التحركات الإسرائيلية في منابع النيل

05/07/2016 - 10:46:24

بقلم - أ.د نادر نور الدين أستاذ المياه والأراضي بكلية الزراعة جامعة القاهرة

بعد أن زار رئيس الوزراء الإسرائيلي إثيوبيا المنبع الرئيس لنهر النيل منذ نحو الشهرين، بدأ بنيامين نتانياهو هذا الأسبوع زيارة لأربع دول من منابع النيل الأبيض، وهي كينيا وأوغندا ورواندا وبروندي بتفويض من مجلس الوزراء الإسرائيلي لتأسيس الوكالة الإسرائيلية للتنمية الدولية، والتي تهدف إلى تقديم مساعدات فنية ومالية وتعاون مخابراتي وتكنولوجي مع الدول الأفريقية، وخاصة دول منابع النيل الأقرب إلى إسرائيل، والأهم كأداة استخدام ضد مصر وربما بعض الدول العربية.


بعد أن زار رئيس الوزراء الإسرائيلي إثيوبيا المنبع الرئيس لنهر النيل منذ نحو الشهرين، بدأ بنيامين نتانياهو هذا الأسبوع زيارة لأربع دول من منابع النيل الأبيض، وهي كينيا وأوغندا ورواندا وبروندي بتفويض من مجلس الوزراء الإسرائيلي لتأسيس الوكالة الإسرائيلية للتنمية الدولية، والتي تهدف إلى تقديم مساعدات فنية ومالية وتعاون مخابراتي وتكنولوجي مع الدول الأفريقية، وخاصة دول منابع النيل الأقرب إلى إسرائيل، والأهم كأداة استخدام ضد مصر وربما بعض الدول العربية.


المتحدث باسم مجلس الوزراء الإسرائيلي قال إن الصندوق المقترح يهدف إلى تنمية العلاقات الإسرائيلية مع دول منابع النيل، والتي لديها الكثير من الطاقات الكامنة التي يمكن لإسرائيل أن تستفيد منها، وأنه من غير المقبول أن يكون حجم التبادل الإسرائيلي مع دول أفريقيا ودول منابع النيل لا يتجاوز ٢٪ فقط من حجم التجارة الإسرائيلية مع العالم، خاصة وأن دول منابع النيل أصبحت تحقق أعلى معدلات نمو في العالم بسبب جذبها للعديد من الاستثمارات العالمية للاستفادة من أراضيها البكر ومياهها الوفيرة وموادها الخام النادرة، والتي يمثل بعضها أطماعا دولية سواء من مواد مشعة أو معادن ثمينة (ماس وذهب وفضة) أو معادن اقتصادية (نحاس وألمونيوم وجرافيت ومنجنيز)، بالإضافة إلى وفرة زراعية ليس لها مثيل في العالم من أراض زراعية غير مستغلة ومياه عذبة نقية خالية من التلوث الصناعي وأمطار غزيرة، يمكن الاستفادة منها في الزراعة العضوية الأورجانيك الخالية من المبيدات والكيماويات، والتي تتلهف عليها دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية، ويتربع حاليا على عرش صادراتها إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا وتونس والأخيرة محدودة المساحة والإمكانيات مقارنة بدول منابع النيل الأخرى.


قبل زيارة نتنياهو إلى إثيوبيا أشعلت الأخيرة عدة تصريحات عدائية غير مبررة ضد مصر كعربون محبة للقدوم الإسرائيلي إليها، مثل الإعلان عن بناء سدود جديدة، وأن سدها الضخم للنهضة شأن سيادي إثيوبي ولا يهم إثيوبيا من سيتضرر من الدول الأخرى، وكأنها تتحدث عن نهر إثيوبيا وليس نهرا دوليا مشتركا مع مصر والسودان تكون عليه السيادة مشتركة وليست مطلقة لأي دولة، وإلا ما وضعت الأمم المتحدة قانونها لمياه الأنهار الدولية العابرة الحدود، والتي تنظم العلاقة بين الدول التي يمر بها النهر المشترك، فلا يمكن لشريان حياة أن يترك فريسة للهمجية أو الاستحواذ من البعض أو يترك لمعدومي الإنسانية ليقوموا بإبادة جماعية ضد دول جارة عريقة في التاريخ والمكانة الدولية بسبب أطماع مادية أو كراهية غير مبررة ومتوارثة.


السياسات الإسرائيلية خلال السنوات الخمس الماضية، تركزت في الاستحواذ على أفريقيا حتى ولو عن طريق الأمم المتحدة، والتي أسندت إليها عام ٢٠١٢ المسئولية عن التنمية الزراعية والأمن الغذائي وتطوير وحسن استغلال الموارد المائية في أفريقيا، والتي تظهرها الصورة والاتفاقية المرفقة، على الرغم من أن إسرائيل ليست دولة أفريقية، ولا تنتمي إلى القارة السمراء، كما أن عمرها لا يزيد على ٦٨ عاما مقارنة بمصر الأفريقية العريقة منبع الزراعة في العالم بأسره وليس في أفريقيا فقط، والتي تضم ٢٠ كلية زراعة وأكبر وأقدم مركز بحوث زراعية مع مركز لبحوث الصحراء ومركزا قوميا للبحوث، وكان لدينا وقت توقيع الاتفاقية الأممية مع إسرائيل وزارة للتعاون الدولي تشرف عليه سفيرة مرموقة، بينما كان التعاون الدولي الإسرائيلي قسما صغيرا في وزارة خارجيتهم ولكنه أخذ تطوير الزراعة في ٥٤ دولة أفريقية وبدعم مالي من الأمم المتحدة يستفيد منه خبراؤها.


السبب يعود إلى عدم متابعتنا لما يدور حولنا خاصة في الدول الأفريقية ودول منابع النيل، ولو كنا نتابع ونهتم ما وقعت ست دول من منابع النيل اتفاقية عنتيبي الانشقاقية التي قادتها إثيوبيا بجدارة، وجرجرت معها دول منابع النيل الأبيض، الذين ليس لهم ناقة ولا جمل في خلافات إثيوبيا معنا، ولكنها استطاعت بث الكراهية فيهم ضد مصر، وحتمية أن يسيطروا على مياه النيل، وأن يكون لهم حصص فيه، وأن يحددوا هم وحدهم حصة مصر، وأن يخططوا لمبدأ بيع المياه وتصديرها والتي للأسف يشجعها البنك الدولي ويحض عليها، رغم أن كل ما يأتي من دول منابع النيل الأبيض لمصر والسودان لا يزيد عن ١٢ مليار متر مكعب فقط وبنسبة ١٥٪ فقط من موارد نهر النيل، ومهما أقاموا من سدود واحتجزوا من مياه من هذه الحصة القليلة، كان يمكن لمصر والسودان أن يتحملاها ويتعايشا معها، ولكن إثيوبيا وضعت نصب عينيها ٧٢ مليار متر مكعب من المياه تخرج من أراضيها عبر النيل الأزرق (٥٠ مليار) وعطبرة والسوبات (٢٢ مليار)، ولكن استئثارها بهذه الكم الهائل من المياه يتطلب دعما تصويتيا من دول منابع النيل الأبيض؛ ليشكلوا أغلبية ضد مصر، بالإضافة إلى نجاحها في إستراتيجيتها التي بنتها على إحداث إنشقاق في الموقف المصري السوداني، وهو ما نجحوا فيه تماما، وأصبح الأشقاء في السودان مسئولين وفنين وخبراء يدافعون عن سد النهضة الإثيوبي أكثر مما يدافع عنه الإثيوبيون أنفسهم، وتبرأوا من انتمائهم العربي، وقالوا إننا ننتمي إلى الجنس الزنجي والحبشي، وبالتالي حان وقت الرجوع إلي الجذور، بينما الهدف الأساسي هو مصر وأهمية إضعافها والسيطرة على مقدرتها وخنق شعبها وتقليل فرص التنمية التي تعتمد تماما على ماتملكه من مياه سواء للتوسع الزراعي أو الصناعي أو العمراني، وبالتالي فالسيطرة على المياه خاصة الشريان الأكبر للنيل الأزرق يعني السيطرة على شريان الحياة في مصر ومايجري في أوردتها من مياه ودماء.


الزيارة الإسرائيلية لدول منابع النيل الأبيض الأربع ومن قبلها لإثيوبيا ولجنوب السودان تبدو أنها تتم بالتنسيق مع التحركات التركية، والتي قام رئيسها ووزير خارجيتها خلال الأشهر القليلة الماضية بزيارة نفس الدول وبنفس الترتيب؛ حتى إن وزير خارجية تركيا قال علانية إنه جاء إلى إثيوبيا من أجل نقل الخبرة التركية في بناء سد أتاتورك العظيم إلى إثيوبيا، وهو السد الذي حرم سوريا والعراق من نحو ٢٥ مليار متر مكعب من المياه، حولت الأراضي العراقية إلى أراض مالحة قاحلة ضعيفة الإنتاج، وحولت سوريا من دولة مصدرة للقمح إلى دولة مستوردة له ولباقي صنوف الغذاء. أيضا نقل المسئولين الأتراك الإستراتيجية التي اتبعوها بنجاح وخبث مع سوريا والعراق وهي إستراتيجية مفاوضات لا تنتهي أبدا وعمل في السدود لا يتوقف، ويتم الانتهاء من سد والبدء في التالي، والظهور للعالم كدولة متحضرة تتفاوض مع جيرانها، وأنها لا تريد أي أضرار للجيران، بينما هي تضمر كل الشر لكل جيرانها، وهي الأمور التي تطبقها معنا وبنجاح كبير حتى الآن.


الأخطر في الإستراتيجية التركية الإسرائيلية هي نقل التجربة التي وضعها رئيس الوزراء التركي أورجوت أوزال عام ١٩٨٨ وهي الحق في بيع المياه إلى العالم كمورد طبيعي، مثلما يبيع العرب أيضا البترول كمورد طبيعي، فهذا يأتي من تحت الأرض والأول يهطل من السماء، ولكنهم يتناسون أن استخراج البترول يتطلب استثمارات بالمليارات وتقنيات فنية عالية، ويكلف الشركات والدول مبالغ كبيرة في استخراجه، كما أن الحياة بدونه لا تنتهي ولا تتوقف، بينما الماء يهطل مجانا من السماء وبدون استثمارات ولا نفقات، وأن الله جعله مع الهواء ملكية عامة للجميع، لأن لا حياة بدون ماء ولا هواء، ولكن الدول الشريرة فقط، فكرت أن تستغل شرياني الحياة كتجارة محرمة ملعونة تقتل من لا يستطيع دفع ثمنها.


تقوم الإستراتيجية الإسرائيلية التركية الإثيوبية الجديدة على إحياء مشروع أنابيب السلام التركي، والذي قارب على التنفيذ منذ ٢٥ عاما، ولكنه توقف للاختلاف بين تركيا وإسرائيل حول سعر المتر المكعب من المياه ومن يتحمل تكاليف الخط!. هذا المشروع يقوم على أساس مد خطي أنابيب للمياه الأول يتجه إلى إسرائيل، والثاني يتجه إلى المنطقة العربية في الخليج، ويمد الكويت والمملكة والإمارات وقطر والبحرين وكل مايطلب بالمياه العذبة للأنهار، والبنك الدولي لا يمانع في ذلك بل يشجعه تحت مبدأ تسعير وبيع المياه Financing Water أي يعامل الماء كرأس مال له سعر حتى يعلم المستخدمون قيمته إذا ماسددوا سعرا نقديا له؛ لأنهم يعيشون من عائداته سواء من الزراعة أو الصناعة والتجارة، كما لا تستقيم المساكن والعمران بدون المياه العذبة.


بالتأكيد الزيارة الأخيرة لنتنياهو وبالتنسيق مع تركيا وإثيوبيا، هي للتخطيط لنقل المياه قريبا إلى إسرائيل، حيث سربت إثيوبيا الأسبوع الماضي خبر بدء إنشاء خط أنابيب المياه إلى ميناء بورسودان في منتصف السودان والمقابل تماما لميناء جدة السعودي والقريب أيضا من ميناء إيلات، وإلا فماهو معني أنبوب للمياه إلى ميناء تصديري في السودان سوى بداية لعصر تصدير المياه؟!، ولكن بذكاء بأن يمنعوا الانتقادات والحملات الدولية إذا ما أوصلوها للمتناقضين العرب وإسرائيل، وبالتالي تكون حروب إسرائيل مع الدول العربية للاستحواذ على المياه وسرقتها سواء من نهر الأردن أو من أنهار جنوب لبنان الكبير والليطاني والعاصي سوف تتوقف بسبب وفرة الماء القادمة من نافورة المياه الأفريقية في إثيوبيا ذات الموارد الضخمة والبالغة ١٢٣ مليار متر مكعب من مياه الأنهار، بالإضافة إلى ٩٣٦ مليار متر مكعب من مياه الأمطار وجميعها موارد سنوية ومتجددة.


التحرك الإسرائيلي ومن قبله التركي في دول منابع النيل لا ينبغي أن يغيب عن العين المصرية، كما وأن الحفاظ على حصة مصر من المياه قبل أن تنتهي إثيوبيا من سد النهضة بحتمية توقيع اتفاقية تتعهد فيها إثيوبيا بالحفاظ على تدفقات النيل الأزرق المقام عليها سد النهضة عند سابق مستواه قبل بناء السد والبالغة ٥٠ مليار متر مكعب بتدفقات تخرج من خلف السد سواء يومية أو سنوية، لأنه من الخطأ أن تتفاوض مصر على سد وليس على حصتها من المياه. الوضع أيضا قد يتطلب تفسيرات إسرائيلية لمصر خاصة وأن اتفاقية كامب ديفيد تنص على عدم قيام إسرائيل بدعم أي عدوان على مصر أو تسانده أو تساعد عليه، بينما الزيارات الإسرائيلية لخمس دول من دول منابع النيل ومن قبلها جنوب السودان كدولة سادسة تؤكد أن هناك تخطيطا إسرائيليا – تركيا لتطويق مصر من الجنوب واستغلال حاجة دول منابع النيل إلى المساعدات والاستثمارات الخارجية، واللعب على وتر أنه ينبغي لمصر أن تدفع ثمنا لما يصلها من مياه من دول منابع النيل، أو تأتي للاستثمار الزراعي والصناعي، وأن تنفق بسخاء من أجل الحفاظ على حصتها المائية .... فهل نحن منتبهون.