مشكلة الكنائس بين المنيا والعامرية

05/07/2016 - 11:05:31

بقلم - جمال أسعد

ما هى قصة بناء الكنائس ولماذا أو متى بدأت هذه المشكلة؟ الكنيسة هى بيت الله الذى يعبده المسيحيون وهى التى يمارسون فيها تلك العبادة . مثل المسجد الذى يعبد فيه المسلمون الله الواحد الذى يؤمنون به. وبالطبع فإن الله الواحد الذى يعبده كل من يؤمن به هو الذى خلق الإنسان قبل الأديان وكرمه وسخر له كل ما فى هذه الدنيا لصالحه ولخدمته..


وهو الله سبحانه الذى أراد التعددية فى إطار الوحدة أى تعدد العقائد فى إطار عبادة الواحد ، هو الله الذى نوع الأديان وعدد العقائد وهو الذى أعطى الحق ومنح الحرية لكل إنسان أن يعبده بطريقته وحسب معتقده بل أعطى الله الحرية لهذا الإنسان أن يعبد الله ويؤمن به أو حتى لا يفعل ذلك “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” ومع إرادته بهذه التعددية والتى تعطى كل صاحب دين أن يؤمن يدينه وبصحته عن باقى الأديان فهو أيضاً الذى أوصى فى أديانه بالرغم من الخلاف الدينى أن يقبل الإنسان أخيه الإنسان فإن رفضه دينياً ولكن لابد أن يقبله إنسانياً. ولذلك فكل الأديان فيما يخص العقيدة الإلهية الأساسية أساسها واحد وأن اختلفت فى التفاصيل التى يمكن أن تكون قد تأثرت بالواقع جغرافياً وتاريخياً واجتماعياً. نعم الكل يؤمن بمطلق دينه وبصحة عقيدته . فاليهود يؤمنون أنهم شعب الله المختار والمسيحيون يؤمنون أنهم وارثو ملكوت السموات، والمسلمون هم خيز أمه أخرجت للناس. ولكن إذا كل واحد يؤمن بذلك فلابد أن يعرف جيداً أنه من حق الآخر أن يكون مؤمنا بصحة عقيدته أيضاً، ولكن ليس من حق أحد أن يتصور أنه بتمسكه بدينه وإيمانه بصحته أن يحاسب الآخر الدينى وأن يوزع عليه الإيمان والكفر وأن يدخله الجنة أو يحرمه من السماء لأن هذا هو حق الله وحده “إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذىن أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ شهيد” . نعم من الطبيعى أن يكفر كل طرف الآخر فالكفر يعنى أننى أكفر عن لا يؤمن بما أؤمن به فى أى مجال . فالأهلاوى كافر بانتماء الزملكاوى والعكس صحيح . والمسلم يكفر بما يؤمن به المسيحى والعكس صحيح ولكن هذا لا علاقة له بإيمان المسلمن والمسيحى بالله الواحد. هنا يجب أن تؤمن بصحة دينك بل إنه الحقيقة المطلقة دون غيره وأن تعتقد بأنك بهذا الإيمان ستنال الجنة دون غيرك ولكن فى ذات الوقت أعلم أن الآخر مثلك ومن حقه أن يكون مؤمناً من ذلك أيضاً . ولكن كل هذا لا علاقة له بأن تحرم الآخر من عبادة الله والإيمان به مثلك، ولكن كل واحد على طريقته، ولذلك وعلى ذلك ولحكمه سماوية فبالرغم من تبيين الحقيقة المطلقة لكل دين ومن خلال كتبه السماوية ولكن فى ذات الوقت لم تعلم الكتب السماوية الحرب بينها لمجرد الاختلاف فى التفاصيل التى أرادها الله. فكل الكتب تؤكد على صحة العقيدة دون غيرها ولكن تؤكد فى ذات الوقت على التعاون والتعايش والتسامح بين كل البشر وجميع الأديان . أما الاعتداء على الآخر فلا يجب ولا يكون إلا إذا قام الآخر بالاعتداء وهذا فى إطار اجتماعى ثقافى عسكرى أى فى إطار الدفاع عن النفس وهذا غير رفض الآخر والاعتداء عليه وحرق منزله وحرمانه من حقوقه بمجرد أنه مختلف دينياً فهذا لم يقله الله إطلاقاً “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن قبورهم وأن تقسطوا إن الله يحب المقسطين” إليهم فإذا كان الأمر كذلك فلماذا ما نراه من رفض الآخر ومن حرمانه من حقوقه والإعتداء عليه بحجة أنه مختلف دينياً ؟ هل الله قد أعطى هؤلاء الحكم على عقائدهم ونياتهم بل محاسبتهم ومحاكمتهم على إيمانهم أو عدم إيمانهم؟ وهل هناك إكراه للبشر على اعتناق أى دين ؟ فلا إكراه فى الدين.، هل أصبح هؤلاء هم نواب الله على الأرض وهم حارسو الأديان وحماة الإيمان؟ وما علاقة هذه السلوكيات بالإيمان بالله أو حتى بالقانون والأخلاق والإنسانية التى جمع الله كل البشر ووحدهم من خلالها؟ أنه الفكر الدينى غير الصحيح يا سيدى والفكر الدينى هو فكر البشر ورؤيته فى تفسير النص الدينى. فالنص واحد لا تغيير فيه ولكن تفسير البشر للنص من خلال فكرهم الذى يكون منحرفا أو غير فاهم أو له أغراض شخصية ومصالح ذاتية هو المشكلة الأساسية. فإذا كان النص القرآنى واحد فلماذا نرى جماعات وفرقاً متنافرة ومتناقضة وكله باسم النص ولكنه هنا ليس النص ولكن كله نتيجة للتفسير الخاطئ والمتنطع للنص . فإذا كان النص الإنجيلى واحداً فلماذا هذ الاختلاف بين آلاف الطوائف المسيحية حتى إن كل طائفة تخرج الأخرى المختلف معها من خطيرة الإيمان؟ إنه الفكر الدينى الخاطىء أنها المتاجرة بالدين واستغلال الدين لمصالح ذاتية أو حزبية أو تنظيمية أو سياسية. فكم سجل التاريخ قصص وحكايات هذه المتاجرة بالدين وفى كل الأديان وعلى مر الزمان وذلك لما للدين من قداسة لدى كل من يؤمن به . هنا نرى من يعطى الحق لنفسه باعتباره وصياً على الدين أن يقرر أن المسيحى لا يحق له أن يصلى فى مكان يطلق عليه كنيسة مدعيا وزاعماً أن هذا ضد الدين الإسلامى . ولا نعلم من أين جاء بهذا وما علاقة هذه السلوكيات بصحيح الدين الإسلامى وبمقاصده العليا ؟ مع العلم أن هذه السلوكيات تسئ إلى الإسلام . فلو كان الإسلام كذلك ويريد ذلك فكيف عاش المسلمون والمسيحيون مع بعضهم طوال هذا التاريخ. وهل هذه الممارسات تجعل الإسلام قابلاً للآخر ومتسامحاً مع الإنسان أم أنها تعطى فكرة وتؤكد مقولة أن الإسلام لا يقبل الآخر وتكون هنا فرصة لمن يريد أن يتدخل فى شئوننا بحجة حماية الأقليات والحفاظ على حق الإنسان فيما يعبد كما قررت الأديان؟ كما أن من يسمح لنفسه ويعطى الحق لذاته بذلك فهذا يؤمن بتراث وبتفسيرات واجتهادات إنسانية يمكن أن تصيب ويمكن أن تخطئ . ولكن هذه التفسيرات وتلك الاجتهادات هى حق الإنسان فى أن يؤمن بها فكرا ولكن تنفيذ هذه الأفكار على أرض الواقع فهذا ليس من حقه فهناك مجتمع ودستور وقانون وعلاقات وتاريخ . أما قصة بناء الكنائس بعد هذه المقدمة الطويلةالتى لابد منها . فإن من يرفضون حق الأقباط فى بناء كنائسهم فهذا ناتج عن تراث وتاريخ واجتهادات شخصية تواترت عبر الزمن جعلت المتشددين لأهدافهم الذاتية وحسب رؤيتهم الشخصية يتجاوزون صحيح الإسلام فهل هناك نص قرآنى يقول بهدم الكنائس وحرمان غير المسلمين من عبادة الله الواحد بالطبع لا يوجد هذا النص وإلا يصبح من حق المسلمين ألا توجد كنيسة واحدة أو مسيحى واحد فى أى بلد تم فتحها . كما أن عصور الفتح وزمن الانتشار فهذا كان زمناً له واقعه وآلياته غير الآن . ولذا وجدنا من يدعى أن هدم الكنائس وحرمان المسيحى من العبادة فى كنيسته فهذه خدمة للإسلام وللسلمين . ومن هذا المنطلق كانت هناك مشاكل فى هذا الإطار فهناك من قال إنه تبقى الكنائس التى كانت عند الفتح ولا يجب أن تجدد كنائس أخرى ولهذا ولدت وتوالدت وورثت هذه المشكلة فى التاريخ لدى كل التيارات المتشددة . وصارت الأمور على هذا المنوال حتى عام عام ١٨٥٦ حيث كانت الدولة العثمانية قد بدأت فى الترهل والضعف فكان هناك ضغوط من روسيا والنمسا وبريطانيا عليها بحجة هذه الورقة الدائمة وهى حماية الأقليات الدينية فما كان من الخليفة العثمانى غير إصدار ما يسمى بالخط الهمايوني ترضية لهذه الدولة ولتفويت الفرصة عليها . وهذا الخط كان أول وثيقة دستورية يعطى كثيرا من الحقوق لغير المسلمين . فهذا الهمايونى أعطى حقوق لم تكن موجودة ومنها بناء الكنائس فيطلب رئيس الطائفة من عظمة السلطان بناء كنيسة فيوافق عظمته على ذلك . وصارت الأمور على هذا حتى كان عامن ١٩٣٤ وعن طريق العزبى وكيل وزارة الداخلية آنذاك والذى أصدر قرار اً بشروط بناء الكنائس فكانت عشرة شروط إعجازية ومعجزة جعلت بناء كنيسة من رابع المستحيلات. الشئ الذى رآكم المشكلة وجعلها متأججة طوال الوثقت فمن يريد بناء كنيسة بقرار العزبى لا يستطيع فى الوقت الذى يحتاج فيه الناس لهذه الكنيسة فيكون الوضع هو التحايل أو البناء يدون تصريح الشئ الذى جعل كثيرا من الكنائس بلا تصريح وهذه مشكلة ستقابل القانون الذى سيصدر من البرلمان حسب الاستحقاق الدستورى الجديد . فى هذا الإطار بعد ظهور التيار الإسلامى المتشدد ومع ظاهرة الاعتداء على الأقباط صاحب ذلك الاعتداء على الكنائس وكأن هذا جزء من عقيدة هؤلاء الدينية حتى أننا قرر أيضاً فى ١٤-٨ بعد فض رابعة حرق الكنائس بطريقة غير مسبوقة خاصة فى المنيا . هنا لماذا لازالت الاعتداءات على الكنائس بل حرمان الأقباط من بناء كنيسة لديها تصريح أى إسقاط القانون كما نرى تلك المهازل التى تحدث فى المنيا والعامرية والتى تسئ إلى الإسلام وإلى القانون بل تهز صورة الدولة والنظام . لأن المنيا والعامرية بها تيار متشدد ولازال يمارس ما يرى خارجه إطار القانون . فالعامرية هى نقطة ارتكاز السلفيين فى الاسكندرية وهؤلاء نرى قائدهم برهامي وما يصدر منه فى تكفير وتفسيق الأقباط فيكون من الطبيعى أن تترجم هذه الفتاوى لدى الشباب المتشدد إلى سلوكيات عملية ضد الأقباط وكنائسهم. أما المنيا فهى من فرخت وأنجبت كل القيادات التنظيمية الإسلامية من كل الأنواع ومنذ سبعينيات القرن الماضى مما راكم فكراً متشدداً لازال يعمل على أرض الواقع دون رادع فكرى أو دينى أو قانونى. أضافة إلى أن المنيا كان بها أكبر قدر من الباشوات الأقباط قبل ثورة ١٩٥٢ والذين قاموا ببناء كنائس كثيرة وكبيرة فى كثير من قرى المنيا وأعتقد أن هذا الكم من الكنائس القديمة التى لا يستطيع أحد هدمها قد جعلت هذا التيار مستفزا منها فيخرج مكنون غضبه فى الكنائس الصغيرة أو التى يراد بناءها بل يتم الاعتداء على من يصلى فى أحد المنازل لعدم وجود كنيسة بالقرية كحل المشكلة الصلاة . وقدر رأينا الخميس الماضى حرق أربعة منازل للأقباط بحجة تحويل أحد المنازل لكنيسة . هذه مشكلة تؤرق الجميع بل يجب أن تؤرق الجميع لأنها ضد طبيعة الأديان ولا تعرف التسامح وتسئ للإسلام وتعطى الغير حقاً لكل الاحتمالات وتهدد سلامة الوطن ووحدته وهى الورقة التى دائما ما تكون جاهزة للاستغلال فإلى متي نترك هذه المشكلة ؟ مع العلم أن إصدار قانون بناء الكنائس لايحل هذه المشكلة بغير حوار مجتمعى وتصحيح أفكار وتغيير ثقافات وتجديد فكر دينى لأنه يمكن أن يصدر قرار ببناء كنيسة وسلوكيات هؤلاء تحول دون بنائها تحت بند الظروف الأمنية . هنا لابد من تطبيق القانون بحزم وحسم بلا تردد لابد من إعادة هيبة الدولة . لابد من قيام الجميع بدوره فى هذه القضية الخطيرة فالقضية ليست بناء كنيسة ولكنها سلامة وطن ووحدة شعب وتزعزع واقع عدم ثقة فى مستقبل . لا تتركوا الأمر فهذه قضية وطن لا طائفة وحتى تكون مصر لكل المصريين.