درس وطنى من «بلال» .. لفئة رجال الأعمال!

05/07/2016 - 10:23:16

بقلم - أحمد النجمى

تأتى دروس الوطنية دائماً من أطراف لا يتوقعها محترفو السياسة.. وآه من هؤلاء المحترفين، الذين باتوا يملكون منصات فضائية وصحفية ومواقع إلكترونية خاصة، لاتساند المشروع الوطنى للسيسى قدر ما تساند مصالحها الضيقة، وتسعى إلى المزيد من المكاسب التى لا تشبع منها، دعونا - إذن - من هؤلاء، ودعونا من الأحزاب، ومنظمات المجتمع المدنى، وانظروا إلى “بلال محمد السيد جمعة”، الذى لقن كل هؤلاء درساً فى الوطنية الحقة.


بلال محمد السيد جمعة، هو اسم لطفل مصرى فقد بصره ولم يفقد بصيرته النافذة، اتخذ موقفاً نبيلاً يوم تكريمه من الرئيس السيسى بوصفه أحد حفاظ القرآن الكريم، فى احتفالية “ليلة القدر” الأسبوع الماضى، بلال هو واحد من حفاظ القرآن الكريم الستة الذين مثلوا مصر فى المسابقة الدولية لحفظة كتاب الله تعالى، مثل مصر منهم-هؤلاء الستة - اثنان من المكفوفين، منهما بلال.. الذى صعد ليصافح السيسى ويتسلم جائزته، فإذا ببلال يفتح حواراً جانبياً مع الرئيس، ثم يعلن تبرعه بـ ٥ آلاف جنيه لمشروع “تحيا مصر”!.


قبل أن تنسينا أية أحداث قادمة اسمه، نذكر اسم “بلال محمد السيد جمعة” ونؤكده ونشدد عليه.. فالأحداث الإيجابية تتوه في دوامة الأخبار السوداء، وهذه الأخبار السوداء يصنعها “أعداء التجربة”، هؤلاء الذين لا ينحصرون فقط فى “المحظورة” وأخواتها والدواعش وغيرهم من تتار هذا الزمن على حدودنا الشرقية والغربية وفى الداخل أحياناً، وإنما يتجسد أعداء التجربة الراهنة كذلك فى “السوس” الذى كتبنا عنه قبل عام تقريباً مقالاً على صفحات “المصور” الغراء، رجال أعمال لا يرغبون في المشاركة، وساسة يحترفون السياسة ليستفيدوا منها فوائد شتى لا ليفيدوا الناس أو الوطن، وإعلاميون يتربحون من أموال رجال الأعمال هؤلاء ويخربون عقول الناس، ويبيعون مصر بالكيلو جرام فى برامجهم، و..... و.... و....، لكننا ونحن نرى تضحية “بلال”، نتوجه بالمقارنة بين بلال - وأمثاله من المضحين - وبين السادة المليارديرات..!


يضحى بلال بآلافه القليلة المعدودة، ابن “كفر الشيخ” المشهورة بمشاكلها فى البنية التحتية والفقر، بينما يضن المليارديرات بملايينهم لمشروع “تحيا مصر” أو حتى لأية مشروعات خيرية تحمل أسماءهم الشخصية، إنهم - فقط - يتهربون من الضرائب، ومن البنوك، ومن المجتمع كله..!


أمثال بلال - الذى قهر فقد البصر - جديرون بالتعظيم - لم يكن غريباً احتفاء الرئيس السيسى به وحفاوته معه، وترحبيه به.. فعلى مثل الشيخ بلال، يراهن عبدالفتاح السيسى، على المصريين الحقيقيين، الذين جمعوا ٦٤ ملياراً طالب السيسى بها المصريين “اكتتاب عام” لشق قناة السويس الجديدة جمعها أمثال بلال فى ٨ أيام، الذى يخلص لمصر دون انتظار العائد، بل قد يجودون بما يملكون - وهم لايملكون إلا القليل - من أجل هذا البلد.. فإن لم يجودوا بالمال، جادوا بالجهد والعرق فى المصانع والمزارع وكل أماكن العمل الجاد، فإن لم يجودوا بالعرق جادوا بالدم.. على جبهات القتال ضد الإرهاب فى سيناء وفى كل بقعة من أرضنا، ومن قبلها جادوا بأرواحهم شهداء في حروب مصر الشريفة ضد الصهيونية: ١٩٤٨ - ١٩٥٦ - ١٩٦٧ الاستنزاف ١٩٧٣، ومن قبلها جادوا بأرواحهم في حروب مصر في عصر محمد على وحفيده إسماعيل، وقبلها جادوا بالروح فى قتال غزو العثمانيين لمصر “ ١٥١٦ - ١٥١٧”، وقبل أن يستشهدوا فى “الريدانية” مع الشهيد العظيم السلطان المملوكى “طومان باى” لم يجد السلطان غير أولاد البلد يحفرون الخندق الكبير الذى كان يستهدف به منع العثمانيين من دخول القاهرة، فيما امتنع “الأعيان” وأثرياء التجار عن حفر الخندق، وتعفير “عمائهم” الأنيقة..!


هذه حقائق التاريخ التى يحيلنا إليها مشهد تكريم السيسى للشيخ بلال، وتبرع بلال لمشروع “تحيا مصر” بالآلاف الخمسة، التي ينفقها بعض المليارديرات فى “قعدة شيشة وقهوة وشاى” فى أحد “الكافيهات” بهذا أو ذاك من المنتجعات الفاخرة أو “المعازل” التى يفصلها عن المجتمع أسوار عالية، ذلك المجتمع الذى يسبب لهم نوعا من “القرف”..!


إننا - يعلم الله - ليس بداخلنا حقد خاص تجاه الأثرياء، أو رجال الأعمال ولا نخض على كراهيتهم، أو إثارة الطبقات الأدنى ضدهم، إننا فقط نبدى مفارقة تاريخية اجتماعية - اقتصادية شديدة الوضوح..!


فإذا مررنا على التاريخ مروراً سريعاً - لا يخلو من تأمل - لوجدنا أن خالد الذكر “جمال عبدالناصر” صبر صبراً جميلاً على هذه الطبقة، منذ تسلمه الرئاسة فى ١٩٥٤، وحتى قرارات مصر الاشتراكية ١٩٦١، ظل ٧ سنوات ينتظر من نفس هذه الطبقة - مع وجود خلافات ثقافية واجتماعية بينها وبين الطبقة المناظرة لها الآن - أن تساعده، أن تمد يدها لمشروعات التصنيع الجبارة أن تتعاون في إمداد مصر بما ينقصها من سلع كان الاستعمار يحاربها بمنعها عنها، أن تسهم في المشروعات الكبرى - السد العالى، ومجمع الألومنيوم، وغيرها.. لكن أحداً من مليونيرات ذلك الزمن لم يقدم مليماً لعبد الناصر، فكان قرار التأميم.. الذى مهما قيل عنه، فهو قرار له مسبباته التاريخية، وحذوره الاقتصادية - الاجتماعية!.


هذه الطبقة - مع تلونها الاجتماعى الجديد الآتى من سمات الانفتاح فى السبعينات ثم العولمة في التسعينيات - موجودة وبنفس العقلية العفنة، وبنفس الاستعلاء القديم، ونحن عرفنا أن هذه الطبقة لم تمد يد العون إلي جمال عبدالناصر بهدف إسقاطه بل تآمر بعضهم على ناصر والدولة فى العدوان الثلاثى ١٩٥٦ على أمل أن يعيدهم الاحتلال إلى السلطة، فهل تملك هذه الطبقة.. نفس الأفكار الآن؟!


نعم تغيرت معطيات المشهد.. لكن الاستعمار العالمى باق بصيغة جديدة، ولديه مشروع لتقسيم المنطقة أكثر بشاعة من مشروعه فى العام ١٩٥٦، وأعداء الداخل موجودن.. الإخوان وحلفاؤهم وأذنابهم، فضلاً عن “المتنطعين” هنا وهناك باسم الحرية حينا وباسم حقوق الإنسان حينا، والدولة المصرية تخوض حرب مصير والطعنات لا تخفى على أحد.. في هذا المشهد تجد الشيخ “بلال” يتبرع بجائزته عن حفظ كتاب الله المجيد، وبعض مليارديرات مصر يضنون ببضعة ملايين على نفس هذا المشروع “تحيا مصر” ولا نجد لهم ظلاً فى أى مشروع تنموى كبير يخوضه المصريون في زمن السيسى، القوات المسلحة هى التى تبنى وتشيد وتحفر وتقيم وتؤسس، فإذا تطلب الأمر تمويلاً ضخماً كقناة السويس الجديدة برز الشعب المصرى ممولاً، وتراجع المليارديرات ورجال الأعمال.. ثم يعودون بعد ذلك إلى أقاويلهم وأكاذيبهم وادعاءاتهم التى حفظناها: الرئيس لا يدعونا للمشاركة، الرئيس يستعين بالقوات المسلحة وينسى رجال الأعمال، الرئيس يلجأ إلى الشعب للتمويل وليس إلينا..!


إنهم في الحقيقة يتمنون أن يأتى السيسى إليهم ليقول لهم “البلد بلدكو، شيلوا الشيلة، واكسبوا مليارات وارموا للناس فتافيت”.. يظنونه مبارك، الذى جعل الطبقتين الوسطى والفقيرة فى خدمة الأغنياء الجدد..!


ولن يحدث هذا يقينا.. فهذا الموقف لايقوم به شخص لديه وطنية ونزاهة وشجاعة عبدالفتاح السيسى، كما أن رؤيته نحو تنمية شاملة ومستقلة وفعالة لايمكن أن تتوافق مع هذا المنطق، وقد واجه “بوتين” فى روسيا نفس هذا الموقف قبل نحو ١٦ عاماً، وواجه تنطع المليارديرات الروس بطرق عنيفة وبوليسة نلتمس له العذر فيها، لكن السيسى مختلف.. إنه مصر على أن يواجهها بالقانون - إذا تطلب الأمر - وبإصراره على دعوة رجال الأعمال للمساهمة، لكن الواقع يؤكد أن أحداً منهم لم يتحرك وربما لن يتحرك!


الدرس الذى قدمه “بلال” لرجال الأعمال لايحتاج إلى شرح.. ولو كان لدى الفئة التى تمتنع عن المشاركة الوطنية الفاعلة عيون ترى وآذان تسمع وأفئدة تشعر، لو كانوا كذلك.. لما احتجنا أن نقدم الدرس وأن نشرحه.! ولنقارن بين ما قدمه السيسى والقوات المسلحة - والتمويل الشعبى أحياناً والحكومى أحياناً - لمصر فى سنتين، وما قدمه هؤلاء لها في نفس السنتين.. وانظروا إلى هذا أو ذاك من المليارديرات وعدد الأيدى العاملة - فى كل مشروعاته - وبين المستفيدين من أصغر مشروعات السيسى، قارنوا بين الأعداد هنا وهناك، تعرفوا - فوراً - أن رجال الأعمال هم المستفيدون، لا البلد.. أكبرهم لا يعمل لديه مائة وخمسون ألفاً وأكثرهم لا يعمل عندهم ثلث هذا العدد..!


التاريخ لا يرحم، تعلموا يارجال الأعمال من درس الشيخ “بلال” أفضل من أن تتعلموا من التاريخ.. فالتاريخ معلم بالغ القسوة، يلغى طبقات بأكملها أحياناً..!