مصر.. مباهج الأعياد

05/07/2016 - 10:13:20

بقلم - د.محمد عفيفى

مباهج الأعياد في مصر ليس لها مثيل في أي مكان في العالم. ولا يعد قولنا هذا من قبيل الشوفينية، أو التعصب الوطني لمصر، ولكنها حقيقة تاريخية شهد بها الكثيرون. إذ أسهبت في ذكر ذلك الأمر العديد من الكتابات الغربية التي تناولت مصر، منذ هيرودوت ورحلته الشهيرة وصولاً إلى علماء الحملة الفرنسية والكتاب الأشهر «وصف مصر».


وحاول البعض إرجاع ظاهرة ولع المصريين بالاحتفال بالأعياد بشكلٍ عام إلى عصر الدولة الفاطمية ورغبة الحكام آنذاك في إلهاء المصريين عن مسألة اختلاف المذهب الديني، بالإغراق في الاحتفالات والأطعمة المرتبطة بهذه المناسبات.


لكن الحقيقة التاريخية لا تقبل ذلك، وترد الأمر برمته إلى عصورٍ أقدم منذ عصور الفراعنة، ثم طبيعة المصري الذي صنع حضارة الاستقرار على ضفاف النيل، والتعرف على فكرة الدين، بل والتوحيد، قبل أن تهتدي البشرية جمعاء إلى ذلك الأمر، ولذلك حق للمؤرخ الكبير هنري بريستد أن يُعنوِّن كتابه عن مصر القديمة بـ»فجر الضمير».


وهناك العديد من الأمثلة الهامة في نقد نظرية إرجاع تبجيل المصريين للأولياء والقديسين و»آل البيت» إلى العصر الفاطمي، حتى أن البعض قال خطأ أن مصر رفضت التشيع في العصر الفاطمي، لكنها سقطت في هوى آل البيت تأثرًا بأفكار الفاطميين.


الحقيقة التاريخية عكس ذلك تمامًا، فالمصري منذ مصر القديمة يبجل «معبود» قريته أو إقليمه، ويقيم له الاحتفالات الحافلة بمباهج الأعياد، أو ما يُعرف في علوم الاجتماع والأنثربولوجيا والفولكلور بـ»الدين الشعبي»، حتى أن البعض ربط بين سهولة دخول المسيحية إلى مصر، وبين المعتقدات المصرية القديمة، فالسيدة العذراء هي أقرب ما تكون إلى إيزيس، والسيد المسيح هو أقرب ما يكون إلى حورس، لا سيما صورة حورس الصغير والسيدة العذراء والمسيح الطفل.


بل ربط البعض بين ذلك وبين تبجيل المصريين للسيدة زينب، إيزيس، وسيدنا الحسين، وحورس، أو حتى بين إيزيس والسيدة زينب والسيدة نفيسة وسانت تريزا.


ومن المؤثرات المصرية القديمة والتي ما تزال ماثلة في حياتنا اليومية حتى الآن الاحتفال بشم النسيم، عيد الربيع، عيد النيروز، حيث يحتفل المصري بالحياة والنماء. من هنا يأكل المصري في هذا العيد كل ما يدل على الحياة؛ الذي يخرج من الأرض «الخس والملانة»، وما يخرج من الطير «البيض»، وما يخرج من الماء «السمك».


وللدلالة على حرص المصري عبر العصور والحضارات والأديان المختلفة على التمسك بمباهج الأعياد والفرحة، تعارض موعد شم النسيم بعد دخول المسيحية مصر مع موعد الصيام، وبالتالي عدم القدرة على تناول ما هو حي، أو ما به روح. ولذلك وحُبًا في الحياة قام المصري المسيحي بتغيير موعد عيد شم النسيم ليصبح اليوم التالي لعيد القيامة، حتى يستطيع المصري الاحتفال بالحياة وبتناول أطعمة الحياة، وللتأكيد على استمرارية حب المصري لعيد الحياة، وحتى بعد انتشار الإسلام في مصر، استمر المصري ـ دون تمييز ديني ـ يحتفل بشم النسيم، عيد الأجداد، واعترفت الدولة المصرية بشم النسيم وجعلته من الأعياد القومية ذات الأجازة الرسمية.


وبما أننا اليوم فى أول عيد الفطر الكريم، نتذكر جميعًا العادات الجميلة التي أضافها المصري على هذه المناسبة. ومرة أخرى نحن أمام الأسطورة بأن احتفال المصري بشهر رمضان وعيد الفطر يرجع لمؤثرات فاطمية، ولكن الحقيقة التاريخية غير ذلك، إنها طباع المصري الذي يضفي على أعياده بهجة خاصة، حتى الأعياد الدينية، حتى أننا لا نجد هذا الطابع في أي دولة عربية أو إسلامية أخرى.


وللدلالة على وجهة نظرنا نستشهد بإبداع المصري بالاحتفال بشهر رمضان مع ظهور الراديو، إذ سيرتبط رمضان بصوت الشيخ محمد رفعت قيثارة السماء، كما سيرتبط بفوازير رمضان في الإذاعة، قبل انتقالها إلى التليفزيون، والمسلسل الإذاعي «ألف ليلة وليلة» وموسيقاه الشهيرة، وأغنية وحوي يا وحوي، والتي يرجع البعض أصول الكلمات إلى اللغة المصرية القديمة. ومع ظهور التليفزيون يضفي المصري بهجة جديدة على الشهر الكريم بالدراما التليفزيونية الشهيرة، حيث تم نقل هذه العادة إلى العالم العربي كله.


وصولاً إلى العيد نري بوضوح مدى استمرارية العادات المصرية القديمة في مباهج العيد، فقبل نهاية رمضان، وبصفة خاصة الأسبوع الأخير منه، يصبح هذا الأسبوع هو «أسبوع الكحك»، فعيد الفطر هو «عيد الكحك» «العيد الصغير»، في مقابل عيد الأضحى «عيد اللحمة» «العيد الكبير».


وتسهر الأسر المصرية وتعلن حالة الطوارئ طيلة الأسبوع للفرحة بصناعة الكحك والبسكويت، ويتم تزيين الكحك بنقوش جميلة، هي في معظمها نقوش فرعونية، أشهرها قرص الشمس، وصناعة عروسة من بقايا العجين. نقوش وعادات ورثها المصري عبر تاريخه الطويل، واستمرت معه مهما تغيرت ديانته؛ فالجدير بالذكر أن المصري المسيحي يحتفل أيضًا بالعيد بصناعة الكحك، كما يقوم بالنقش على الكحك، حتى أنه يضيف رسم الصليب عليه.


وكان منظر صاجات الكحك، والأفران الساهرة حتى مطلع الفجر من المناظر المبهجة لنا في طفولتنا، قبل أن يغزونا «الجاهز»... كحك العلب الجاهز، وهدوم العيد الجاهزة بدلاً من التفصيل.


كما يرتبط بمباهج العيد الصغير عادة مصرية قديمة «بَلّ الترمس»، أي عمل الترمس، وهي من العادات القديمة في مصر الفرعونية والقبطية وفي العصر الإسلامي أصبح لا عيد إلا بالكحك والترمس، بعد صيامٍ طويل.


ويرتبط بالعيد أيضًا عادة مصرية قديمة وهي زيارة المقابر في الأعياد، فالمصري لا يخاف من زيارة المقابر، بل يجعلها بهجة مرتبطة بـ»طلعة القرافة»، وكالمصري القديم تمامًا يأخذ المصري معه الورد وزعف النخيل ليضعها على المقابر، ويقوم برش الماء على المقابر، دليل الحياة لسكان المقابر من الأحياء والأموات، ويأكل المصري في المقابر بل ويلهو الأطفال أيضًا. ولخص «صلاح جاهين» ذلك في رباعيته الشهيرة:


عيد والعيال اتنططوا ع القبـــــــور


لعبوا استغمايه .. ولعبوا بابــــــور


وبالونات ونايلونات شفتشـــــــي


والحزن ح يروح فين جنب السرور


عجبي!!


إنه المصري فجر الضمير، الباحث دائمًا عن البهجة.