لوأد الفتنة لماذا لا نبنى مسجد وكنيسة فى كل قرية بها مسيحيون؟

05/07/2016 - 11:06:58

بقلم - د. ناجح إبراهيم

فى كل فترة قصيرة تبرز أحداث طائفية أو هكذا توصف بين بعض المسلمين والمسيحيين فى قرى الصعيد عامة والمنيا على وجه الخصوص، وقد احتار علماء الاجتماع فى تفسير هذه الظاهرة، هل هذه طائفية ضد المسيحيين؟ أم أنها جزء من الاحتقان الاجتماعى العام؟ أم هى موجة من موجات العنف التى تجتاح المجتمع المصرى بين الحين والآخر؟ أم هى حالة من الصراعات التى يعج بها مجتمعنا ولا تقتصر على الصراع بين المسلمين والمسيحيين، ولكنها بين المسلمين والمسلمين بعضهم بعضاً، أو بين بعض المسلمين والحكومة، وباعتبارى صعيديا وأعرف هذه البلاد جيداً وأتابع هذا الملف كثيراً يمكن عرض هذه الظاهرة فى إطار هذه الحقائق المهمة التى لا غنى عنها لكل من يريد تفسير هذه الظاهرة:-


أولاً : فى كل قرية من قرى الصعيد قرابة ٥ آلاف شاب جامعى، ١٠ آلاف شاب فى الثانوى العام والفنى، ١٥ ألف طالب فى الإعدادى والثانوى، ترى ما الذى تقدمه الدولة لشغل فراغ هؤلاء فى الصيف، لا توجد نواد ولا ملاعب، ولا قصور ثقافة حقيقية، ولا مسجد كبير فيه دعاة أصحاب رسالة، ولا كنيسة كبيرة فى كل قرية، ولا مصانع، ولا متاجر كبرى يمكن أن تستوعب طاقة هؤلاء الشباب فى العمل، فضلاً عن البؤس والفقر المتفشى بشكل بشع فى قرى الصعيد .


ترى ماذا يصنع هؤلاء الشباب، فـ»المعسكر البطال يكثر فيه الشغب» كما قال الحكماء، والفراغ هو أصل كل المشاكل، فضلاً عن أن ضيق المكان يضيق النفوس، هذه القرى امتلأت بالمقاهى، أصبح الشباب القروى يسهر إلى الفجر، بدأت نسب الطلاق العالية تدخل القرى فى الصعيد، بدأ سن الزواج يتأخر لضيق ذات اليد، تحولت القرى من منتجة إلى مستهلكة .


ثانياً : كان العراق أيام صدام حسين يستوعب قرابة من ٥-٦ ملايين من العمالة المصرية، ومعظم هذه العمالة كانت من قرى الصعيد، وكانت ليبيا تستوعب قرابة ١.٥ مليون عامل أيام القذافى، وبعد الغزو الأمريكى للعراق وزوال حكم صدام طردت هذه العمالة ولم يستطع أى عامل مصرى الذهاب للعراق مرة أخرى نظراً للظروف المعقدة هناك والتى لا مجال لشرحها الآن .


وبعد الثورة على القذافى وانتشار الفوضى والقتل والإرهاب والسلاح فى ليبيا لم يذهب أحد إلى ليبيا .


وكان كل قروى يعمل فى ليبيا أو العراق ينفق على خمسة من أسرته فى المتوسط، أى أن هؤلاء رفعوا عن كاهل الدولة المصرية عبء الإنفاق على ٣٥ مليون مصرى، وكان شباب القرى الصعيدية يذهبون للخليج فلما قلص الخليجيون الوظائف نظراً لظروف كثيرة مر بها الخليج ومن أهمها خفض سعر البترول، أدى ذلك إلى الاستغناء عن العمالة المصرية غير المتخصصة وأكثرها من القرى المصرية الصعيدية أى أن البطالة فى الصعيد على أشدها، والشاب الصعيدى لا مستقبل له على الإطلاق سواءً كان جامعياً أم غير جامعى .


ثالثاً : هل تتصور أن معظم قرى الصعيد ليس فيها صرف صحى، الذى يعد أبسط حقوق المواطن .


أما طرق الصعيد السريعة فهى مأساة بالمعنى الحقيقى، باستثناء طريق الكريمات الذى أنشأه الجيش وحافظ على سلامته وصيانته ولكن يعيبه وجود قطاع الطرق بين الحين والآخر وخلوه من الخدمات .


أما الطرق إلى القرى وبينها فهى مأساة بالمعنى الحقيقى فكلها مطبات صناعية غير قانونية ومطبات أخرى لعدم الصيانة، والمسافة مثلاً بين ديروط وأسيوط لا تجاوز ٦٠ كم فيها أكثر من سبعين مطباً، وهذه الطرق لم تتم صيانتها منذ سبع سنوات، أما مياه الشرب فهى سيئة جداً، ولا تصلح حقيقة للشرب وقد تصيب القروى بفيروس A أو B الكبدى ولذلك يضطر الميسور من القرويين لتركيب فلاتر لإنقاذ أولادهم من الفيروسات الكبدية .


رابعاً : المشاكل التى تحدث بين المسلمين والمسيحيين فى قرى الصعيد لا تعد احتقاناً طائفياً ولكنها تعد احتقاناً مجتمعياً فى المقام الأول، فنسبة المشاكل والصراعات فى القرى بين العائلات المسلمة بعضها البعض أكثر من مئات المرات من الاحتقانات بين المسلمين والمسيحيين .


إنها أزمة مجتمع، فالصراع بين «الهلايل والدابودية» فى إحدى قرى أسوان وكلاهما مسلم أسقطت ٢٨ قتيلاً وعشرات الجراحى وحكمت المحكمة بإعدام ٢٥ متهماً فى هذه القضية .


وفى إحدى قرى ديروط تقاتلت عائلتان أيام الفراغ الأمنى بعد ثورة ٢٥ يناير فى أحد أيام شهر رمضان فسقط منهما ٢١ قتيلاً فى مذبحة مؤسفة .


خامساً : قضية الكرم وغيرها من القضايا بين المسلمين والمسيحيين فى المنيا وغيرها هى قضايا جنائية من الطراز الأول وتحويلها إلى قضايا طائفية يضر الوطن، ولا يفيد حتى الذين يريدون تحويلها إلى طائفية بغيضة، ومثل هذه القضية تتكرر أحياناً بين مسلمين ومسلمين أو مسيحيين ومسيحيين بصورة أو بأخرى .


سادساً: قرى الصعيد عبارة عن ترسانة أسلحة تبدأ بالمسدسات والآلى وتنتهى بالمدافع المتوسطة والجرنيوف، وكانت الأسلحة فى الصعيد قد قلت نسبياً فى أواخر عهد مبارك ولكن حالة الانفلات الأمنى التى أعقبت انهيار الشرطة المصرية عقب ثورة ٢٥ يناير أدت إلى تدفق أسلحة الجيش الليبى إلى مصر عبر السلوم، مما أعاد ترسانة الأسلحة إلى الصعيد مرة أخرى .


والشرطة لا تضبط إلا أسلحة الغلابة ومن لا ظهر لهم، أما العائلات الكبيرة فهى محتفظة بأسلحتها الخفيفة والثقيلة والتى يحميها كبراؤها الذين يشغلون عادة مناصب كبرى فى كل أجهزة الدولة الحساسة ويتوارثونها جيلاً بعد جيل .


سابعاً : قرى الصعيد تجتمع فيها عوامل الفقر، البطالة، الفقر الثقافى، ضيق المكان، ضيق الأفق، غلاء الأسعار، عدم وجود الخدمات، عدم وجود الدولة بالكلية سوى الاهتمام بالأمن السياسى فقط، غياب شخصيات قوية ومقبولة لحل المشكلات، ضعف الانتماء للوطن الذى لم يقدم للقروى الصعيدى أى خدمة، غياب الدعوة للدين الحق سواءً بوصايا محمد أو المسيح فى المسجد أو الكنيسة.


كل ذلك أدى إلى هذه المشاكل بين المسلمين والمسيحيين من جهة، وبين المسلمين والمسلمين من جهة أخرى، إنها أزمة مجتمعية وليست طائفية .


ثامناً: لماذا لا تبنى الدولة مسجداً ضخماً وكنيسة كبيرة فى كل قرية بحيث تكف محاولات بناء غرفة لعبادة المسيحيين دون تصريح والتى عادة ما تعقبها المشاكل .


ما الذى يضير الإسلام أن تبنى كنيسة فى كل قرية فيها مسيحيون، كما أن معظم القرى تفتقر إلى مسجد كبير حقيقى مكون من خمسة طوابق ويقدم الخدمات الأساسية مثل المستوصف الطبى وتحفيظ القرآن ومحو الأمية والنشاطات الدعوية الأخرى .


تاسعاً: متى يشعر كل مصرى أنه لا يحتاج لظهير قوى لكى يحصل على حقه، ومتى يشعر المسيحى أنه لا يحتاج للكنيسة ليحصل على حقوقه، ومتى يشعر الإسلامى العادى أنه لن يضطهد أو يظلم لأن بعض المتطرفين قاموا بعمل عنف، متى لا يتم تعميم المسئولية أو العقاب على الضعفاء فى مصر، متى يطمئن المصرى الغلبان حينما يذهب إلى قسم الشرطة أنه لن يهان، وإذا سجن ألا يعذب .


عاشراً : متى تنتهى عادة الثأر من الصعيد، متى يضبط جيش البلطجية المتزايد فى مصر، متى يقبض على كل الذين يفرضون الإتاوات على الضعفاء فى البلاد وما أكثرهم وخاصة فى المناطق الشعبية، وكل ذلك يؤدى بطريق غير مباشر إلى هذا الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين والذى يسمى بالطائفى، متى، متى، متى؟! .


حادى عشر : استخدام البعض للفقراء والمساكين والبسطاء لتحقيق مكاسب سياسية أو جعلهم وقوداً لمعارك سياسية لا يريدونها ولا يرغبونها يعد إساءة لهؤلاء الفقراء والمساكين الذين لا يريدون إلا الأمن والأمان والسلامة والعيش الكريم والمحبة مع الناس جميعاً.


ختاماً: متى نفهم جميعاً ذلك النداء العبقرى الذى أطلقه عمر بن الخطاب، حينما ضرب ابن عمرو بن العاص حاكم مصر أحد أقباط مصر»متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» وتعنى هذه الكلمة ضمن ما تعنيه أن الناس جميعاً أحرار مهما كان دينهم ولونهم وعرقهم أو انتماءهم السياسى أو الفكرى، الناس جميعاً أحرار .


وهذه الحرية لم يكتسبوها من دينهم ولا وطنهم ولا أسرتهم ولا عرقهم، ولكن الله وهبها للناس جميعاً وهم فى بطون أمهاتهم، ولكن بعضنا يصر على استعباد أو استبعاد الآخرين أو إقصائهم أو نفيهم أو سجنهم بغير حق.


الكل سواء، الجميع أحرار، وحساب الخلائق عند الله، وكل المصريين سواء أمام القانون، ولكن القانون فى مصر وللأسف أعور لا يرى إلا بعين واحدة ترى القوى دائماً ولا تبصر الضعيف والفقير أبداً .