التعليم فى مصر ( ١-٢)

05/07/2016 - 10:42:23

بقلم - عادل سعد

آخر نتيجة حقيقية للثانوية العامة بلا تزوير صدرت فى ١٩٥٢ عقب حركة الجيش التى أصبحت فيما بعد حركة الجيش المباركة ثم أصبحت ثورة يوليو المجيدة .


كانت النتيجة على ما أتذكر ٤١ بالمائة،وبعدها صارت الثانوية العامة قضية اجتماعية سياسية وطنية ،ولم يعد مقبولا أن تقل نسبة النجاح عن ٧٠ بالمائة .


وقتها كان يتصارع على قيادة التعليم أستاذان عظيمان يدافع كلاهما عن مدرسته : إسماعيل قباني ويمثل المدرسة الإنجليزية ومنهجها فى المدارس والمدرسة الفرنسية بقيادة عميد الأدب العربي د. طه حسين .


عقب ثورة يوليو المجيدة جرى استبعاد الاثنين،لتعمل الوزارة لأول مرة بلا منهج،على خطى الثورة والقومية العربية،وجرت مصادرة كل المدارس المقامة بمجهودات المجتمع المدنى والأوقافات وضمها لمدارس الوزارة ،ولعل أشهرها سلسلة مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية،وتولى وزارة التربية والتعليم الصاغ كمال الدين حسين وكان من مآثره العظيمة طبقا لدعاية الناصريين والثوار بناء مدرسة كل يوم،لكن أحدا لم يسأل ما علاقة جناب الصاغ بالتعليم والعمليات التربوية، كما أن أحدا لم يعترض على اختلال المناهج بوصفها الأهم فى العملية التعليمية ،بعد أن دخلت عليها مقررات التربية القومية ،وأصبحت أسماء المدارس : الجلاء – الوحدة العربية – الثورة – التحرير – ناصر - وهكذا بدأت تنمو عشوائيا تراكمات وجود المدارس بلا تعليم.


لم يكن التعليم الحكومى رديئا فى زمن الملكية ويكفى أن نذكر أن الزعيم مصطفى كامل كان يكتب فى مجلة لافييت أوسع المجلات الثقافية فى فرنسا فى زمانه مدافعا عن حقوق بلاده وكان عمره ١٧ عاما ولاقى إعجابا واسعا بأسلوبه وبلاغته وكان طالبا بمدرسة حكومية.


ولم يكن أولاد الفقراء محرومين من التعليم فقد ارتقى الطالب الأعمى طه حسين الفقيرابن عزبة الكيلو بالمنيا ليصبح على رأس الثقافة والتعليم فى مصر.


أمر آخر فى منتهى الخطورة، فقد جرى بجرة قلم إلغاء التعليم الإلزامى،عقب يوليو، وكانت الابتدائية وقتها شهادة حقيقية ،وهكذا تزايدت كارثة أخرى .


تصاعدت نسبة الأمية ومازالت تتصاعد،وتجاهل أهل الثقة من القائمين عليها تجارب الجامعة العمالية وإبراهيم شكرى، حينما كان يجرى تدريب الملتحق بفصول محو الأمية على حرفة كالنجارة أو الكهرباء أو هواية كالرسم أو التطريز حتى لا ينسى الدرس، لكن كل هذا ضاع بفضل القائمين على جهاز نشر الأمية،الذى يعج بمستشارين يهبطون عليه من السماء وكل واحد منهم يتقاضى ٤٠ ألف جنيه شهريا بينما مدرس محو الأمية يقف فى الشمس والحقول مقابل جنيه ونصف للحصة.


الخطورة أن محو الأمية هو الطريق الوحيد لإيقاف انفجار زيادة السكان لكن البعض يتجاهل ذلك .


نعود للتعليم ،وكان طبيعيا أن تنهار مكانة المدرس مقارنة بالمهن الأخرى، وكان حتى يوليو لا يقل عن الضابط أو المهندس.


كان المدرس حتى نهاية الخمسينات يعبر الشارع مزهوا ومعطرا ،حفاظا على مهابته أمام التلاميذ،واليوم يبدو طبيعيا رؤية الأستاذ الشريف وهو يقفز من السورليلتهم رغيفا من الفول أو يتشعبط فى الأتوبيس أو ينال علقة ساخنة من أولياء الأمور.


أغلب المدارس خالية فى الأجازة الصيفية وأيام الدراسة، بينما قاعات فيلسوف الجبر وعبقرى الكيمياء وغيرهما من جهابذة الدروس الخصوصية مزدحمة لتمتص من دماء المصريين الغلابة ما يقرب من ١٤مليار جنيه سنويا بعلم الحكومة،ومع أول تصد لهؤلاء اللصوص ثارت الدنيا فى نقابة المعلمين وهددتنا بإيقاف التعليم وتعطيل المدارس.


كنت فى زيارة لروسيا واكتشفت أن راتب المدرس أعلى من أستاذ الجامعة ،لأنه الأكثر تأثيرا على عقول الطلاب، وطالعتنا المستشارة الألمانية ميركل بتصريح قاطع عندما طالب ضباط الشرطة والقضاة مساواتهم بالمعلمين في المدارس فقالت غاضبة : «كيف تطلبون المساواة فى الأجر مع من علموكم ؟»


لكننا فى مصر نمسح بالمدرس البلاط ،ونذيع بذاءات عادل إمام فى مسرحية مدرسة المشاغبين، التى شوهت على الطريقة المصرية الفيلم الأجنبى : «إلى أستاذى مع حبى « لسيدنى بواتييه ، وننسى أن مصر كانت تتغنى يوما ببيت شعر أحمد شوقى : «قم للمعلم وفّه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا»


الآن ينطبق علينا قول الشاعر : «العلم يبنى بيوتا لا عماد لها والجهل يهدم بيت العز والشرف» الآن نهدم حياتنا بغياب التعليم وبالمدارس الأجنبية التى تسرطنت فى كل مكان.


بالأمس القريب تقابلت مع إحدى قريباتى بدار الأوبرا وكانت تشكو لأن ابنتها تريد الغناء،قلت وما المانع؟ وعرضت أن أساعدها،لكننى فوجئت بأنها تغنى بالإنجليزية والفرنسية فقط ،وشعرت بالغيظ وقلت لها إن الأوربيين لديهم مطربوهم ولن ينتظروها، فقالت : “العربى صعب جدا وأنا لا أفهم أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم “


والويل لنا من هذا الجيل الذى يجرى إعداده على مهل لتدميرنا تماما ،لقد كان مصطفى كامل يتحدث الفرنسية بطلاقة ويكتب : «بلادي بلادى .. لك حبى وفؤادى» فى إحدى خطبه البليغة بالعربية فيلتقطها يونس القاضى وتصبح نشيدا قوميا .


اليوم تنطبق علينا نبوءة الشاعر الكبير نجيب سرور حينما قال قبل أن يضربه الجنون :


“ قال المدرس : بال «الشحبول» على الحائط


سأل التلميذ : وما معنى الحائط ؟


أعرف أن ما أكتبه غريبا ويبدو كتغريدة خارج السرب، وربما يقفز أحدهم في سخافة ليسأل : «انجليزى داا يا مرسي ؟»


وتلك كلها مؤشرات على أننا نتدهور.