التعليم فى مصر ( ٢- ٢)

13/07/2016 - 11:06:52

  عادل سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

لم يعد فى مصر تعليم جامعى، لا من الناحية العلمية ولا التعليمية، ٩٠ بالمائة من الأبحاث والدراسات المقدمة لنيل الماجستير والدكتوراه مسروقة أو مقتبسة أو قديمة، زمان لتحصل زوجتى على الدكتوراه، قضيت خمس سنوات، كانت نقطة البحث آفة القراد، التى تصيب الجمال والخراف والكلاب، وتكمن خطورتها فى خصوبتها الهائلة، فالقرادة الواحدة تضع أكثر من ٦٠ ألف بيضة، لتتوالد هي الأخرى، وهكذا تتفشى بسرعة مخيفة، وكانت الدكتوراه على دراسة دواء لحقن الدواب والكلاب يوقف تدفق هرمونات الحشرة التناسلية مع دراسة مدى سميته وآثاره الجانبية.


خمس سنوات كئيبة نطارد صيادي القراد وأرانب التجارب وشرائح الحالات والميكروسكوب الالكترونى، وقبل انتهاء الرسالة بقليل تصادف أن أمسكت علبة الدواء واكتشفت أنه صنع فى ألمانيا الغربية، وكعادة الألمان كان بداخله كل البيانات الخاصة بالجرعات وطريقة الاستعمال والمخاطر، وعندما أخبرت زوجتى الباحثة قالت إنها تعرف ذلك قلت لها وما جدوى كل تلك الأبحاث التى أجريناها إذا كانت ألمانيا سبق وبحثتها وقدمتها بعد اختبارها فقالت إن الدكتورة المشرفة على البحث اختارت تلك النقطة.


حصلت زوجتى على الدكتوراه بدرجة امتياز وحصلت الأستاذة المشرفة على البحث على ترقية ومعها رئيس القسم.


فى تلك الأيام تقابلت مع الدكتور عطية عاشور رئيس جمعية الرياضيات على مستوى العالم، وكان الرجل مكتئبا بعد فوزه بجائزة مبارك للعلوم، قال مغموما إنه لا يعرف لماذا حصل على الجائزة لأنه حصل عليها فى زمن الملك فؤاد، وقال إن البحث العلمى فى مصر صفر، لأن ترقيات الأساتذة ترتبط بالأبحاث، قال الرجل قبل ثورة يوليو لم تكن الجامعة تعمل بهذه الطريقة، كان مجلس الكلية يجتمع ويعلن فى الصحف عن حاجته لأستاذ كرسي فى مادة علمية يرى أنها ضرورية للطلاب، ويتقدم لشغل المنصب كل من يرى نفسه مؤهلا من العلماء العرب والأجانب، وتختار الجامعة الأفضل، ولو كان هنديا أو فرنسيا لأن هدف الجامعة ضخ دماء فى جسد البحث العلمى واكتشاف آفاق علمية جديدة، قال د. عطية عاشور إن العلماء قلائل فى مصر وهؤلاء مطاردون والنظام العلمى والجامعى فاشل، ولا يوجد حل للقضاء على هذه الفوضى إلا باستعادة النظام المحترم القديم مثل كل جامعات العالم.


وقال الدكتور عاشور إنه لا يفهم كيف يغيب أستاذ جامعة عن طلابه وجامعته فى الخليج لعشرات السنين ويعود منتفخا بكرش وبأقدمية ليشغل منصب رئيس قسم أو وكيل كلية، بعد أن نسى هناك كل ما تعلمه.


أما عن علاقة الطالب بالأستاذ فحدّث ولا حرج، الدروس الخصوصية الآن فى كل الكليات العملية، بعد أن اكتسبت اسما جليلا (الكورسات) وأصبحت الدراسة فى كليات الطب والصيدلة والهندسة بدونها مستحيلة.


أساتذة الجامعة الأجلاء لم يعد صراعهم على العلم بل على تحصيل عوائد الدروس الخصوصية وبيع المذكرات للطلاب.


داخل الجامعة نفسها شرخ عظيم، بعض الطلاب يلتحق مثلا بكلية التجارة لكنه لا يستطيع أن يلتحق بأحد أقسامها لأنه بمصروفات، بينما صديقه الغنى ينضم للقسم ولو كان أقل فى المجموع.


لكن قمة فساد التعليم الجامعي بلغت ذروتها باختراع سرطان الجامعات الخاصة بمشاركة وبأموال الأساتذة بالجامعات المصرية.


وفى مجالس أمناء الجامعات الخاصة وزراء ورؤساء وزراء سابقون يتقاضون رواتب شهرية بمئات الآلاف من الجنيهات.


من سمح بذلك النزيف؟ لا أحد يعرف، وأين تذهب أموال تلك التجارة التى تزيد بعشرات الأضعاف عن تجارة المخدرات ؟ لا أحد يجرؤ على الكلام.


لو افترضنا أن فى مصر مليون طالب يلتحقون سنويا بالجامعات الخاصة وأن كل طالب يسدد ٢٠ ألف جنيه فقط فإن مصر تنزف سنويا ٢٠ مليار جنيه على الأقل كلها تذهب للخارج.


بعض الجامعات الخاصة الأجنبية تصل فيها تكلفة العام الدراسي الواحد ٥٠ ألف دولار وتلك الأسعار ضعف أسعار انجلترا الشاملة الإقامة الداخلية للطلاب.


هذا بخلاف بيع الكتب والخدمات الأخرى .


هل هناك وزير تعليم واحد يجرؤ على أن يعلن عن دخل الجامعات الأجنبية والخاصة سنويا ؟ لا أعتقد .


وهل هناك رئيس وزراء يجرؤ على إعلان أسماء السادة أمناء مجالس الجامعات الخاصة والأجنبية من الوزراء السابقين والحاليين، وما طبيعة عملهم بالضبط ؟ أشك فى هذا .


لكن دعونا من كل هذا الحقد، وليكن السؤال ماذا أخذت مصر من الجامعات الأجنبية ؟


لقد باعت الجامعة الأمريكية قطعة أرض من ممتلكاتها بميدان التحرير - ولم يعترضها أحد - وراحت لتبنى جامعة فى التجمع الخامس تفوق مساحتها جامعة القاهرة، والسؤال كيف حصلت على كل تلك الأراضي وأين جامعة القاهرة من كل هذه التوسعات؟ .


زمان للالتحاق بالجامعة كان هناك مكتب التنسيق حصن السلام الاجتماعى لا يعرف الغني والفقير، يعرف فقط الدرجات، لكنه الآن فقد مهابته القديمة ولم يعد يقف أمامه سوى أولاد الفقراء والمهمشين.


الغريب أن كل هؤلاء الذين تعلموا بالمجان بالمدارس والجامعات المصرية من أولاد الفقراء يدافعون الآن بضراوة عن التعليم الخاص بعد أن انتقلوا بوجاهة لطبقة الأغنياء.


الطالب الفقير يحصل الآن على ٩٦ بالمائة ولا يلتحق بكلية الطب وزميله الغنى الحاصل على ٨٠ بالمائة يلتحق بكلية الطب ولا يرسب سنة واحدة.


نعم تلك الجامعات الخاصة لا يرسب فيها أحد تقريبا، فالسادة القائمون عليها من أساتذة الجامعات، وضعوا قواعد وشروطا للأساتذة المنتدبين من الجامعة للتدريس بأسعار ضعف مرتباتهم فى الجامعة الحكومية لعل أهمها ألا يرسب أحد من الطلاب.


ما يحدث فى الجامعة يقودنا لكارثة، لا علم ولا تعليم، ونزيف دائم للأموال، وإحساس بالحسرة لدى المصريين على ضياع تكافؤ الفرص واحترام أستاذ الجامعة.


أخيرا قلبي مع الأستاذ العالم الجليل د. نور فرحات الذي يحارب ليفرض علمه على ما يجرى حولنا من تحولات دستورية وقانونية وسياسية، لكنه فى النهاية يصرخ منفردا فى البرية من بين عشرات الآلاف من أساتذة الجامعات الباحثين فقط عن المكاسب.