انقلابات أردوغان الاستراتيجية .. بداية جديدة أم مناورات عابرة؟

05/07/2016 - 10:52:36

د. حسن أبوطالب

تقلبات المواقف السياسية والاستراتيجية لتركيا فى عهد أردوغان باتت سمة ذات طابع دورى، فلا تمر مرحلة قد تستمر عاما أو عامين أو أكثر قليلا يسود فيها شعار معين وإذا به يختفى ويبرز شعار مناقض له يعبر عن مرحلة جديدة تضرب فى العمق ما سبقها. ولعل أبرز الشعارات التى أخذت حيزا كبيرا من التحليل والتأمل السياسى كان الشعار أو لنقل التوجه الاستراتيجى الذى طرحه أحمد داود أوغلو حين كان مستشارا لرئيس الوزراء أردوغان ثم وزيرا للخارجية فى الفترة من ٢٠٠٧ إلى ٢٠١٢ وهو «صفر مشاكل» مقترنا بما وُصف بأنها العثمانية الجديدة، والتى عُرفت بأنها عودة تركيا للمنطقة / الإقليم التى كانت فى يوم من الأيام جزءا من الإمبراطورية العثمانية،


ولكن من خلال الأدوات السلمية كالتجارة والسياحة والتبادل الثقافى والعلاقات الحسنة والاستثمارات وهكذا، وهو ما شكل نزوعا لدى نخبة تركيا آنذاك فى تعويض الرفض الأوربى لعضوية تركيا فى الاتحاد الأوربى بأن تكون نموذجا ودولة قائد يربط بين التوجهات الإسلامية المعتدلة والممارسة الديمقراطية فى إقليم الشرق الأوسط ككل وفى قلبه البلدان العربية.


من صفر مشكلات إلى دولة معزولة


كان شعار تصفير المشاكل تعبيرا عن آلية سلمية تعتمد الحوار لبناء الثقة وتعزيز مصالح مشتركة بين تركيا وعدد كبير من البلدان المحيطة بها والتى طالما كان التوتر والشك والأزمات التاريخية سمات رئيسية فى علاقات تركيا بهذه الدول، غير أن تطبيق هذه الاستراتيجية، وبعد أن حققت فى الأعوام الثلاثة الأولى بعض المكاسب الكبرى اقتصاديا وتجاريا وسياسيا ومعنويا لأنقرة ولأردوغان شخصيا، لم يدم طويلا. فنظرا لتطلعات أردوغان الفردية والتسلطية والعدوانية سواء إبان توليه منصب رئيس الوزراء أو منصب رئيس البلاد مع سلطات واسعة نسبيا إزاء العديد من الدول فى الإقليم، فقد أصيبت تركيا بلعنة الدولة المعزولة غير الموثوق بها والساعية إلى إثارة المشكلات للغير وابتزاز الأصدقاء قبل الأعداء، وهو ما رأينا تجسيدا فجا له فى ابتزاز بلدان أوربا باللاجئين السوريين نظير الحصول على ستة مليارات دولار وبدء مفاوضات جديدة من أجل عضوية الاتحاد ومزايا تجارية مختلفة.


وكان انقلاب أردوغان على الرئيس بشار الأسد بعد خمسة أشهر من بدء التوترات الداخلية فى سوريا، أحد أبرز حالات الانقلاب على الذات وعلى المصالح التركية ذاتها، فالأسد الذى كان صديقا حميما حسب كلمات أردوغان نفسه أثناء فترة الود، بات ديكتاتورا يجب التخلص منه بكل الوسائل الممكنة، من خلال تسليح المعارضة ودفعها دفعا بدعم ومساندة من دول إقليمية وعربية لكى تنهى نظام بشار الأسد بالقوة وبالحرب الأهلية وبتدمير الذات وخراب البلاد.


وطالما كان معروفا وموثقا الدور الذى لعبته تركيا، فى أقل القليل بالتغاضى عن تنظيم داعش وعناصره ومسلحيه من كل الجنسيات الذين وجدوا الملاذ والتدريب والممر الآمن للوصول إلى عمق سوريا من خلال الأراضى والمعابر الرسمية التركية. وطالما كان معروفا أيضا أن هناك علاقات تجارية غير رسمية لاسيما فى مجال بيع النفط المُهرب من العراق ومن سوريا، وأن كثيرا من المقربين لأردوغان شخصيا، وربما أحد أبنائه متورطون فى هذا العمل الدنىء الذى حققوا من ورائه مكاسب هائلة تخطت ١٠ مليارات دولار أمريكى فى العام الواحد. وهى المرحلة التى كان فيها غموض الموقف التركى من محاربة داعش وتوجيهها الانتقادات الى الحملة الدولية بقيادة أمريكا سببا فى تباعد نسبى بين واشنطن وأنقرة، خاصة أن الأخيرة كانت تطالب بإنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى ٤٠ كيلو مترا على طول الحدود التركية السورية، تحت حماية تركية ودولية ويتم فيها توطين اللاجئين والنازحين السوريين، وبالتالى يتم تقسيم سوريا فعليا ويصبح هذا الإقليم الحدودى عازلا بين تركيا وسوريا خاصة أكراد سوريا الذين تعمل أنقرة كل ما فى وسعها على منع أية روابط أو اتصالات بينهم وبين الأكراد الأتراك. وهو ما رفضته واشنطن والدول الغربية.


أوباما وأكراد سوريا .. التغيير الأهم


وجاء التغير الأكبر والأهم منذ ٢٠١٣ ، والذى شهد تطبيق الرئيس أوباما استراتيجية مختلفة قوامها التحالف مع أكراد سوريا بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطى ومجلس سوريا الفيدرالى وقوات حماية الشعب وهى خليط من العرب والأكراد، وتقديم كل أنواع الدعم لهم لمحاربة تنظيم داعش، بما فى ذلك إقامة ثلاث قواعد عسكرية أمريكية فى المناطق الكردية كانت فى الأصل مطارات زراعية في الرميلان والحسكة وعين العرب، ويقيم فيها ٢٥٠ من الخبراء العسكريين الأمريكيين حيث يقدمون الدعم والمساندة لقوات الشعب الكردى والتى تُعد نواة جيش الكيان الفيدرالى الكردى السورى، وبما يمهد لإقامة فيدرالية فى كل سوريا انطلاقا من تشكيل إقليم خاص بأكراد سوريا فى الشمال والغرب من سوريا جزء منه مُحاذٍ للحدود مع تركيا ذاتها. وهو إقليم بمسمى غرب كردستان «روج أفا» يربط بين منبج شرق حلب وعفرين وعين العرب فى الغرب وأقاليم الشمال ذات الإدارات الذاتية.


وهو ما حاول أردوغان إفشاله ولكنه هو الذى فشل، إذ أنهى حزب الاتحاد الديمقراطى الكردى برئاسة صالح مسلم وباقى التشكيلات والمنظمات الكردية فى سوريا صياغة وثيقة أقرب إلى دستور تتضمن ٨٥ مادة تحدد أسس بناء فيدرالية فى المناطق التى يسيطر عليها الأكراد وتؤسس لنظام فيدرالى فى كل سوريا، بينها اعتماد علم مستقل وفتح المجال لإقامة علاقات دبلوماسية مع الخارج واعتبار الانضمام إلى «قوات سورية الديمقراطية» واجباً على الشباب الأكراد، ويعول الأكراد السوريون على دعم ومساندة روسيا ذات الكلمة المسموعة فى الشأن السورى، ومن المعروف أن كلا من روسيا وهى الحليف الأول للأسد والولايات المتحدة وهى العدو الأكبر للأسد متفقان ضمنيا على أن الحل فى سوريا هو حل سياسى بالأساس، قد لا يشارك فيه الأسد، على أن ينتهى بنظام فيدرالى فى سوريا.


والواضح أن صمود نظام الأسد فى المواجهة رغم الضغوط الرهيبة التى واجهها فى السنوات الخمس الماضية، بسبب الدعم غير المحدود من إيران وحزب الله اللبنانى وروسيا منذ أن انخرطت مباشرة فى مواجهة تنظيم داعش والتنظيمات الجهادية الإرهابية فى أكتوبر الماضى، شكل وما يزال عقبة كبرى أمام سياسة أردوغان لإسقاط الأسد عسكريا وبناء دويلة تقودها جماعات الإسلام السياسى الإخوانى والجهادى تحت وصاية تركية مباشرة، لقد تصور أردوغان أن عدة عمليات عسكرية لميليشيات يتم تدريبها فى معسكرات تركية وبعض الدعاية السوداء وقليل من المناورات والابتزاز السياسى لحلفاء أو أصدقاء قدامى كفيل بأن يجعل سوريا تسقط صريعة أمام النفوذ التركى، كانت تصورات مريضة فى الأساس ولا سند لها فى الواقع، وهو الآن يصحو على وقع الفشل المركب.


ويعد الاتفاق النووى الإيرانى الغربى أحد عناصر التغير الكبرى فى موازين القوى فى الشرق الأوسط، وأحد مفاتيح تحسن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة والتى اعترفت علنا على لسان وزير الخارجية كيرى بأن إيران تلعب دورا مهما وحاسما فى القضاء على داعش فى العراق. ما يُظهِر علاقة جديدة وتقييما جديدا للدور الذى تلعبه إيران فى العراق وأيضا اعتراف بنفوذها الهائل هناك إلى أمد لا يعلمه سوى الله سبحانه وتعالى، وهو أمر دفع تركيا إلى فتح أبواب تعاون أكبر مع طهران، من بينها التعاون فى احتواء التطلعات الكردية فى سوريا، على أمل منع قيام كردستان الغربية.


فشل مركب وتراجع للخلف


لقد تحول داعش الذى نال مساندة تركية بأشكال مختلفة عسكريا ودعائيا واقتصاديا إلى عدو صريح. وبالرغم من الغموض الذى يحيط بعملية الاعتداء الإرهابى على مطار اسطنبول الدولى ٢٨ يونيه الماضى، فإن اعتماد أنقرة فرضية أن داعش هو منفذ الهجوم ثم دعوة أردوغان إلى تعزيز الجهود الدولية لمواجهة هذا النوع من الإرهاب، يجعل تركيا نظريا جزءا من الحملة الدولية لمحاربة داعش، أما عمليا فالأمر ليس بهذه البساطة، خاصة أن تطورات الوضع السورى أبرزت من وجهة النظر التركية أولوية إفشال مشروع الفيدرالية الكردية المعروفة باسم «روج فال» او إقليم غرب كردستان كما سبق شرحه. ناهيك عن الحرب الضروس التى تمارسها بالفعل الأجهزة الأمنية والجيش التركى ضد الأكراد الأتراك فى جنوب البلاد وعمليات القتل والتدمير لقرى ومدن بكاملها، وتهجير قسرى لمئات الآلاف من بلدانهم وقراهم ومزارعهم وتركهم فى العراء فى أكبر مذبحة تجرى تحت سمع وبصر العالم أجمع دون كلمة إدانة واحدة. فضلا عن إنهاء كل آليات التعامل السياسى مع القضية الكردية، والتضييق على نواب حزب الشعوب الديمقراطى الذى يعبر عن هموم الأكراد الأتراك من خلال البرلمان، الذى أصدر من خلال الأغلبية لحزب العدالة والتنمية الذى يرأسه أردوغان تعديلات قانونية بدفع منه شخصيا تتيح محاكمة كل نواب الحزب باعتبارهم دعاة انفصال تمهيدا لإلقائهم فى غياهب السجون، ومنع أية أصوات تنادى بالتعامل السياسى والإنسانى مع حقوق الأكراد كمواطنين فى الدولة التركية نفسها.


الفشل فى سياسة إغراق سوريا فى الخراب تمهيدا لإسقاط النظام، والفشل فى احتواء مطالب الأكراد الأتراك، واتباع سياسة عدائية ضد أكراد سوريا جاءت بعكسها، والفشل فى سياسة الغموض تجاه داعش أدت إلى إرهاب مُضاعف، والفشل فى السيطرة على تنظيمات الإرهاب ذات الشعارات الإسلامية، والفشل فى إقناع الأمريكيين بضرورة إقامة منطقة عازلة تحت وصاية تركية، والفشل فى إقناع الأوربيين باحتواء المهاجرين السوريين ثم استخدامهم كورقة ابتزاز سياسية فجة، والانصياع وراء أوهام مواجهة روسيا ومنافستها فى سوريا وما خلفه ذلك من ثمن كبير اقتصاديا وسياسيا، والفشل فى الضغط على مصر بعد ثورة شعبها على حكم الجماعة الإرهابية، والفشل فى إجبار تل أبيب على تغيير سياستها بشأن حصار قطاع غزة وحركة حماس.. كل ذلك هو حصيلة منطقية لسياسات الغرور والفردية والنزعات الاستعلائية فى الخارج والسياسات الاستبدادية فى الداخل. ولما كانت الحصيلة تصب فى إنهاك تركيا وفى مزيد من العزلة وفى مزيد من الأثمان التى تؤثر مباشرة على وحدة واستقرار تركيا، كان من الضرورى ممارسة اكثر من خطوة للخلف، وإعادة تقييم الموقف، وهو ما تمثل فى التنازل والتراجع أمام كل من روسيا وإسرائيل، وربما يحدث أمر مماثل تجاه مصر، نرى بعض مؤشراته الأولية، والتى نعدها لم تنضج بما فيه الكفاية بعد. ولكن لا يوجد ما يمنع حدوث تحول تركى علينا مراقبته بكل حذر وترقب والتعامل معه وفق ثوابتنا الوطنية التى لا تنازل عنها، فلسنا أقل من آخرين حصلوا على الاعتذار ولوم الذات وقبول الأطروحات التى كانت مرفوضة من قبل دون نقاش.