت ببدلة رقص أو كانت المؤدية من نجمات الإغراء مثل رانيا يوسف أو صبا مبارك ، لقد جعل المشاهد يتوقف عند دموع الراقصة ثنية عبده «رانيا يوسف « وليس مفاتنها وهي تؤدي وصلة رقص أمام شقيقتها «تحية عبده «أو منى زكي ، وهذا منتهى النجاح من وجهة نظري .


لقد تعامل ياسين مع أبطال العمل ببراعة واستطاع تشكيلهم كما الصلصال، فرأينا النجمة الكبيرة منى زكي وقد قفزت حواجز الإجادة وأعادت تقديم نفسها دراميا بعد إخفاقين كانا كفيلين بإصابتها بعقدة من الشاشة الصغيرة حين قدمت «السندريلا ، ثم آسيا ، وهما عملان لم يحالفهما النجاح ، لكن منى في هذه المرة حصلت على العلامة الكاملة دون مجاملة وبرهنت على أنها قادرة على التحرر من تابوه البنت الشقية ، ناهيك عن الثقة الكبيرة والارتكاز في الأداء المثقل بالموهبة الفذة ، تحية لمنى زكي على «تحية عبده» وقبولها خوض المغامرة والظهور ببدلة رقص للمرة الثانية .


أما هذا الممثل الجبار سيد رجب فيستحق الأوسكار على أدائه المتمكن ، هذا الفنان الذي ظهر على كبر ويفتقد للوسامة ، يثبت لك من عمل لآخر أن بداخله طاقات إبداعية رهيبة ، وأداء يحيرك ، لا تعرف إن كان يمثل أم هو نفس الشخصية بشحمها ولحمها ، ودائما ما يجعل المشاهد يتعاطف معه حتى لو كان شاذاً كما في أفراح القبة ، أو قواداً وهو الدور الذي التصق به .


أما الفنانة صابرين التي رفعنا لها القبعة منذ مسلسلها العظيم أم كلثوم ، فقد كان أداؤها عالمياً ، وكانت في أعلى درجات النضج وهي تؤدي دور «حليمة الكبش « عالمة الكباريهات القديمة صاحبة الماضي التي تريد الفكاك منه ، وكذلك الفنانة القديرة سوسن بدر أو «بدرية» التي لا تتقمص الشخصية بل تنصهر فيها بما لديها من قدرات تمثيلية هائلة ، والولد الشقي أحمد السعدني ،الشهير بأشرف شبندي « القواد «النتن» على حد وصفه، اللص الذي سرق الكاميرا رغم ضآلة عدد مشاهده «٩ مشاهد فقط « .


وأتصور أن هذا الدور من أهم ما قدم السعدني الصغير طوال مشواره الفني حتى الآن واستطاع أن يترك بصمة لدى الجمهور ، وتستحق الفنانة المجتهدة دائما «رانيا يوسف « كل التحية على دور «سنية « الراقصة التي امتهنت الرقص رغم أنفها واستطاعت أن تكسب عطف الجمهور وليس غريزته وهي ترقص أمامه ، رانيا تفوقت على نفسها وقدمت واحداً من أهم الأدوار في حياتها الفنية ، كما تستحق الفنانة الشابة دينا الشربيني ، جائزة التفوق على هذا الأداء المتميز .


ولنجومنا العرب الفنان السوري الكبير جمال سليمان والفنانين الأردنيين إياد نصار وصبا مبارك كل التقدير على أدائهم الرائع في أفراح القبة ، وقدراتهم التمثيلية الرهيبة التي مكنتهم من إثبات وجودهم على خارطة التمثيل في مصر ، فضلاً عن الكاريزما المتأصلة في جمال سليمان .


أعود إلى واحد من أهم عناصر نجاح مسلسل أفراح القبة ، ألا وهو القصة ، قطعا أخذتنا إلى واد آخر غير تلك الوديان التي سأمنا منها في دراما هذا العام ، من أكشن وعنف وخلطبيطة وأشياء لا علاقة لها بالمجتمع المصري ، وبعضها يكرس لمفهوم العنف والبلطجة .


فكرة «أفراح القبة « التي تدور حول إحدى الفرق المسرحية خلال حقبة السبعينيات،وتشارك في مسرحية جديدة تحمل اسم (أفراح القبة)، ويكتشف الممثلون أن أحداث المسرحية تدور حول شخصياتهم الحقيقية في كواليس المسرح، وأن مؤلف المسرحية يعرض أمامهم أسرارهم المشينة التي حدثت بالماضي ، فيسعون لإيقاف هذه المسرحية الفاضحة لهم، لكن صاحب الفرقة يُصر على استكمال العمل لكي يتطهر من آثام الماضي، ويجد الممثلون أنفسهم مجبرين على الاستمرار في تمثيل أدوارهم الحقيقية .


ما أصعب أن يواجه الشخص بماضيه ، أن يقف أمام المرآة ليرى نفسه على حقيقتها دون رتوش أو ماكياج ، أن يصارح نفسه بحقيقته حتى لو كانت مرة ، وهذا ما حدث في «أفراح القبة « وجعلنا نسعد بهذا العمل .


العنصر الآخر هو إبهار المضمون والشكل ، كلاهما اجتمع في عمل واحد ، في وقت واحد ، بقيادة المبدع محمد ياسين والسيناريست نشوى زايد ، ساعدهما كما قلت في البداية الأداء السهل الممتع وليس الممتنع لهذه الكوكبة من الفنانين .


تحية لكل من أسعدونا بأفراح القبة وأنتظر منهم عملا جديداً مميزا في رمضان القادم .