ليبيا احذروا الخطر القادم من حدودنا الغربية!

05/07/2016 - 10:51:28

د.رضا شحاتة

مع أن المعارك الضارية المشتعلة على الساحتين العراقية والسورية لتحرير بعض أجزائهما من سيطرة التنظيم الإرهابى «الدولة الإسلامية» وتوابعها، لم تزل تشغل الحيز الأكبر فى العناوين والمقالات فى صحف العالم وقنواته التليفزيونية، فإن التقارير لم تزل أيضاً تتدفق من داخل ليبيا تذكر الجميع بأن ليبيا لم تزل فى حالة تحلل لعناصرها المكونة لها كدولة، كما أنها فى حالة تعانى من التفكك ككيان لوطن ظل عقوداً طويلة متماسك المقومات والعناصر، وافر الثروات حتى انهيار حكم القذافى وسط موجات اجتياحات الانتفاضة العربية فى شتاء عام ٢٠١١.


وإذا كانت قوات «التنظيم الإسلامى» المسماة «بداعش» قد أُرغمت على أن تتخلى عن أحد مواقعها فى مدينة (درنة) عام ٢٠١٥ ـ بعد غارات القوات الجوية المصرية انتقاماً وثأراً لمصرع أبنائنا المصريين فقد امتدت داعش لتسيطر على ما يسمى (بالهلال النفطى فى ليبيا) وبدأت فى شن هجماتها على الدفاعات الخارجية لمدينة مصراتة وفى غيرها من المدن الليبية.


وكثيراً ما أكد وزير الخارجية الأمريكى (جون كيرى) فى مباحثاته فى القاهرة ضرورة دعم التعاون الحدودى على طول الحدود الليبية (تفيد التقارير أن تونس قد بدأت بناء حائط أمنى على طول حدودها مع ليبيا التى تمتد أكثر من مائة كيلو متر) ومع ذلك لم تزل (داعش) تتقدم فى نمط من الحرب الأهلية التى ربما تكون منخفضة الحدة، لكنها تحشد الميليشيات وقوات القبائل فى حرب ضارية فيما بينها فى شكل تحالفات أصبح من الصعوبة تصنيفها أو فرزها وتحديد هوياتها.


وبالتوازى مع هذه الحرب الأهلية القبلية التى تشعل نيرانها دعوات ترهيبية دينية متطرفة، تدور حروب بالوكالة، حيث تدعم كل من قطر وتركيا فيها جماعات الإخوان المسلمين والتنظيمات الإسلامية (فى طرابلس) وعلى الرغم من أنه فى بداية هذا العالم ظهرت بوادر التقدم نحو التهدئة باحتواء هذا الصراع الداخلى، والإقليمى فى نفس الوقت، بعد الموافقة على (اتفاقية السلام) التى دعت إليها الأمم المتحدة بوضع إطار لحكومة الوفاق الوطنى أو الاتحاد الوطنى فى يناير ٢٠١٦، إلا أن المؤتمر الوطنى العام كما هو معروف رفض الاتفاق، مما أثار الكثير من الصعوبات والاضطرابات أمام تنفيذ هذه الاتفاقية والالتزام بتنفيذها.


لكن الموقف بالنسبة لمصر بصفة خاصة هو موقف متفرد بذاته باعتبارها أولى الدول الاقليمية التى تتأثر بحالة الاستقرار أو عدم الاستقرار فى ليبيا والآثار المترتبة على استمرار الحرب الأهلية، حتى إن الرئيس السيسى كان قد دعا من قبل المجتمع الدولى مراراً لتنظيم ائتلاف للتصدى لأخطار الموقف فى ليبيا، إلا أن الأمم المتحدة كانت مهتمة فى المقام الأول بالتوصل لاتفاق السلام لتؤسس بموجبه لحكومة (وفاق وطنى) ومكمن الخطر فى هذه المقاربة الدولية، أنه حتى بعد تأسيس حكومة الوفاق الوطنى، كما حدث فإن خطر عدم الاستقرار والتحديات الأمنية لم تزل تطرح تهديدات هائلة على الأمن القومى المباشر لمصر. وتتزايد هذه المخاطر مع تزايد احتمالات فشل حكومة (الوحدة الوطنية) أو الوفاق الوطنى، حتى أضحى السؤال المطروح الآن أمام الخبراء الدوليين فى الشئون الليبية، هل سيحين الوقت الذى يفرض على الأمم المتحدة أو على (ائتلاف دولى أوربى أو إقليمى) التدخل العسكرى لحصار، الخطر الإرهابى الذى بات يدق أبواب الحدود الغربية والعواصم الأوربية؟ وماذا سيكون رد فعل مصر عندئذ؟


ولا شك أن الموقف المصرى، بوضوح معالمه، يقف مسانداً للقوى القومية فى ليبيا داعماً وبقوة لجهود مكافحة الإرهاب ودعم الحكومة المركزية الموحدة (وإن كانت كل من قطر وتركيا لم تزل تسعى لتمهيد السبيل لحكومة ليبية تخضع لسيطرة الإخوان المسلمين، لكنهما ـ أى قطر وتركيا ـ تستشعران المخاطر الكبيرة الكامنة وراء مثل هذه المناورات، إذ إنه دون توافر دعم خارجى قوى سواء من تركيا أو من قطر، فإن الهزيمة ستكون مصير القوى والجماعات السلفية والإرهابية والمتطرفة وسوف تفسح الطريق بذلك أمام القوى الوطنية (قوى الجيش الوطنى بقيادة الجنرال حفتر) لإحكام سيطرتها على مقاليد السلطة والحيلولة دون انزلاق ليبيا إلى المستنقع الإرهابى فى شمال إفريقيا.


بيد أنه يمكن تصوير أو تلخيص المعادلة السياسية والأمنية كما يلى :


إنه كلما تعاظم أو تنامى الدور المصرى المؤيد سياسياً (وعسكرياً) للقوى الوطنية المناهضة للإرهاب وللتنظيم الإسلامى (داعش) فى ليبيا، ازدادت فى المقابل خطورة وحدة التهديدات الأمنية وتعاظمت احتمالات تدبير عمليات انتقامية سواء عبر الحدود أو فى الداخل ضد الأمن القومى المصرى ، أو ربما انتقلت إلى العواصم الأوربية نفسها.


على أنه من الضمانات الأساسية لردع محاولات الإرهاب واستباق مخططاته الانتقامية (رداً على الدعم السياسى المصرى للقوى الوطنية) فإن وقوف القبائل الليبية المؤيدة للقوى الوطنية ورفضها القاطع للتدخلات القطرية والتركية سوف يعزز دون شك من صلابة (الحكم المركزى الوطنى) ومن صمود القوى الوطنية والاحتفاظ باتفاقية السلام متماسكاً ومطبقاً فى إطار حكم الوفاق الوطنى (كانت مصر قد نظمت مؤتمراً موسعاً فى مايو ٢٠١٥ للقبائل الليبية لبحث التعاون والتنسيق لتقديم الدعم لها مادياً وسياسياً).


وعلى الرغم من التوصل لاتفاق السلام (ديسمبر ٢٠١٥) وتكوين عدة عناصر للهيكل المؤسسى لنظام الحكم فى ليبيا (مجلس رئاسى ـ حكومة وفاق، مجلس دولة ، مجلس نواب إلخ) وبالرغم من تفعيل هذه الدبلوماسية الدولية، فإن المهام الجسيمة التى تواجه رجل ليبيا القوى الجنرال (حفتر) هى تحقيق الأمن والتصدى لأخطار الإرهاب والتطرف الإسلامى، ومن ثم فإنه لابد أن تكون فى التطورات الاخيرة فى ليبيا ما يذكر الجميع دولياً وإقليمياً أن ليبيا يجب ألا تغيب عن عيون وعن بؤرة الاهتمام الدولى، فهى لم تزل بعيدة كل البعد عن الاستقرار، ولعل مباحثات مبعوث الأمم المتحدة (مارتن كوبلر) فى زيارته الأخيرة للقاهرة ولقائه مع الرئيس السيسى ومع وزير الخارجية (شكرى) ومن قبل انعقاد مؤتمر القبائل فى مصر، ما يؤكد أن القوى الدولية الكبرى عليها أن تدعم حكومة وحدة أو وفاق وطنى قوية قبل التخطيط لأى تدخل عسكرى ضد التنظيمات الإرهابية التى أصبحت تهدد الأمن الاقليمى والدولى.


وجدير بالذكر أن القوات العاملة تحت قيادة الجنرال (حفتر) فى قتالها ضد الجماعات المسلحة المعارضة كانت قد تأثرت سلباً بالحظر الدولى المفروض على حصول ليبيا على العتاد والسلاح، ولا شك أن فرض حصار بحرى على تهريب السلاح إلى داخل ليبيا «من قطر وتركيا» إلى الجماعات المعارضة (قرار من مجلس الأمن شاركت مصر فى إعداده ) سوف يمكن هذه الحكومة بدعم سياسى من المجتمع الدولى وبدعم مباشر أمنياً واستخباراتياً من الدول الاقليمية المجاورة، وفى مقدمتها مصر، من تحقيق قدر عال من الأمن والاستقرار فى مواجهة خصوم النظام لاسيما أن الأولوية الأولى لمصر اليوم فى تعاملها مع ليبيا هى تحقيق الاستقرار والأمن على طول حدودها الغربية (يبلغ طول الحدود مع مصر حوالى ٧٠٠ ميل) وهو ما أتاح تهريب كميات هائلة من الأسلحة للميليشيات التى تنفذ العمليات الإرهابية.


ويسجل المحللون فى هذا الصدد أن الرئيس السيسى كان قد زار مقر القيادة العسكرية فى المنطقة الغربية على الحدود الليبية، مؤكداً إصرار الدولة على توجيه الضربات لمعاقل التنظيم الإرهابى داخل ليبيا (بعد مقتل عشرات المواطنين المصريين فى مطلع عام ٢٠١٥).


قصارى القول أنه ليس ثمة ما يعبر عن الخطر الأمنى الداهم على حدودنا الغربية ـ متزامناً مع حربنا الشرسة المتواصلة للتصدى لخطر الإرهاب القادم من المشرق، ليس ثمة ما يعبر عن هذا الخطر الغربى سوى الكلمات القاطعة التى كان قد صرح بها (جون برينان) مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية منذ أيام قليلة خلال هذا الشهر (١٦ يونيه ٢٠١٦) بأن أخطر عناصر تنظيم الدولة الإسلامية ـ داعش، وأكثرها تطوراً وتنظيماً وانتشاراً هى العناصر المتمركزة فى ليبيا أى جارتنا على الحدود الغربية الممتدة بسبعمائة ميل تقريباً.


مثل هذا التحذير الانذارى يكشف ما كان قد أجمع عليه محللون ومسئولون حتى فى الخارجية الأمريكية بأن واشنطن تفتقر إلى وجود استراتيجية شاملة لمكافحة الإرهاب وهو ما ينطبق على ليبيا مثلما انطبق من قبل على سوريا وعلى العراق، حتى أصبحت ليبيا بصفة خاصة توصف فى المصادر الغربية بأنها أصبحت فى «بؤرة العاصفة» الإرهابية والتى قد تشتد رياحها العاتية باتجاه صعيد مصر ودلتا النيل ومدننا الكبرى.


وقد أصبح واضحاً للمراقبين أن حكومة الوفاق الوطنى الجديدة، لم تزل حتى الآن بحاجة لبسط سيطرتها ونفوذها فى أرجاء ليبيا، حيث لم تزل الميليشيات المسلحة والجماعات المحلية هى صاحبة الكلمة العليا فى البلاد، وعلى الصعيد السياسى الليبى، لم تزل وكما يرصد المراقب ثمة ثلاثة مراكز للقوى تتصارع فيما بينها، المجلس الرئاسى داخل قاعدة بحرية تقع قريباً من مدينة طرابلس (برئاسة السراج) وقد تمخض المجلس عن «الاتفاق السياسى»، وتشكل منذ مارس ٢٠١٦ وهو الذى يتولى رئاسة حكومة الوفاق الوطنى ثم وهنالك مجلس النواب (كان متواجداً فى طبرق) وعليه أن يصادق على الحكومة الجديدة، وثمة أيضاً ما يسمى بحكومة الانقاذ الوطنى التى يرأسها رئيس الوزراء (خليفة الغويل) الذى يستمد وجوده من سلطة المؤتمر الوطنى العام الموجود فى طرابلس، وإن لم تكن تمارس أى سيطرة على مؤسسات الدولة، وبالإضافة إلى تلك العناصر ثمة أيضاً ما يسمى بـ»مجلس الدولة» الذى لا يزيد عن كونه (هيئة استشارية) أنشئت بموجب اتفاق الوفاق الوطنى أو الوحدة الوطنية.


لكن مركز القوى الحقيقى والفعلى يتواجد فى طبرق والبيضا ـ والذى يخضع للواء «حفتر» قائد الجيش الليبى المناهض لقوى التطرف والإرهاب والجماعات الإسلامية المتطرفة وعلى رأسها الإخوان المسلمون.


ـ يتلخص المشهد السياسى الحالى فى ليبيا بعد مرور سنوات خمس على سقوط حكم القذافى أنها ـ أى ليبياـ تحاول الاقتراب بخطوات محدودة غير واثقة من نجاحها ـ نحو إنهاء الحرب الأهلية التى أدت إلى تقسيم البلاد بين حكومتين متصارعتين وبرلمانين متنافسين على الشرعية، ويرتبط كل منهما بتحالفات مفككة وبعدد من الميليشيات المسلحة التى لم تزل تتقاتل فيما بينها حتى الآن، ولم يعد أمام شركاء ليبيا من قوى دولية أو إقليمية وفى مقدمتها مصر إلا أن تدعم العملية السياسية وحكومة الوفاق الوطنى والفرصة متاحة اليوم لتفعيل عملية الانتقال السياسى.


هذا المعترك السياسى والتركيب المعقد للسلطة، وتوزيع مراكز القوى بين الحكم وصراع الميليشيات فى المناطق واستشراء خطر تنظيم الدولة الإسلامية يجعل ليبيا ككيان ودولة ومستقبل فى مفترق الطرق بعد أن كانت يوماً ما أكثر الدول الإفريقية ثراءً واستقراراً، ثم تحولت إلى ملاذ لخلايا الإرهاب تعانى من استنزاف الموارد ومن الفراغ الأمنى والحاجة إلى المساعدات الإنسانية ثم تتعرض فوق هذا وذاك لتهديدات تنظيم الدولة الإسلامية التى تعيد تمركز خلاياها الهاربة من سوريا والعراق ولتعيد الانتشار فى ليبيا المتاخمة لحدودنا الغربية، وهو خطر داهم بعد أن نقلت داعش مركز الثقل فى عملياتها إلى قلب الصحراء الغربية وولايات المغرب العربى كما تسميها وتطلق عليها تنظيم القاعدة فى المغرب العربى منذ أمدٍ غير قصير لتتسلل منه إلى دول شمال إفريقيا وجنوب الصحراء ـ بل وتعبر منها عبر البحر المتوسط إلى العواصم الأوربية.


ولاشك أن تشكيل حكومة «الوفاق الوطنى» الجديدة فى ليبيا تمثل الفرصة السانحة وربما الوحيدة المتاحة للتصدى لتحديات كبرى أولها هذه التحديات الأمنية والتحديات الاقتصادية إلى «السيطرة على الثروات النفطية» ثم التحديات الإنسانية ووقف تدفقات الهجرة والاتجار فى البشر من السواحل الليبية.


ومن الواضح دون حاجة لدليل أن الأمن القومى لمصر يتأثر بهذه التحديات الثلاثة الأمنية وأهمها «تسلل الإرهاب ، تهريب السلاح ، دعم العناصر التخريبية فى الداخل»، وهو ما يرتبط بقدرة الحكومة الليبية الجديدة على المقاومة والصمود ومكافحة الإرهاب وتلقى المساعدات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية.


وبدون تصميم وتنفيذ استراتيجية شاملة متكاملة لمكافحة الإرهاب أمنياً واقتصادياً وسياسياً وبشرياً، بالتنسيق العاجل والوثيق مع شركاء دوليين فى أوربا ـ فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا ودول المغرب المجاورة تونس والجزائر والمغرب وبالقطع مع القوى القومية داخل ليبيا فستظل مصر الأكثر تعرضاً وتضرراً للخطر والتهديد.


ولابد من القضاء على هذا الخطر الإرهابى الداعشى المتنامى داخل الصحراء وبعض المدن الليبية قبل أن يعبر الحدود الغربية باتجاه صعيد مصر ومدن الدلتا والمدن الكبرى وقبل أن يقيم جسراً من التعاون العملياتى الإرهابى مع خلاياه الكامنة والنائمة أو النشطة فى جبال سيناء ووديانها ودروبها الدعرة فى صحرائنا الشرقية.


المهام الأمنية العاجلة هى الاستعداد باستراتيجية أمنية متكاملة ذات أبعاد عسكرية وقائية أو ربما استباقية بعد أن تحولت الصحراء الليبية أو كادت إلى الملاذ الآمن لخلايا الإرهاب فى قلب الصحراء الكبرى تهدد مصر تهديداً داهماً ومباشراً بنفس السرعة والمفاجأة والقسوة التى هددت بها عواصم أوربية ومدناً أمريكية تبعد عن ليبيا ـ وعن سوريا والعراق مئات بل آلاف الكيلو مترات.


أما نحن فالجغرافيا تقول إن الخطر على مرمى حجر، وجبهة القتال القادمة بعد معارك الفلوجة فى العراق ومعارك حلب وإدلب والرقة فى سوريا، فإن جبهة القتال القادمة، كما تبدو من التقارير الأوربية والأمريكية سوف تدور حيث تمركزت فلول داعش وخلاياها على حدودنا الغربية، فهل تكون معركة الخندق الأخير لداعش، وهل تكون بداية النهاية، أم ستكون مجرد جبهة غربية ثانية ودامية فى حربنا ضد الإرهاب؟