دفاتر القمح الفاسد

13/07/2016 - 10:57:26

  صورة مما نشر فى المصور عن فساد شون القمح صورة مما نشر فى المصور عن فساد شون القمح

بقلم - عبد اللطيف حامد

غياب الرقابة والمحاسبة السبب الرئيسى وراء الفساد المستشرى فى شون وصوامع القمح بطول البلاد وعرضها، وليس كما يتصور البعض أن الأمر يقتصر على انحراف حفنة من الموظفين فى عدة أماكن فقط، فما خفى كان أعظم.


ولو واصلت لجنة تقصى الحقائق المكونة من أعضاء مجلس النواب حملاتها على صوامع القمح ستكشف كوارث وفضائح لا قبل لهم بتخيلها، ولابد أن تدخل النيابة العامة على خط الأزمة سريعا لمنع لملمة الأوراق، واستخدام طريقة كبش الفداء من الصغار لقطع طرق الوصول إلى الرءوس الكبيرة المتورطة وما أكثرها، وحتى تبدأ « بكرة الفاسدين فى الكر « من أجل تطهير المنظومة من المنبع.


وهنا سيرشد الموظف الذى يرى مصيره التجريس والسجن عن أسياده فى الإجرام والثراء الحرام، «فيا رايح كتر من الفضائح»، «وإن جالك الطوفان حط ابنك تحت رجليك» لكن التوقيت مهم لمنع الدخول فى الصفقات واللجوء إلى سيف المعز وذهبه من كبار الفاسدين مع أتباعهم عشان يشيلوا الليلة، ويكفوا على الخبر ماجورا.


لا أقول ذلك من باب ركوب الموجة أو التشفى فى أحد رغم أن التشفى فى هؤلاء الحرامية وآكلى السحت فرض عين على كل مواطن فى رأيى المتواضع لوضع حد لماخور الفساد الضارب فى عمق مختلف الجهات والمؤسسات على مدى عقود طويلة خصوصا فى نظام حسنى مبارك الذى مهد الأرض له، وقننه بتشريعات وقرارات فوقية ما أنزل الله بها من سلطان، وازداد الفساد ضراوة مع ظاهرة زواج المال بالسلطة فى حكومة أحمد نظيف الأولى، بل أننى أعددت عنه تحقيقا كاملا فى عام ٢٠٠٥ على صفحات « المصور « بعنوان « حقيقة القمح الفاسد»، وتتبعت مراحل دخوله بشكل مفصل ومحدد خاصة المستورد منذ تعاقد المستوردون الذين لا يزيد عددهم على أصابع اليد الواحدة على أقماح لا تصلح للاستهلاك الآدمى، والأخطر أنها مسرطنة ثم دخوله من الموانئ تحت ستار الرشاوى تارة والنفوذ والسطوة تارة أخرى مرورا بوصوله إلى الصوامع والمطاحن لخلطه بالمحصول المحلى لجنى مكاسب بالمليارات.. لكن من يقرأ ومن يراقب ومن يحاسب؟.


وطالما آفة حارتنا النسيان دخلنا فى دوامة قضية أخرى كعادتنا دائما لكننى كتبت فى يناير الماضى مقالا بعنوان « لصوص رغيف العيش « عن مليونيرات القمح الفاسد فى شون وزارة التموين عندما تم ضبط ٥٠٠ طن قمح ودقيق مسرطن داخل شركة مطاحن جنوب القاهرة، وطالبت رئيس الشركة بسرد قائمة المسئولين المتورطين من أكبر رأس إلى أصغر رأس بعيدا عن تلبيسها لأمين المخزن، و»طرمخة القضية»، ويبدو أن هذا ما حدث بالفعل وإلا لماذا لم نر الجناة فى قفص الاتهام؟، ووقتها ناشدت الجهات المعنية بالتحرى والرقابة على كل الشون والصوامع والمطاحن لأن أبناء القرى والنجوع يتداولون قصصا وحكايات ولا ألف ليلة وليلة عن غالبية موظفى الشون التابعة لبنك التنمية والائتمان الزراعى المورد الرئيسى للقمح المحلى لوزارة التموين إلا من رحم ربى، فمنهم من أصبح مليونيرا فى سنوات قليلة من خلال سد الباب فى وجه المزارعين والفلاحين لعدم توريد المحصول فى التوقيت المناسب، والإسراع بإغلاق باب الشون فى وجوههم حتى لا يسلموا الأردب بسعر يتراوح من ٤٤٠ إلى ٤٦٠ جنيها ثم يجوب هؤلاء الفسدة القرى والنجوع لشراء أية كميات من القمح القديم بسعر لا يزيد عن ١٦٠ جنيها للأردب، وتوريدها فى اليوم الأول من الموسم الجديد للحصول على مبالغ ضخمة بالتنسيق مع أعوانهم من الحرامية وخربى الذمم، فلماذا لم يتدخل وزيرا التموين والزراعة مسبقا، وتفعيل أدوات الردع مبكرا، وما الفائدة من البكاء على اللبن المسكوب بينما أموال المصريين دخلت حلوقا «ضلمة» لن تخرجها أبدا لمجرد تشكيل لجنة تقصى حقائق لم تثبت شيئا ولم تنفه على مدى السنوات الخمس الأخيرة!؟.


يا سادة الشعب لا يريد مزيدا من اللجان أو التحقيقات ولا المحاكمات لمواجهة الفساد، فهو موجود على عينك يا تاجر فى تلك الفضيحة المدوية، والوصول إلى الأدلة والبراهين لا يحتاج إلى مشقة، فالبينة واضحة كالشمس، فالصوامع مكدسة بالأقماح العفنة، والحشرات ترتع بها، والكلاب تعوى وتتبول فيها، بل هناك أطنان من التراب فى حقيقتها مثبوتة فى الدفاتر قمحا، فالورق ورقهم والدفاتر دفاترهم كما قال الفنان (حسن البارودي) فى فيلم الزوجة التانية.


لا بديل عن تفعيل قانون « من أين لك هذا على كل المتربحين من قوت المصريين بالقمح الفاسد ليكون بداية للحرب على الفساد فى كل القطاعات إذا كانت النية مبيتة بجد لحصاره. والله أعلم.