بسبب الأزمة السورية.. عودة العلاقات الروسية التركية

05/07/2016 - 10:59:58

تقرير: عزة صبحى

إذا كانت الأزمة السورية أحد أهم أسباب عودة العلاقات بين روسيا وتركيا فلا يمكن إغفال الخسائر الاقتصادية والسياسية التي تعرضت لها أنقرة بسبب تدهور العلاقات مع موسكو والتي أجبرتها علي الخضوع لكل الشروط الروسية، تطبيع العلاقات مع إسرائيل ثم عودة العلاقات مع روسيا بداية سياسية خارجية جديدة لتركيا ستظهر نتائجها الإقليمية تباعاً في الفترة القادمة


بعد أكثر من ستة أشهر من الأزمة بين روسيا وتركيا بسبب إسقاط تركيا للمقاتلة الحربية سوخوي - ٢٤ - وقتل الطيار وما أعقبها من تجميد العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، فوجئ الشارع السياسي الروسي والتركي منذ أيام بإعلان الكرملين عن قيام الرئيس التركي أردوجان بالاتصال بنظيره الروسي بوتين معتذراً عن إسقاط المقاتلة الروسية داعياً إلي إصلاح العلاقات بين البلدين.


أردوجان لم يعتذر فقط بل عبر عن تعاطفه وتعازيه الحارة لعائلة الطيار الروسي الذي قتل وتعهد ببذل كل جهده لإصلاح العلاقات بين أنقرة وموسكو، إضافة إلي التعهد بتقديم المتورطين في هذا الحادث للمحاكمة ودفع التعويضات اللازمة.


موسكو من جانبها لم تتردد في الاستجابة السريعة لهذه المبادرة للتصالح مع تركيا خاصة وأن ذلك شكل استجابة لكل شروطها التي سبق وحددتها لإعادة العلاقات إلي طبيعتها مما يعد انتصاراً دبلوماسياً علي كل المستويات، سارعت موسكو باتخاذ إجراءات عملية وسريعة لتأكيد هذا التحسن بدعوة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو لحضور مؤتمر اقتصادي في مدينة سوتيش الروسية كأول خطوة نحو عودة العلاقات الطبيعية بين البلدين.. وعودة السياح الروس في منتصف هذا الشهر . المفاجأة التي حدثت في الشارع في البلدين فور الإعلان عن هذه الأخبار سبقها عمل شاق ومضن علي كل المستويات التركية مستغلين علاقات أنقرة الطيبة بكل الأطراف التي تملك رصيداً جيداً لدي موسكو للتوسط مع بوتين لإنهاء هذه الأزمة خاصة وأن موسكو أكدت أكثر من مرة إنها لن تقبل بالتنازل عن أي من شروطها الثلاثة. الرئيس الكازاخستاني نور سلطان نزار باييف كان من أهم الذين قاموا بالوساطة في هذه المصالحة علي مدي الشهور الماضية وقد اعترف أردوجان بذلك عندما أعلن المكتب الصحفي في قصر الرئاسة التركي أن أردوجان اتصل هاتفياً بنور سلطان ليشكره رسميا علي دوره في الوساطة بين موسكو وأنقرة، الوساطة لم تكن لتنجح لولا وجود مصالح اقتصادية وسياسية وإقليمية تضررت بشدة بين البلدين بدرجات متفاوتة لكل منهما. تركيا كانت هي الجانب الأكثر تضرراً من هذه القطيعة.


علي الجانب الاقتصادي كادت تركيا أن تخسر ستين مليار دولار استثمارات متبادلة بين البلدين. فلتركيا استثمارات مباشرة جارية في روسيا في صورة مشاريع تنفذها شركات تركية بقيمة عشرين مليار دولار، بالإضافة إلي مائتي ألف موظف وعامل تركي يعملون في هذه المشاريع طردتهم موسكو بعد حادثة الطائرة. كما تأذي القطاع الزراعي التركي بعد وقف استيراد الخضرة والفاكهة واللحوم التركية، حدث نفس الشىء مع قطاع النسيج بعد وقف استيراد الملابس التركية. وكان قطاع السياحة الأكثر تضرراً حيث حرمت أنقرة من خمس ملايين سائح روسي كانوا يزورون تركيا ويدخلون إلي تركيا خمسة مليارات دولارات سنويا. ويعد قطاع الطاقة هو الأكثر حساسية في العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وموسكو حيث يحظي بأهم وأكبر الاستثمارات من البلدين. ذلك أن روسيا هي أهم مورد للغاز إلي تركيا، كما أن الشركات الروسية هي صاحبة أهم مشاريع توليد وتوريد الكهرباء إلي تركيا سواء ببناء محطات توليد الكهرباء أو إنشاء السدود أو من استيراد الكهرباء وتعتبر قمة التعاون في مجال الطاقة بين موسكو وأنقرة في إنشاء أكبر محطة لتوليد الطاقة النووية بتمويل قدره عشرين مليار دولار ممولة بالكامل من روسيا. وإذا كانت روسيا تحقق استفادة مع تركيا فيما يتعلق بامتداد أنبوبة الغاز “ساوث ستريم” الذي يمتد من روسيا إلي أوربا تحت البحر الأسود، إلا أن المؤكد إنه بحسابات المكسب والخسارة علي المستوي الاقتصادي فإن تركيا هي أكبر خاسر بسبب تجميد العلاقات الاقتصادية مع موسكو، وكان ذلك سببا رئيسيا في خضوع تركيا للشروط الروسية.


أما علي المستوي السياسي والإقليمي فكادت تركيا أن تفقد كل نفوذها وأهميتها في المنطقة بسبب تدهور علاقاتها مع موسكو فضلاً عن الأخطار الشديدة التي لحقت بأمنها القومي بسبب وقف الطلعات الجوية التركية علي المناطق الحدودية داخل سوريا لملاحقة الأكراد والتجمعات المسلحة الموجودة داخل الحدود السورية والتي تشن أعمالاً ضد تركيا منطلقة من هناك، وذلك بعد أن هددت روسيا باستهداف الطائرات التركية فوق سوريا بما تملكه من أنظمة دفاعية وهجومية هناك ،وكانت موافقة موسكو علي فتح مكتب تمثيل لأكراد سوريا في العاصمة الروسية انذاراً شديد اللهجة لتركيا لما يمكن أن يمثله الدعم الروسي المادي واللوجيستي للأكراد في إقامة كيان خاص بهم علي الحدود السورية التركية. وكانت تركيا قد عانت بالفعل من عمليات إرهابية في الفترة الماضية قامت بها تنظيمات كردية تلقت دعما عبر الحدود. ليس هذا فقط حيث أدركت تركيا أن تجميد علاقاتها السياسية مع روسيا أدي إلي فقدان أنقرة توازنها في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية واضطرها لقبول الكثير من الأفكار الأمريكية في حل الأزمة السورية قد تتعارض مع مصالحها.وكان أهم مؤشر خطر أدركته تركيا في ضعف موقفها أمام الولايات المتحدة هو عبور مقاتلي تنظيم داعش إلي غرب نهر الفرات في العراق وكان ذلك خطاً أحمر لتركيا التي كانت قد أخذت من واشنطن ضمانات في العام الماضي بإعادة تنظيم داعش إلي مواقعه السابقة في الجهة الأخري من النهر، أدركت أنقرة أن عزلتها السياسية جعلت واشنطن لا تقيم لها اعتباراً في نقض عهدها معها.


تدهور العلاقات التركية الروسية كان من أهم أسباب فقدان أنقرة لنفوذها الإقليمي خاصة فيما يخص المشكلة السورية التي بات التفاوض والتداول حولها يدور بين روسيا وأطراف أخري كثيرة تركيا ليست من بينها. هذا فضلا عن تدهور علاقة أنقرة بالعراق وبلبنان لنفس الأسباب، رغبة تركيا في أن تكون شريكا في أي حل للأزمة السورية حفاظاً علي مصالحها وعدم إقامة كيان كردي علي حدودها مع سوريا يهدد أمنها القومي في هذا الشأن كان وراء خضوع تركيا للشروط الروسية، ولا يمكن هنا إغفال تأثير انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوربي وتزايد احتمالات انهيار هذا الكيان في المستقبل علي قرار تركيا بتغيير سياستها الخارجية بعد أن أدركت أن العالم في تغير سريع وشامل ولابد من مواكبة ذلك.


علي الجانب الروسي لم تكن هناك أضرار اقتصادية خطيرة لحقت بها فقد سبق وتخطت عقوبات أمريكية وغربية أكثر خطورة لم تؤثر فيها، لكن موسكو التي ترتبط بعلاقات جيدة بكل جيران سوريا عدا تركيا كانت ترغب في إكمال منظومة علاقات بكل من يحيط بسوريا لضمان تنفيذ أي اتفاق سياسي يتم التوصل إليه في المستقبل في الأزمة السورية. خاصة فيما يتعلق بعلاقة تركيا بتنظيم داعش حيث تؤكد موسكو باستمرار وجود دعم تركي للتنظيم الإرهابي مما يعوق القضاء عليه، عودة العلاقات بين أنقرة وموسكو يعني ضمنا أنه تم الاتفاق علي نقاط القضاء علي تنظيم داعش ولعل الهجوم علي مطار أتاتورك في أسطنبول علي يد عناصر داعش القادمة من آسيا الوسطي حيث الجمهوريات السوفيتية السابقة أبلغ دليل علي قلق داعش من التقارب الروسي التركي.


الواضح هنا أن تركيا في طريقها الآن لرسم سياسة خارجية جديدة بعد فشل سياسة “صفر أعداء” التي ابتدعها حزب” العدالة والتنمية “في بداية الألفية الثالثة والتي أسفرت عن العداء مع كل الجيران تقريبا. تركيا عبرت علي لسان رئيس وزرائها الجديد علي بلد ريم عن توجهها الجديد في السياسة الخارجية بقوله “إن تركيا بحاجة إلي زيادة أصدقائها وتقليل أعدائها”. وهو ما ظهر في الأسبوع الماضي في تطبيع العلاقات مع إسرائيل حفاظا علي مصالحها مع واشنطن. ثم إعادة العلاقات مع روسيا والتي ستتوج قريبا بلقاء قمة بين بوتين وأردوجان، وفي الطريق مصالحات أخري مع جيران إقليميين.