المجالس العرفية لا تنهى الفتن الطائفية

05/07/2016 - 11:01:54

  خالد ناجح خالد ناجح

بقلم - خالد ناجح

فى كل أزمة طائفية تخرج شائعة تقضى بأن مسيحيا قام بعمل كذا... وكذا، هذا قد يكون الشروع فى بناء كنيسة أو شائعة حب بين طرفين أحدهما مسلم والآخر مسيحي، أو الشجار على تجارة أو خلافات الجيران.


فتحدث المشكلة التى يرى طرفها الأول سواء مسلما أو مسيحيا، أنه أخذ حقه بالقوة وعدم اللجوء للقانون، الذى «من وجهة نظره « لن ينصفه!! وتحدث المعركة و»تولع نار» بين الطرفين فيأتى كل منهم بقبيلته، المسلمون ضد المسيحيين فى كل مكان، حتى لو لم يكن هؤلاء المواطنون يعلمون بما حدث فى المشكلة من البداية، ويتدخل المزايدون من الطرفين»لنصرة الدين»، ويحدث قتال فى الشارع على الهوية الدينية.


وتحدث الخسائر، ويتدخل بيت العيلة الذى يتواجد فى كل مكان الآن، ويضم مدير الأوقاف وكاهن أو قسيس الكنيسة وعمدة القرية أو نواب مجلس النواب الذين يؤدون أسوأ أدوارهم فى إقناع الطرفين بالحل العرفي.


وبينما اعتبرها البعض حلا سلميا للمشاكل والأزمات، لكننى أراها تخالف القانون، وتعمل على إلغاء فكرة الدولة، خصوصا وأن أغلب الحلول العرفية، تتجدد بعدها المشكلات، وبصراحة هذه الجلسات العرفية حلول مسكنة وخروج عن القانون.


رغم أن القانون له طريق واحد، لكنه يتأخر فى النطق بالحكم، فالقضاء لا يفصل بسرعة فى تلك القضايا، الأمر الذى يولد غليلا فى صدور أصحاب الدم، ويحدث خلالها محاولات عديدة بين الطرفين لسفك الدماء.


فالمجالس العرفية من الموروثات القديمة التى لا يمكن أن تموت وتندثر كليًا، ولابد للدولة أن تقوم باستغلال العلاقات التقليدية والعرفية بين المواطنين والقبائل واحتوائها على طريق يساهم فى ارتقاء المجتمع، لا هدمه وإعاقته عن ممارساته القانونية.


فالعرف مكمل للقاعدة القانونية، ويعد أحد مصادر القانون، وقواعده يجب أن تكون مرضيا عنها ومجردة، فالعرف أحيانا يحقق العدالة والرضا، وضرورى ألا يتناقض مع القانون، فهناك عرف طائفى يرتبط بجماعة معينة كالتجار والصيادين وأصحاب حرفة معينة، يتعاملون من خلاله لحل المشكلات بينهم.


لكن مثل تطبيق هذه المجالس على المشكلات الطائفية لا تنجح ولم تنجح فى كثير من المشكلات سابقا.


لابد أولا من تحديث الجلسات العرفية وإذابتها فى الناحية الرسمية للدولة وتوفيق أوضاعها، طالما أن هناك فئات كبيرة تلجأ لها وينتج عنها أشياء إيجابية، لأن العرف صار دستورًا فى بعض الأماكن وأخذوه كسلطان عليهم، مثلما يحدث فى سيناء وعند سكان الصحراء الشرقية والغربية.


فالجلسات العرفية بطبيعتها ترسخ الوضع القبلي، بحيث لا يؤثر الأمن العام ولا المصلحة العليا، وبديلها الحالى اللجوء للقضاء، فالأحكام العرفية لايمكن الاعتداد بها فى ظل وجود دولة قانون، هذه الجلسات تؤدى فعلا إلى الصلح، لكن أغلب الوقائع تشير إلى أنه صلح وقتى، وأن الخلافات سرعان ما تتجدد من جديد، خاصة أن كل طرف لا يرى أنه قد حصل على حقه كاملا، فالجلسة عادة ما يتم فيها كلام من نوعية « خليها عليك المرة دى « و» إنت تسيب وأنا أسيب « والمقصود بها ترك جزء من الحق لصالح الطرف الآخر.


نرجع إلى دولة ٣٠ يونيه التى نراها دولة جديدة تعتمد القانون حكما بين المواطنين، وليس له بديل، وأن الكل أمامه سواء مسلما ومسيحيا، غنيا أو فقيرا، ولا فرق بين إنسان وآخر أمام القضاء إلا بالبينة.


الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال مشاركته فى افتتاح المرحلتين الأولى والثانية من مشروع حى الأسمرات، والذى أكد فيه سيادة القانون وضرورة تطبيقه فى واقعة سيدة المنيا، أعتقد أنه أغلق الطريق أمام الحلول العرفية، ويحبط محاولات من يرغبون فى ذلك خاصة أعضاء المجالس النيابية على مر العصور طمعا فى حل مؤقت وأصوات الطرفين باعتباره حل المشكلة.


يا سادة ما نريده هو تطبيق القانون، محاكمة المجرمين، محاسبة المسئولين من أجهزة تنفيذية وأمنية، العمدة، المحافظ، مدير الأمن بالإضافة إلى الجناة فى كل مشكلة بغض النظر عن ديانتهم.


نحن نريد سيادة الرئيس بناء دولة القانون والمواطنة، ونريد أن تخرج مصر من نفق الطائفية، وتبطل أدوات دولة الحلول العرفية.


سيادة الرئيس أصدر أوامرك بتطبيق القانون، تدخل لوقف مهازل بيت العائلة وضغوط الأجهزة الأمنية.


سيدى الرئيس تحرك سريعا، واتخذ ما يلزم من قرارات بتطبيق القانون ووقف كل محاولات الالتفاف، حتى تنجو مصر من هذه الفتن.


فبعد كل مشكلة تعلن الكنيسة، وأحيانا مجلس كنائس مصر رفضه للحلول العرفية فى المشكلة، مؤكدًا ضرورة تطبيق القانون على كل من أخطأ.


ربما يكون الأسهل عقد جلسات عرفية، حفظا للسلام ومنعا للفتنة، لكن هذا الحل جربناه كثيرًا ولم يردع مجرمًا، وطالما أننا فى دولة ديمقراطية فسيادة القانون هى سيادة للجميع دون تمييز، ويجب أن يُطبق القانون على مَن أخطأ، أو تبرئته إنْ كان بريئًا، دون تمييز دينى أو طبقي، ومن يرتضى بغير القانون لا يريد الخير للبلد وأهلها،فالمجلس العرفي فيه ضياع للحقوق، خاصة أن كارثة فتنة قرية» الكرم « بالمنيا مثلا شهدت تغيرا فى أشكال الفتنة، وهى الاعتداء على سيدة مصرية، وهذه هى الحادثة الأولى التى شهدت حادثة اعتداء على امرأة منذ عهد الفراعنة إلى الآن. صحيح كانت هناك أحداث ثأر وفتن طائفية، لكن امتهان كرامة أنثى لم تحدث فى أى مكان.


ففى الصعيد وفى قضايا ومشاكل الثأر الكل يعرف وخاصة الصعايدة أن الجلسات العرفية تضغط على العائلة الضعيفة، ويتم تهديدها حتى توافق على الصلح، وتنعقد الجلسة، ويتم فيها التنازل عن الحقوق، وبعد فترة تجد نفس العائلة المعتدية تفعل نفس المشكلة مع عائلات أخرى لإحساسهم بالتعالى وأنهم فوق القانون، الصعيد عانى ومازال يعانى من مثل تلك الممارسات والموروثات التى آن الأوان للتخلص منها واللجوء للقانون فى حل مشاكلنا، بدلا من ترك المشاكل تتفاقم دون تحرك، ويكون هناك استسلام للجهل، وتراجع أمام الإرهاب الفكرى الذى سوف ينتصر فى هذه الحالة.


فإذا كنا نريد التقدم وحلا لمشكلاتنا علينا بضرورة الابتعاد عن الحلول العرفية لتسوية مثل هذه الاعتداءات، والتى تؤدى دائمًا إلى ضياع حقوق الأقباط وممارسة ضغوط عليهم للتنازل عن حقوقهم، وبالتالى عدم محاسبة المجرمين المتورطين فى هذه الاعتداءات، ويجب ألا نترك هروب مجرم من عقاب تحت ستار مصالحة، «سيب وأنا أسيب».


أيضا على الدولة اختيار القيادات التنفيذية فى المحافظات التى تشهد أحداث عنف متكررة مثل أسيوط والمنيا وبنى سويف، فالقيادات التنفيذية التى يتم اختيارها فى أغلب الأوقات ليست على مستوى الحدث، وأرجو من الدولة أن تدقق فى اختيار القيادات الأمنية والسياسية فى المحافظات الملتهبة، لا أقبل أن أسمع من محافظ يقول: «دى حادثة بسيطة متكبروهاش»، فمثل هذا الكلام يثير حالة من الغضب وعدم الثقة والإحباط، ويثير الشك فى كفاءة القيادات الموجودة فى تلك المحافظات.


أيضا على الكنيسة توجيه شعبها ورعاياها بعدم إثارة موضوع بناء كنائس فى منازل، حتى لا تثار الفتن، وكذلك الرد على قانون بناء دور العبادة، خاصة بعد انتهاء المناقشات القانونية حوله بين الحكومة والكنائس الثلاث، الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، والذى شهد توافقا على النقاط الخلافية بنسبة تقترب من ٩٩٪، أيضا لدى الحكومة والكنيسة رغبة فى فى تقنين الزى الكنسى، وأسند إلى المستشار منصف سليمان، المستشار القانونى للكنيسة الأرثوذكسية، عمل مشروع القانون.


أشرف الشاذلى مراجعة