الاقتصاد هو المحرك الأساسى للموقف الروسى الأخير من التطبيع مع تركيا

05/07/2016 - 10:58:03

د. نبيل رشوان الخبير فى الشئون الروسية

ربما لم يتوقع أحد التداعيات الهامة فى العلاقات التركية ـ الروسية والتى جرى تطبيع العلاقة فيها بشكل سريع وغير منتظر بمجرد أن أصدر القصر الرئاسى التركى بيانا أعلن فيه اعتذاره وعزاءه لأسرة الطيار الروسى الذى قتل أثناء الحادثة الشهيرة بتصدى طائرات تركية لطائرة عسكرية روسية بصرف النظر أين حدث هذا هل هذا كان فوق الأراضى التركية أم داخل الأراضى السورية . وكنت قد كتبت فى مقال سابق على صفحات مجلة المصور الغراء عن أن العلاقات التركية ـ الروسية مآلها إلى التطبيع واستندت إلى هذا على أن ما يجمعه الاقتصاد لا تفرقه السياسة، وحال المشاريع التى المخطط لها بين تركيا وروسيا كان كبيراً وطموحاً بالنسبة للبلدين الجارتين، وحجم التبادل التجارى بين البلدين الذى قارب قبل الأزمة على ٧٠ مليارا كان فى صالح روسيا، على حساب تصدير الغاز والنفط الروسى، وكانت تركيا تعوض الخلل فى الميزان التجارى بالسياحة، وهو ما كانت تعتبره روسيا أحد أسلحتها فى مثل هذه الحالات، وأذكر واقعة اشتكى فيها الرئيس مبارك لنظيره الروسى بوتين من العجز الكبير فى الميزان التجارى بين مصر وروسيا فكان رد الرئيس بوتين لمبارك «لا تنس السياحة الروسية».


وكنت قد تحدثت عندما بدأت تدب الحرارة فى أوصال العلاقات المصرية الروسية عن أن هذه العلاقات تسير على الطريق الصحيح وهو أنها لم تعد تحكمها الأيديولوجية، وعن أنها علاقات براجماتية قائمة على توازن المصالح وتبادل المنافع، وهذا النوع من العلاقات هو الأقوى، هذا ما حدث فى حالة العلاقة مع تركيا، والتى جاءت وروسيا تتعرض لقمة الضغط من الاتحاد الأوربى والتصريحات المتبادلة بين روسيا والاتحاد الأوربى اشتدت فى الفترة الأخيرة، حيث مدد بوتين من العقوبات المقابلة التى تفرضها روسيا بعدم استيراد سلع أوربية إلى ديسمبر من العام القادم وجاء هذا رداً على تصريحات أوربية وخاصة من السيدة ميركل قالت فيها إن روسيا لم تفعل أى شئ فيما يتعلق بحل للأزمة الأوكرانية، ومن ثم فإن استمرار العقوبات على روسيا لاحقاً أصبح أمرا لا مفر منه، وهو الأمر الذى دفع روسيا إلى التسريع بتطبيع العلاقات.


وبالمناسبة معظم المشاركين فى برامج التوك شو الروسية التى اعتبروا اعتذار إردوغان خضوعا للشروط الروسية، ومن ثم طالبوا بتشديد الضغط عليه من قبيل ضرورة دفع تعويض مالى لأسرة الطيار القتيل ودفع ثمن الطائرة وما شاكل ذلك إلا أن هذه الأصوات خفتت بعد أن أعلن رئيس الوزراء الروسى ديميترى ديدفيديف عن رغبة بلاده فى تطبيع العلاقات بأسرع ما يمكن وعودة السياحة، وهو ما طالبت به بعض الأصوات الخافتة فى برامج التوك شو، واعتبرت أن اعتذار الرئيس التركى كاف فقد اعترف بضرب الطائرة وإن لم يعترف بمكان الضرب كما كان يقول من قبل بأن هذا تم فوق الأراضى التركية بعد أن اخترقت المجال الجوى لبلاده.


ولو نظرنا إلى أسباب الأزمتين فى العلاقات الروسية ـ المصرية والعلاقات التركية ـ الروسية من البداية نجد أن التعامل معهما كان يتم بمعايير مختلفة، فكارثة الطائرة الروسية فوق سيناء لم يكن لمصر يد فيه، اللهم إلا ربما خطأ أمنى قد يحدث فى أى مطار فى العالم، فى حين نجد فيما فعلته تركيا صفة الإصرار والترصد، فقد ضربت طائرات تركية طائرة روسية عن عمد ومع سبق الإصرار، وبل وسأذهب لأبعد من ذلك أن تركيا مؤيدة للطرف المعادى لروسيا والرئيس بشار الأسد أى أن ما حدث كان عملا عدائيا ضد روسيا ومصالحها القومية وأمنها القومى الذى ذهبت خارج حدودها من أجل الحفاظ عليه، أى أن الجرم التركى كان كبيراً بحيث لا يقارن بما حدث للطائرة الروسية فوق سينا، ومع ذلك لم تمنع روسيا الطيران التركى، ولم تمنع الطيران الروسى من الطيران، والسياحة وأن انخفضت إلى تركيا إلا أن سياحا كثيرين ممن يستطيعون تحمل ثمن الرحلات المنتظمة كانوا يذهبون إلى تركيا، في حين أنها أوقفت كافة الرحلات إلى مصر، وفى اعتقادى أن فى الأمر رمزية حيث أعربت روسيا بذلك عن أن المسألة يمكن التغاضى عنها بالنسبة لتركيا. فهل حقق الحظر السياحى على تركيا الهدف منه وهو دفع السياح الروس للسياحة والاستجمام فى داخل روسيا وعلى وجه الخصوص للقرم الذى أنفقت روسيا الكثير على بنيته التحتية بالإضافة إلى تدهور سعر العملة الروسى بنسبة ١٠٠٪، وإذا كانت الأسباب هى نفس الأسباب بالنسبة لمصر، فلماذا لم يتم التعامل مع مصر بنفس المنطق.


هنا يجب أن أشير إلى لعبة الأوراق، فهناك الكثير من أوراق اللعب كانت بين تركيا وروسيا، وهذه الأوراق تشمل أوراقا اقتصادية وسياسية، وللحق لعبت بها تركيا جيداً رغم اللهجة الروسية العنيفة فى بداية الأزمة، فلو نظرنا من الناحية الاقتصادية والمشاريع العملاقة العالقة بين البلدين، نجد أن تركيا بدأت تحسن علاقاتها أو تطبع علاقاتها بإسرائيل وهو ما أقلق روسيا على خلفية احتمال استغناء تركيا عن الغاز الروسى والاستيراد من إسرائيل، أو إيران رغم تقاطع المصالح مع الأخيرة فى سوريا، ولا ننسى أن تركيا هى ثانى أكبر مستورد للغاز الروسى فى أوربا بعد ألمانيا، هناك كذلك خط أنابيب الغاز المعروف باسم «السيل التركى» والذى تطمح روسيا من خلاله إلى تصدير الغاز لأوربا عبر وسيط هو تركيا تجنباً للعقوبات والأوربيون يحفظون ماء وجوههم من الحرج من كسر العقوبات مع روسيا والروس يحافظون على عملائهم فى أوربا المشترين للغاز الروسى، وخاصة بعد أن بدأت بعض الدول الأوربية التعامل مع قطر مثل بولندا فى هذا المجال من خلال شراء الغاز المسال، وعلى صعيد آخر لحين اكتمال خط الغاز الذاهب إلى الصين والمعروف باسم القوة السيبيرية والذى تطمح روسيا من خلاله للتخلص من الضغط الأوربى، حيث تعتمد روسيا فى نسبة كبيرة من مداخيلها من العملة الصعبة على تصدير المحروقات من نفط وغاز، والمفترض الانتهاء منه خلال الأعوام القادمة. هناك المحطة النووية التركية لتوليد الكهرباء وكما قلت بالإضافة إلى حوالى ٧٠ مليارا تبادل تجاري كما أن هناك طموح لرفعها إلى مائة. والأهم الآن هو الملف السورى والتفاهمات القادمة، والذى بدون تركيا سيكون من الصعب استقرار الأوضاع فى سوريا، وبدون روسيا أيضاً لن تستقر الأوضاع كذلك حيث تعتبر تركيا وروسيا اللاعبين الأساسيين فى سوريا ومن ثم على النطاق السياسى لابد من التعامل بين البلدين وتنسيق المواقف فى هذا الشأن.


وأريد هنا أن أشير إلى نقطة فى غاية الأهمية فيما يتعلق باستعجال روسيا لتطبيع العلاقات مع الأتراك، فالجميع يعرف أهمية العلاقات الثقافية بين تركيا وروسيا والتى كانت تركيا ترسل من خلالها رجال دين إلى مناطق الفولجا للتتار، الذين يتحدثون التركية لتعليمهم الدين الإسلامى غير المتطرف، ونفس الشئ كان تطمح له روسيا فى القرم، ولكم أن تتخيلوا الدولة الإسلامية الوحيدة تطبع روسيا علاقاتها معها، وتكون العلاقات بالمستوى الاقتصادى والثقافى الذى ستصل إليه بعد التطبيع الكامل، أليس هذا وحده كفيلا بأن يكف الأوربيون عن مطالبة روسيا بعودة القرم إلى أحضان أوكرانيا بتتارها ذوى الأصول واللغة التركية أو على الأقل أن يكفوا عن العقوبات، فهم لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك فى نهاية الأمر وهذه خطوة روسية جيدة للحفاظ على وحدة الأراضى الروسية. والأتراك من جانبهم لا يفرق الأمر معهم كثيراً فالقرم إذا تركتها روسيا،وهذا هو المستحيل بعينه، ستعود إلى أوكرانيا، رغم الجذور العميقة فى علاقات تتار القرم بتركيا.


أنا طبعا لا أتحدث عن الذى من الممكن أن نقدمه نحن لروسيا فى أزمتها الحالية، وما أخذت روسيا ، وظللنا نكايد الأمريكيين ونتعامل مع روسيا بمنطق الستينيات روسيا ستعطينا بدون مقابل، روسيا ستعطينا بالأجل، وقلنا مليون مرة الزمن اختلف وروسيا تحكمها علاقات السوق الرأسمالية مثلها فى ذلك مثل أى دولة فى العالم نتعامل معها، وأريد هنا أن أتساءل، لماذا لم تعد مصر السفير المصرى إلى دمشق دعماً للموقف الروسى فى الحرب على الإرهاب الذى نعانى نحن أنفسنا منه، خاصة أن من سحب السفير نظام الإخوان المسلمين الذى قام الرئيس السيسى بالقضاء عليه، وكما نعرف سمعة روسيا الدولية ودورها فى الشرق الأوسط على مدى بعيد قادم مرتبط بما ستستعيده من خلال حربها على الإرهاب فى سوريا، أى أن سمعة روسيا الدولية مستقبلاً على المحك ونحن بخلنا فقط بإعادة السفير فقط كدعم للصديق الذى نغنى له ونكايد به الأمريكيين، ربما أيضاً، كان أحد أسباب الغضب الروسى المكتوم هو شراء حاملتى الطائرات من فرنسا، ومساعدة فرنسا وبالتالى أوربا فى تطبيق العقوبات وهو ما اعتبره الروس تضييقا للخناق على روسيا وإنقاذا لفرنسا من دفع غرامات لروسيا، و لماذا تأخر توقيع اتفاقية المحطة النووية لتوليد الكهرباء حتى الآن رغم الوعود. ولماذا نتحدث عن كيل ومكيالين، أى منطق يقول أن أترك نافذة على أوربا التى مددت العقوبات ضد روسيا حيث كانت صارت تركيا فى أشد فترة الحرب الباردة المحدودة هى منفذ روسيا على أوربا وربما ضحت حتى ولو ببصيص أمل كان باقيا للانضمام للاتحاد الأوربى وعلاقتها كعضو بحلف الناتو للخطر، وأفتح علاقات مع مصر التى ترى روسيا وفق وجهة نظرها أن أسباب كارثة الطائرة من الناحية الأمنية فى المطارات المصرية قائمة، رغم أنى ضد هذا. أى منطق يقول أن أعيد علاقاتى وسياحتى لدولة حجم التبادل التجارى بينى وبينها لا يتجاوز الستة مليارات ومعظمه لصالح روسيا أى أنى أحتاجها أكثر مما تحتاج لى وأترك دولة سيكون حجم التبادل التجارى بيننا حوالى ١٠٠ مليار دولار ربما خلال هذا العام وقد تتحول إلى أكبر شريك تجارى لى، علينا ألا ننظر إلى علاقات غيرنا بروسيا من منطلق الغيرة و»إشمعنا» كل دولة تحكمها مصالحها، بما فى ذلك روسيا نحن للأسف نعيش على التاريخ وعلى الماضى وتوهمنا نظراً للأزمات بين روسيا والغرب أن الحرب الباردة عادت وأننا نستطيع تحقيق مكاسب من ذلك، الوضع ليس هكذا، وإذا أردنا أن تتعامل معنا روسيا كما تتعامل مع تركيا، يجب أن يكون لروسيا مصالح معنا مثل تلك التى مع تركيا، مع فارق الموقع الجغرافى، يجب أن نفيق ونكون دولة مصنعة ولا نبكى من أجل السياح الروس، ألا يوجد سياح آخرون فى العالم علينا اجتذابهم؟! أم أننا تعودنا على الكسل لاجتذاب السياح الروس الطيبين الذين ليس لهم طلبات كثيرة مثل الألمان والإنجليز وغيرهم.


فى الختام قوة العلاقات بين أى دولتين وضمان استمرارها فى عالم اليوم مرتبط بقوة المصالح الاقتصادية وتبادل المنافع وهذا ما تحرص عليه الدول هذه الأيام. وأعود وأقول ما يجمعه الاقتصاد لا تفرقه السياسة ولا حتى إسقاط طائرة حربية.


لا أريد اتهام أحد أو جهة بعينها بالتقصير فى الملف الروسى، وكل ما أريده أن ننظر إلى الأمور بموضوعية،تركيا لديها من المصالح التى جذبت روسيا للتغاضى عن الخطأ الذى ارتكبته فقدمت روسيا تنازلات بعودة السياحة، مقابل مكاسب اقتصادية رهيبة «نفعنى واستنفع»، بالنسبة للعلاقات مع مصر الاختيار الصحيح، مع من ستكون مصالحنا، فالعالم يؤمن فى وقتنا الحالى بتبادل المنافع والمصالح، وليس العواطف والحب، ونحن فى النهاية لن نجلس على مقعدين فى نفس اللحظة، ومن ثم فإن حسم اختياراتنا يجب أن يكون انطلاقاً من مصالحنا وليس عواطفنا.