المرحلة الثانوية فى مصر وتطوير لم يكتمل

05/07/2016 - 10:44:16

د. نادية جمال الدين

صدرت الإشارات الأكيدة بأن المجلس الاستشارى للتعليم سوف يعمل من أجل الإعداد لإستراتيجية من أجل تطوير التعليم والثانوية العامة على وجه الخصوص، وربما كان هذا ما دفعنى لمحاولة رصد وتقديم واحدة من محاولات تطوير الثانوية فى مصر، والتى لم تكتمل رغم أنها كانت ممولة بقرض من البنك الدولى، وقد بدأت هذه المحاولة منذ عام ١٩٩٧ وتوقفت علاقتى بها عام ٢٠٠٤ غير أن المؤلم هو أن المشروع لم يكتمل لأسباب أساسها تغيير وزير التربية والتعليم...


كانت البداية فى الاهتمام بتطوير التعليم فى مصر فى حقبة التسعينيات من القرن الماضى تاليه لانعقاد مؤتمر التعليم للجميع فى جومتيان/تايلاند ١٩٩٠ ويعتبرهذا المؤتمر بداية مرحلة مختلفة فى العالم بشأن التعليم، حيث خرج التعليم من كونه مسئولية وطنية إلى أن يكون اهتماما عالميا حيث أصبح حقا من حقوق الإنسان تُسأل الدول بشأنه. وكرد فعل لهذا وكهدف وطنى أصيل بدأت إبان تولى الأستاذ الدكتور حسين كامل بهاء الدين رحلة تطوير التعليم فى مصر حيث انعقد أول مؤتمر قومى لتطوير التعليم الابتدائى عام ١٩٩٣ ثم الإعدادى عام ١٩٩٤ وتطوير وإعداد المعلم ١٩٩٦، وشارك فى هذه المؤتمرات جميع أطياف المجتمع المصري. وكانت إيذانا باستكمال تطوير التعليم لينتقل الاهتمام إلى مرحلة التعليم الثانوي.


بدأ العمل الجاد بتطوير التعليم الثانوى عام ١٩٩٧ وكان ذلك عن طريق لقاءات تعقد فيها جلسات للقصف الذهنى بالوزارة يلتقى فيها أساتذة وعمداء كليات التربية فى مصر ورجال الأعمال والمتخصصون على تنوعهم والمراكز البحثية التربوية وأولياء الأمور... وتعددت الجلسات وانتهت إلى ضرورة وضع إستراتيجية لتطوير المرحلة الثانوية نظرا لأنها تمثل عنق الزجاجة بالنسبة للمرحلة قبلها حيث يتم توزيع التلاميذ فيها على الثانوى العام والثانوى الفنى والذى كان يضم حوالى ٦٦٪ من الحاصلين على الشهادةالإعدادية فى حين كانت النسبة فى التعليم الثانوى تكاد تصل إلى ٣٤٪ تقريبا ومن المعروف أن التعليم التجارى حينئذ كان يستوعب النسبة الأكبر.. وكانت نهاية المرحلة الثانوية أيضا تمثل أزمة حيث الشهادة الثانوية العامة بأعداد الحاصلين عليها والذين لا تتوفر لكثير منهم أماكن فى الجامعات وحتى الآن مازالت الازمة موجودة بل تزيد عاماً بعد عام الآن الأعداد المتقدمة للاحتمال لم يفاعلها توسع فى الأماكن المتاحه بالجامعات.


وكانت أهم التحديات التى ينبغى مواجهتها والعالم على مشارف ألفية جديدة ومصر أيضا غير مستثناة من ذلك هو الزيادةالمتصاعدة لاهتمام العالم كله برأس المال البشرى واعتبار الإنسان هو الثروة الحقيقية لأى مجتمع يتطلع إلى النمو. وبالإضافة إلى هذا كانت نظرة المجتمع المصرى ولا تزال للتعليم باعتباره المعبر الآمن والطريق المستقيم للعمل الآمن. فالتعليم فى التراث الثقافى المصرى سلاح له قيمته وتبعا لهذا فالمجتمع المصرى وحتى الآن لا يزال يفضل لأبنائه التعليم الثانوى العام حيث إنه مفتوح النهاية أى يقود إلى التعليم الأعلى مختلفا فى هذا عن التعليم الفنى مغلق النهاية. وكانت من أهم التحديات التى يواجهها التعليم الثانوى عموما محدودية الأماكن فى التعليم الثانوى العام وأيضا تآكل الحدود بين مناهج التعليم الثانوى العام والفني.


ولما كانت المرحلة الثانوية ولا تزال تمثل مشكلة حقيقية من حيث ازدواجها وما يحمله تشعبها إلى ما يمكن أن يكون نوعا من الحرمان يحول بين العدد الأكبر من خريجى الإعدادية وبين استكمال تعليمهم فى الجامعات وبحيث يعتبر هذا إهدارا لحقوق المواطنين وأيضا حرمان لهم من إتاحة الفرص فى التعليم الأعلى فقد كان الرفض الاجتماعى للتعليم الفنى يتزايد ولا يزال ومن أجل مواجهة هذه الأمور وغيرها فقد انعقد العزم فى وزارة التربية والتعليم على عقد مؤتمر قومى استكمالا للمؤتمرات قبله بشأن التعليم ومن أجل هذا بدأ الإعداد لهذا المؤتمر على هيئة لقاءات تدور فيها المناقشات والحوارات وتصاغ فيها المقترحات وذلك منذ عام ١٩٩٧.


واستمرت اللقاءات بين الخبراء المصريين والأساتذة المتخصصين والمسئولين بوزارة التربية والتعليم والخبراء الفنيين من البنك الدولى... وانتهت المناقشات إلى وضع ملامح رؤية مقترحة طويلة المدى لتطوير التعليم بمصر والمرحلةالثانوية بوجه خاص وتمثل الهدف العام لتلك الرؤية فى تحسين الكفاءة والجودة وتحقيق المساواة فى التعليم وأيضا تحقيق مزيد من الارتباط بين مراحل التعليم المختلفة قبل الجامعى والجامعي.. هذا إلى جانب زيادة حجم وفرص المشاركة فى تحسين العملية التعليمية من جانب الأطراف المعنية المستفيدة من تطوير التعليم الثانوى.


ومع البدء فى عقد اللقاءات الشهرية، والتى بلغت ٢٥ لقاء ابتداء من نوفمبر ٢٠٠٠ وكانت هذه اللقاءات عملاً ديمقراطياً حقيقياً حيث تم الاستماع المختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية والأحزاب والتربويين والمعلمين وأولياء الامور وغيرهم فقد كان من أهم الاتجاهات هو توفير منهج مطور موحد لطلاب المرحلة الثانوية يتضمن العلوم المستقبلية والكفايات الأساسية اللازمة للقرن الحادى والعشرين، والتى تحقق الاستمرار فى التعلم مدى الحياه هذا مع التأكيد على اتقان اللغات واستخدامات الحاسب الآلى للتعامل مع كل جديد يبزغ.


ولما كان المشروع يهدف لتحقيق المساواة وزياده الفرص المتاحة امام التلاميذ للالتحاق بالتعليم الثانوى العام وبالتالى اتخذ القرار بتحويل ٢١٥ مدرسة تجارية إلى ثانوى عام، مما يؤدى إلى أن يتساوى العدد تقريبا الملحق بالثانوى العام والثانوى الفنى بكل تخصصاته مع الاهتمام بتحسين التعليم الفنى الصناعى وتطويره لمواجهة متغيرات العصر.


ولتحقيق هذه الأهداف كان الاتجاه إلى وضع إطار لمواد محورية يشترك فى دراستها جميع تلاميذ المرحلة الثانوية دون ما تفرقه بين فنى وعام أى إيجاد جذع مشترك من المواد التعليمية التى يدرسها جميع طلاب المرحلة الثانوية، وإن تنوعت فى محتواها وفقا للتخصص.. وكانت المواد المقترحة اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم والمواد الاجتماعية والتكنولوجيا مع وضع إجراءات تتيح مرونة التحويل بين شقى التعليم الثانوى العام والفنى، واستخدام وسائل تقويم حديثة شاملة لقياس معارف ومهارات واتجاهات التلاميذ.


كان هذا كله حصاد اجتهادات الأساتذة من المتخصصين والمهتمين والعاملين فى حقل التعليم وخدمة المجتمع والذين شاركوا وأنتجوا نتائج إيجابية، إضافة إلى فكرة التطوير للمرحلة الثانوية ونظام الامتحان والشهادة وان تكون على اكثر من عام مثل بقية دول العالم.


وكان الاتجاه الذى خرجت به اللقاءات التحضيرية ضرورة لتحقيق المرونة والانسيابية فى التعليم الثانوى وإتاحة الفرصة للانتقال بين التعليم وسوق العمل مع التأكيد على إتقان اللغات والعمل على تحقيق نقلة نوعية فى التعليم مع إمداد التلاميذ بالكفايات المطلوبة حاليًا، والتى أطلق عليها كفايات القرن الحادى والعشرين لتمكينهم من التعامل مع متطلبات الثورة العلمية والتكنولوجيا المتقدمة.


والحق أن حصاد اللقاءات التى استمرت لما يزيد عن العامين أظهرت اهتماما واضحا من الحضور، والذين أكدوا على ضرورة تعميق الجذور التاريخية للمتعلم فى ظل العولمة بالاهتمام بالتاريخ والجغرافيا، وكل ما يؤدى إلى ذلك وتأكيد غرس قيم الديمقراطية وممارستها بين التلاميذ وتوفير مساحات بالمدارس لممارسه الأنشطة والاهتمام بتطوير نظم وأساليب التقويم والاختبارات الشهرية واختبارات نهاية العام.


ولعل أهم ما انتهت إليه وزاد الاهتمام به، وأثمرت عنه اللقاءات التحضيرية هو أهمية تغيير النظرة المزدوجة للتعليم الثانوى بشعبتيه، بحيث لا ينظر للتعليم الفنى على أنه من الدرجة الثانية وتوفير صفات مشتركة للمرحلة الثانوية دون فصل بين أنواع ذلك التعليم، وإتاحة مزيد من الفرص أمام تلاميذ التعليم الأساسى للالتحاق بالتعليم العام، بحيث تصبح النسبة المقترحة حينئذ وكما سبقت الإشارة ٥٠٪ للثانوى العام و٥٠٪ للثانوى الفنى، وأكدت اللقاءات التحضيرية على أهمية العمل من أجل توفير متطلبات التعليم المتميز للجميع، وكان هذا أحد متطلبات المؤتمر العالمى لليونيسكو، والذى عقد فى دكار بالسنيغال عام ٢٠٠٠ خاصة فى ضوء تغيير مواصفات الإنتاج الحديث وقضايا الجودة مع إحداث تغير جذرى فى المؤسسة التعليمية سواء من حيث الشكل أو من حيث الأفراد القائمين بالمهام فيها مع الاهتمام بإعداد برامج فعالة للتدريب أثناء الخدمة للمعلمين باعتباره ضرورة وركيزة أساسية لجودة المنظومة التعليمية هذا أيضًا مع الالتزام بالمعايير العالمية فيما يختص بكثافة الفصول لتأثير ذلك على جودة العملية التعليمية ولتحقيق التميز للجميع.


وأود الإشارة إلى أن مشروع التطوير هذا عرض على مجلس الوزراء، وتمت الموافقة عليه عام ٢٠٠٠ كما عرض على مجلس الشعب بتاريخ ٥/٦/٢٠٠٠ وتمت الموافقة عليه.


وكان هذا المشروع يقدم رؤية متكاملة طويلة المدى تمتد إلى عشرين عاما (٢٠٠٠-٢٠٢٠) وتمتد المرحلة الأولى منه وهى مرحلة الإعداد الكامل للمشروع من حيث المناهج وتحويل المدارس وتجهيزها وتدريب المعلمين وإعداد نظم التقويم وما إلى ذلك حتى عام ٢٠٠٧ على أن تتحدد المراحل التالية فى ضوء نجاح المرحلة الأولى، والتى لم تتم.


ما سبق كان تلخيصا لحوارات ونقاشات وجلسات استماع استمرت من عام ١٩٩٧ وحتى ٢٠٠٤ وكان الاستعداد على قدم وساق لعقد مؤتمر قومى لتطوير التعليم الثانوى إلا أنه لم يتم لقدوم وزير جديد إلى الوزارة.


ولعل وثيقة المشروع الصادرة عن البنك الدولى فى ٢٢ مارس ١٩٩٩ توضح تفاصيل متعددة ودقيقة حول الرؤية الكاملة تفصيلا.. ويمكن القول هنا رغم الاعتراف بأن العرض السابق لم يقدم إلا الخطوط العريضة دون تفصيلات الجهود المبذولة، وخاصة فى مجال محاولة رفع مستوى الوعى المجتمعي بأهمية تطوير التعليم والمشاركة بالرأى فى اتخاذ القرار، الذى يمس طموحات الأسرة المصرية، والتى تهتم اهتماما مؤكدا بالتعليم الثانوى، وخاصة الأسر، التى حصلت على التعليم وتدرك أهميته وضرورته لمستقبل الأبناء، فالتعليم الثانوى العام هو الطريق المفتوح للالتحاق بالجامعة وكانت سياسة الدولة بالفعل تساير الاتجاه العالمى ألا وهو التوسع فى التعليم العالي كاستجابة لمتطلبات العصر.


فقد كان من الواضح أن الثروة العلمية والتكنولوجية تفرض على الجميع عدم الاكتفاء فى التعليم بالمرحلة الثانوية، بل لابد من الاهتمام بتقديم التعليم المناسب للمواطن فى القرن الحادى والعشرين ألا وهو التعليم الجامعى، والذى ينبغى أن يعقبه تأهيل وتدريب مستمر ثم معاودة التعليم والاستمرار فيه لمواجهة كل المتغيرات المعلوم منها وغير المعلوم فى الحاضر والمستقبل. أقول لقد كانت هناك الإرادة والجهد المبذول والرؤية الواضحة والعمل الجاد رغم صعوبات كثيرة إلا أن مشكلة سياسة التعليم فى مصر هى فى تغيير الوزير أو انفراد شخص بوضع سياسات للتعليم، أى أن الحاجة ماسة لانقاذ الدستور وإنشاء مجلس قومى للتعليم يصنع السياسات ويضمن تنفيذها سواء استمر الوزير أم لم يستمر.


إن مصر المحروسة والتعليم فيها له تاريخ طويل ممتد عبر القرون وأن أى تفكير فى تطوير التعليم لابد أن يهتم بالتاريخ الثقافى للوطن، فالتعليم ومهما قيل عن تغييرات العولمة الكاسحة إلا أن له طابعه الوطنى الخالص وأهميته الاجتماعية لأبناء الوطن أنفسهم، ولهذا فلا يمكن ووفقا لآراء الخبراء والمتخصصين فى التربية نقل نظام تعليم من مجتمع إلى مجتمع آخر أو حتى جزء منه، وإنما يمكن الاستفادة من نتائج التجارب بالناجحة لدى الغير مع ضرورة ملاءمتها للاحتياجات الفعلية للمجتمع وللمواطن.


حقا لم أقدم التجربة كما ينبغى ولكن التقارير، التى تحمل ملامح المشروع ذاته، وما تم الاتفاق على إنجازه موثق ومحفوظ إلا أن أكثر ما تم عرضه هنا هو ثمرات الحوارات، التى دارت فى اللقاءات التمهيدية والمرتبطة أساسا بملامح مشروع تطوير التعليم الثانوى المتكامل مع تطوير مراحل التعليم ككل، فلا يمكن تطوير مرحلة دون أخرى أو مادة تعليمية دون أخرى أو إهمال لإعداد المعلم للتعامل مع هذا التطوير، وغير هذا من الأسس التربوية المعمول بها فى مصر على امتداد تاريخها التعليمى الحديث وتقره أيضا الدراسات والتجارب العالمية.