ضياء رشوان مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية: جماعات التطرف سبب «الفتنة».. والحل العرفى ليس عيبا

05/07/2016 - 11:03:45

حوار: رانيا سالم

قلل ضياء رشوان، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، من خطورة تأثير حادث إشعال عدد من المسلمين النيران فى منزل مسيحى بمحافظة المنيا على الأوضاع الطائفية فى مصر، قائلا إن مثل هذه الحوادث تشهدها كثير من دول العالم.


وأوضح فى حوار لـ«المصور» أن هناك عوامل عدة خلقت مناخا طائفيا فى الصعيد بشكل عام، منها تغذية جذور الجماعات المتطرفة بفعل الرئيس السادات الذى شجع على إنشاء تلك الجماعات لمحاربة اليسار، «ولكنها انقلبت وواجهت الدولة والمسيحيين».


«الحوادث الطائفية ليست جديدة على الدولة المصرية، وترجع إلى ماقبل ١٩١٠، أى قبل ٩ سنوات من ثورة ١٩١٩ التى أحدثت لُحمة والتئاما بين المصريين»، بحسب رشوان، الذى لا يرى مانعًا فى حل أزمات الفتنة الطائفية بالحلول العرفية، «فالحل العرفى ليس عيبا أو قلة أدب».


بعد تكرار حوادث الفتنة الطائفية فى محافظة المنيا خلال الفترة الأخيرة، وآخرها إقدام عدد من المسلمين بإحدى القرى على إحراق منزل مسيحى بعد شكهم أنه يعتزم تحويل المنزل الذى كان تحت الإنشاء لكنيسة.. لماذا المنيا بالتحديد تظهر فيها مثل هذه الحوادث بكثافة؟


هناك عوامل عدة ساعدت على وجود حوادث طائفية فى منطقة الصعيد المصرى وبالأخص محافظة المينا، أولها أن نسبة تمركز الأخوة الأقباط فى محافظات الصعيد «أسيوط، المنيا، سوهاج» مرتفعة.. صحيح أننا لا نمتلك إحصاءات رسمية عن أعداد الأخوة الأقباط بهذه المحافظات، لكن هناك مؤشرات تبرهن بما لا يعطى مجالا للشك أن الأغلبية الساحقة بهذه القرى للأخوة الأقباط، تتفاوت هذه النسبة صعودا أو انخفاضا من قرية إلى أخرى، والأمر الذى يختلف عن محافظات الوجه البحرى والقاهرة.


كما أن محافظة المنيا شهدت نشوء الجماعة الإسلامية فى السبعينات والثمانينات ووقتها كان هناك فرع جامعة أسيوط قبل إنشاء جامعة المنيا، وهى مسألة تاريخية تم التأكد من دقتها، فمحافظ أسيوط وقتها محمد عثمان إسماعيل بناء على توجيهات الرئيس محمد أنور السادات عمل على تشجيع الجماعات الإسلامية بغرض مواجهة اليسار والاشتراكيين، وهو ما يفسر أن تشكيل الجماعة الإسلامية أغلبية عضويتها بلا استثناء من محافظات الصعيد، ومن اللافت أن رئيس مجلس الشورى بالجماعة كرم زهدى من محافظة المنيا.. وتعد المنيا كذلك أحد أضلاع مثلث «بنى سويف، الفيوم، المنيا»، وهى المحافظات الثلاث التى حسمت وفقًا للإحصاءات الرسمية معركة الانتخابات الرئاسية فى الإعادة بين الفريق أحمد شفيق ومحمد مرسى، وهو ما يدل على تزايد أعداد المنتمين لجماعة الإخوان داخل هذه المحافظات، كما أنها بعد فض اعتصام رابعة كانت أكثر محافظات الصعيد التى شهد حرق وتدمير للكنائس.


هل يمكننا القول بأن المنيا محافظة الفتن الطائفية مقارنة بباقى الصعيد؟


لا يمكننا التعميم أو نصدر حكما مطلقا بأننا من حافظة الفتن الطائفية، ولكن الواقع يكشف عن أن الحوادث الطائفية تزيد من الاحتقان الطائفى، وبالتالى تتراكم كل حادثة وتعمل إضافة على ماقبلها، مما يخلق مناخا عاما طائفيا، وهو أمر معاكس لما حدث فى الثمانينيات. كانت محافظة أسيوط هى الأكثر طائفية ولكن تراجعت بشكل كبير لتظهر فى الوقت الحالى بمحافظة المنيا.


فالمناخ الطائفى المسيطر على المحافظة بأكملها هو أحد العوامل المساعدة على تكرار الحوادث الطائفية، لكننا لايمكننا التعميم على كافة الحوادث، لأن كل واقعة تدرس على حدة للتعرف على أسبابها ومن الجانى ومن المجنى عليه، فليس هناك حكم مطلق، وهى فى نهاية الأمر هى وقائع جنائية تُدرس كل منها على حدة.


وهل ارتفاع أعداد الأقباط بالمنيا سبب فى تكرار الحوادث الطائفية؟


هو أحد العوامل، التى أسهمت فى خلق مناخ طائفى ضمن عوامل ذكرتها سابق، لكنه ليس سبب فى حد ذاته، وإلا لوجدنا نفس الأمر أن منطقة مثل شبرا فى القاهرة وهى تضم أكبر نسبة من الأخوة الأقباط، لكن ليس بها أى حوادث طائفية، وغيرها من المناطق التى توجد بها نسب من الأقباط المصريين دون حوادث طائفية تذكر.


انخفاض المستوى الاقتصادى من فقر وبطالة ومرض هل يعد سببا فى تكرار هذه الحوادث؟


الوضع الاقتصادى تُرجع له مشاكل كثيرة، وبالتأكيد يلعب دور من زاوية تدنى وغياب الوعى لدى المواطنين، لكن ليس بالضرورة أن يكون سببًا فى أن يكون الوضع الاقتصادى السيئ وراء ارتفاع الحوادث الطائفية، والدليل أن المنيا ليست أفقر محافظات الصعيد، هناك قرى أكثر فقرًا فى سوهاج وأسيوط، وهناك قرى أكثر فقرًا، وقد تكون خالية من الأقباط، فالأمر فى الأساس يرجع إلى جذور الجماعات المتطرفة.


وهذا يؤكد أن القاهرة بها عدد من العشوائيات كمنشية ناصر بها تجمعات للأقباط ولم تحدث بها حوادث طائفية، ومناطق كالزاوية الحمراء والدرب الأحمر هى مناطق عشوائية ونسبة الفقر مرتفعة ونسبة الأقباط بها كبير، حدثت بها حادثة طائفية فى ١٩٧٤ ولم تتكرر منذ ذلك الحين.


الارتكان إلى الوضع الاقتصادى لايستند له بشكل كبير، وخاصة أن فى دولة كالولايات المتحدة الأمريكية الأوضاع الاقتصادية مرتفعة، لكن النزاعات العنصرية سواء بسبب اللون أو الدين كثيرة، بل أن الدراسات العلمية كشفت أن الأفراد ذوى المستويات الاقتصادية المرتفعة والمنخفضة يتساوى فى حدة العنصرية، فالأول ترتفع حدة عنصريته وتعاليه على المختلف معه عقائديا، أما السفلى فعنصريتها نابعة من أوضاع العمالة وإقبال أصحاب العمل على العمالة الأرخص، وبالتالى تتفاقم عنصرية الدين واللون ورفض المهاجرون، أما الطبقات الوسطى اقتصاديا هى الأكثر قبول للآخرين وتدنى لديه النزاعات العنصرية بشكل كبير.


تكرار الحوادث الطائفية مؤخرا بقدر مبالغ فيه من العنف والشراسة.. كيف يمكن تفسيره؟


الظواهر الاجتماعية والجنائية ومنها حوادث الطائفية، التى تكررت خلال الفترة الماضية لا يمكننا أن ننظر إليها بعيدا عن الوضع الحالى للدولة المصرية.. فهناك حالة من الارتباك الشديد، فالحالة التى تمر بها الدولة المصرية بعد تطورات هامة كقيام ثورتين، ومحاكمة رئيسين من رؤسائها وبقائهما داخل السجن، أوجدت عددا من الظواهر لم نكن نراها سوى نادرًا، ومحافظة المنيا والصعيد المصرى تأثر بالتأكيد بهذه الحالة من الارتباك بالتطورات التى ألمت الدولة المصرية. وتغيير الوضع الحالى يلزمه وقت، فالأمم السابقة أخذت سنوات طويلة للتخلص من هذه الحالة، ونأمل أن نأخذ وقتا أقل.


وما رأيك فى اللجوء إلى جلسات الصلح أو الجلسات العرفية لحل قضايا الفتنة؟


نسبة كبيرة من هذه القضايا تصل إلى ٨٠ و٩٠ فى المائة لاتحل سوى بالحل العرفى.. فعدد كبير ممن يهاجموا الحلول العرفية على غير دراية بطبيعة الحياة الاجتماعية فى مجتمعات الصعيد، فالعرف داخل الصعيد هو أحد مصادر القانون، ولايمكننا الاستغناء عنه، فالعرف هو توافق مابين أطراف المشكلة بغطاء من القانون وليس بمخالفة القانون، وهو مصدر معترف به، فالعرف ليس قلة أدب أو عيبا.


والأخذ بالحل العرفى لايعنى ترك القانون، وإنما يعمل الاثنين معا بالتوازى، فالقانون ليس ملك أحد، ففى النهاية المقصد هو الحيلولة دون وقوع حوادث، تحقق ذلك بالحل العرفى أمر مقبول، بالقانون أمر مقبول، أم غير المقبول هى الحالات التى تتجاوز بالتصالح على حساب القانون.


وأنا شخصيًا أرى فى الحلول العرفية قيمة اجتماعية إيجابية ليست سلبية كما يراها البعض، وخاصة فى طبيعة مجتمع كالصعيد، التجمعات الرئيسية فيه هى عائلات وقبائل، لأن مرتكب الجريمة لديه رادع مسبق وقوى ويعلم العقوبة، التى تقع عليه وعلى عائلته وينفذها فى حالة ارتكابه جريمة.


هل إصدار قانون بناء وترميم الكنائس الذى من المقرر أن يوافق عليه البرلمان قريبا سينهى حوادث الطائفية؟


إنهاء الحوادث الطائفية فى الصعيد يتطلب إيجاد حلول لجميع العوامل السابقة التى تسببت فى خلق مناخ طائفى، وإصدار قانون لبناء وترميم الكنائس أمر هام، بل هو استحقاق دستوري. وبصفتى عضوا بلجنة الخمسين حرصنا على أن نجعله ملزما لمجلس النواب فى دورة الانعقاد الأولى، وكما أعلنت الحكومة فمشروع القانون تم الانتهاء منه بموافقة الكنائس الثلاثة، ويبقى إحالته لمجلس النواب.


القانون سينظم بناء الكنائس وتولى جهة من الدولة تشرف عليها، فكما أن هناك وزارة الأوقاف تتولى الإشراف على المساجد، فعلى الجانب الثانى لابد من وجود جهة حكومية تتولى الإشراف على الكنائس، وهو ما سينص عليه القانون، بالإضافة إلى تحديد أماكن البناء، فمسألة بناء كنيسة فى كل قرية، وربطها بالعوامل الجغرافيا المسافة بين كل كنيسة، أو العوامل الديموغرافية أعداد الأقباط فى كل قرية، هو أمر تنظيمى يُنص عليه فى القانون، فشعار «فى كل شارع وكل قرية» هو شعار سياسى، وفى أكثر الدول الديمقراطية هناك قانون ينظم بناء دور العبادة وساحتها وأماكن تواجدها، حتى أن فى سويسرا تترك إلى مأذن الجوامع.


ومتى تختفى الحوادث الطائفية بين المصريين؟


الحوادث الطائفية ليست جديدة على الدولة المصرية، وترجع إلى ماقبل ١٩١٠، وهو العام الذى عُقد فيه أول مؤتمر للأقباط، بعد حدوث عدد من الصدامات الدامية بين الأقباط والمسلمين فى الصعيد، بعدها جاءت ثورة ١٩١٩ وحدث الالتئام مرة ثانية بين قطبى الأمة داخل حزب الوفد.


والحوادث الطائفية لا تتوفق، وليس هناك مجتمع خال من الطائفية، فهى كأى ظاهرة اجتماعية جنائية تظهر وتختفى مابين عقود وأخرى، وفقًا للعوامل التى تساعد على ظهور مناخى طائفى، أو مناخ ينهى حالة الطائفية، فهناك من يقوم باسترجاع العوامل المسببة للطائفية، وهناك من يعمل على إخمادها، أو تقليل العوامل المسببة للفتن الطائفية.. والدول المتقدمة، وبالأخص الأوربية شهدت نزاعات طائفية دامية، قامت فى الأساس على النزاعات المذهبية، منها ماحدث بين إنجلترا وإسكتلندا استمر لعشرات السنين بين الكاثوليك والبروستانت، وفى الحرب العالمية الأولى الحرب بين ألمانيا البروستانتية وبين فرنسا الكاثولكية.