«مش هى دى مصر يا ليليان»

05/07/2016 - 9:45:44

بقلم - نجوان عبد اللطيف

«هى دى مصر ياعبلة».. هذه الكلمات قالها محمود ياسين بطل فيلم الصعود للهاوية، للجاسوسة عبلة (الممثلة مديحة كامل) قالها بكل إعزاز وافتخار بوطنه الذى خانته.


هذه الجملة تحولت أمامى إلى سؤال موجع وجارح عندما قامت جهات أمنية بإرسال قوة من ثمانية أفراد لترحيل الإعلامية الرائعة ليليان داوود من القاهرة بأسلوب غير إنسانى، لم يمهلوها غير خمس دقائق فقط، وأجبروها على المغادرة دون أن تحمل حتى ملابسها وبدون هاتفها المحمول، واقتادوها جبرًا أمام طفلتها المصرية ذات العشر سنوات، دون مراعاة لأى مشاعر إنسانية، بأسلوب مهين ومذل رغم أن ليليان لم ترتكب أى جريمة لتعاقب عليها، وهى محبة لمصر بكل ما للكلمة من معنى حتى بعد ماجرى لها قالت سأعمل كل ما أستطيع للعودة إلى مصر، التى أحبها وإخترت العيش فيها مع ابنتى.


هى دى مصر؟ التى تضيق بإعلامية قدمت برنامجها «الصورة الكاملة» على شاشة أون تى فى خمس سنوات كاملة بمهنية رفيعة وقدرات هائلة فى إجراء الحوار لاستجلاء الحقيقة، والالتزام بأداب الحوار مهما كان الضيف مستفزًا، والدفاع عن المظلومين والمقهورين والمعتقلين ظلمًا.


قالوا لها هذه أوامر أعلى جهة سيادية، إذن هى تعاقب على أنها تسمح لشخصيات من المعارضة الظهور فى برنامجها الذى هو بحق يقدم كعنوانه «الصورة الكاملة»، هو واحد من البرامج القليلة التى تدافع عن المظلومين والمعتقلين السياسيين، والتى تحترم عقلية المشاهد.. هى دى مصر؟ التى تبارى إعلاميو التهليل والتضليل لأى نظام فى تشويه ليليان تارة بالادعاء بإصابتها بمرض الإيدز وتارة أخرى الادعاء بأنها جاسوسة يهودية، دون أن يراعوا لا ضميرهم المهنى ولا الإنسانى.


هى دى مصر؟ التى قامت الكتائب الإلكترونية لجهات ما بالهجوم على ليليان بأنها صليبية وصهيونية، وليس من حقها الكلام على مصر لأنها ليست مصرية.


الفقيه القانونى د. نور فرحات قال فى تعليق له على صفحته للتواصل الاجتماعى( الفيس بوك): «إلى الذين يثرثرون ثرثرة بغيضة على صفحات التواصل أن ليليان ليست مصرية وبالتالى لا يحق لها الحديث عن مصر، هؤلاء ناقصو عقل وعلم وضمير ويجهلون حقائق».. أولا حوالى نصف سكان مصر ليسوا من أصول مصرية، بل هاجروا إليها بعد الفتح العربى فى موجات هجرة متتالية استوطنت محافظات البحيرة والشرقية والصعيد، راجعوا الكتابات عن شيخ العرب همام وأولاد عمر وغيرهم، ثانيا: الكثير من بناة النهضة الفنية والثقافية فى مصر فى العصر الحديث ليسوا مصريين، الشوفينية المصرية لا تظهر إلا فى أوقات التدهور الحضارى، كما حدث طوال فترات التاريخ”.


هل نردد هذا الكلام الغث الذى يجهل موقع مصر المادى والمعنوى فى قلب أمتها وفى قلب العالم.


هل مصر التى سعت بيرم التونسى وجورجى زيدان ونجيب الريحانى وفريد الأطرش، وأسمهان، وفايزة أحمد، ووردة الجزائرية، وغيرهم كثر، فكانوا جزءا منها وهى فى قلبهم وضمائرهم، هى نفسها مصر التى لم تسع ليليان داوود اللبنانية الأصل البريطانية الجنسية، الزوجة السابقة للكاتب المتميز الدكتور المصرى خالد البرى؟ وأم ابنته المصرية ذات الـ١٠ سنوات.


هى دى مصر، التى كان العرب يتطلعون لثورتها فى الـ٢٥ من يناير لتقدم النموذج فى إنهاء الأنظمة المستبدة التى جثمت سنوات طوال على قلب هذه الأمة ومنعتها من اللحاق بالعالم المتقدم، وتطبيق الديمقراطية الحقيقية واحترام حقوق الإنسان.


يقولون هذا تطبيق للقانون ونحن دولة قانون، يرحلون ليليان بالقانون ويفصلون شروق ابنة هشام جنينة من النيابة الإدارية بالقانون.


ابنة هشام جنينة تم التحقيق معها فى انتقاد وجهته على صفحتها الإلكترونية للمستشار الزند، وتم التحقيق معها فى حينه وأغلق دون توجيه اتهام لها، وبعد أشهر عديدة، وبعد أن أعفى الرئيس المستشار هشام جنينة من منصبه، أصدروا قرارا بفصل شروق من عملها، بينما قضاة وأعضاء نيابة كثر يملأون الصحف والفضائيات بآرائهم وانتقاداتهم.


وليليان داوود التى يحق لها الإقامة فى مصر فى الفترة الماضية لللعمل بها ولأنها بصحبة ابنتها المصرية منذ ١٤ شهرا وهى تسعى لتجديد الإقامة دون استجابة وعندما تم إنهاء التعاقد معها من قبل أون تى فى قبل موعده فى إطار سياسة جديدة لمالكها الجديد أحمد أبو هشيمة، قامت الجهات غير المعروفة بإرسال ثمانية من أفرادها إلى منزلها بعد أقل من ساعة من إعلانها إنهاء عقد عملها، ليتم ترحيلها فورا بالقبض عليها من منزلها واقتيادها للمطار وبمنعها حتى أخذ ملابسها، بالهدمة اللى عليها» مع إن القانون لم ينص على ذلك، ورجال الأمن الذين هجموا عليها فى المنزل كانوا بالملابس المدنية ولم يكن لديهم أية أوراق تثبت أنه مطلوب ترحيلها، ولكن أحدهم قال لها إنها أعلى جهة سيادية طلبت ترحيلك وآخر قال لها إن وزير الداخلية معه ع التليفون.


عن أى قانون يتحدثون؟ يقول ناصر أمين، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان فى تصريح له، إن ما حدث مع ليليان لا علاقة له بتطبيق القانون، كما تدعى الداخلية، بل هو انتقام غير إنسانى منها، بسبب مواقفها السياسية.


“ واستنكر جورج إسحاق، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، التابع للحكومة، ترحيل ليليان داوود من مصر، قائلا، عبر «فيس بوك»: «إن ترحيلها بهذا الشكل المهين هو تصرف أرعن وأحمق، ولا يليق بمكانة مصر، فليليان داوود إعلامية متميزة، التزمت دائما بالحرفية فى مهنتها، ودافعت بشجاعة عن كل الشباب المظلومين».
 كما أدانت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، فى بيان لها الثلاثاء، تلقت «عربي٢١» نسخة منه، التعامل الأمنى مع ليليان داوود، واقتحام منزلها بعد ساعات من إنهاء تعاقدها مع «أون تى في»، وترحيلها خارج البلاد. 
 وأكدت اللجنة أن الاعتداءات الأخيرة على الصحفيين والإعلاميين تكشف سيادة المنهج الأمنى فى التعامل مع قضايا الحريات بشكل عام، وحرية الصحافة بشكل خاص، بدلا من الاستجابة للمطالب المتكررة بفتح المجال العام، ووقف الانتهاكات بحق المدافعين عن الحريات، وإطلاق سراح المعتقلين، وعلى رأسهم الصحفيون.


هى دى مصر؟ يريدون التخلص من ليليان داوود؟ ألا يكفى إنهاء التعاقد معها وعدم ظهورها على الشاشة، ما الذى يضير تلك الأجهزة من بقاء ليليان معززة مكرمة فى منزلها مع ابنتها، بدلا من هذه الفضيحة المدوية لصورة ليليان مرحلة من مصر وهى الإعلامية المشهورة التى عملت لسنوات فى محطة البى بى سى البريطانية، صحيفة «التليجراف» البريطانية كتبت: إن ترحيل الإعلامية البريطانية من أصل لبنانى ليليان داوود من مصر فى ٢٧ يونيه, بعد ساعات من إنهاء تعاقدها مع قناة «أون تى فى” التليفزيونية المصرية الخاصة, يأتى فى سياقما سمتها حملة «القمع» المتواصلة فى البلاد ضد حرية الإعلام, حسب تعبيرها.


وأضافت الصحيفة, أن هذه الحملة ظهرت بوضوح فى اعتقال عدد من الصحفيين, ووقف برنامج الإعلامى الساخر باسم يوسف, بالإضافة إلى التصعيد ضد نقابة الصحفيين منذ مطلع مايو الماضى.


وقالت “السلطات تشن حربا على حرية الإعلام, بالتزامن مع حملتها ضد المعارضين”..


فى خلال فترة وجيزة تم منع برنامج باسم يوسف ورحل يسرى فودة ولم تجدد قناة النهار عقدها مع محمود سعد، وتوقف علاء الأسوانى عن الكتابة، وأعطى يوسف الحسينى إجازة لشهور، ثم جاء ترحيل ليليان داوود كحلقة فى سلسلة من الإعلاميين، الذين اعتادوا احترام المشاهد وعرض الحقائق ورفض إعلام التضليل والتطبيل، وفى ذات الوقت الدخول فى معركة مع نقابة الصحفيين بعد سابقة اقتحام قوات الأمن لمبناها للقبض على عمرو بدر ومحمود السقا الصحفيين الصادر بشأنهما أمر ضبط وإحضار، بدعوى تطبيق القانون، وتحريك بلاغ ضد النقيب والسكرتير العام ورئيس لجنة الحريات لمحاكمتهم.


هى دى مصر؟ التى لا تتذكر القانون وتطبيقه إلا من أجل الانتقام من المعارضين أو حتى الأمناء على الحقيقة، بينما تحبس العشرات دون مسوغ قانونى لمدد تتجاوز القانون فى الحبس الاحتياطى، وتحبس مالك عدلى وأحمد دومة وأحمد ماهر ويوسف شعبان انفراديا أكثر من ٤٥ يوما لمالك ومن عام ونصف إلى ثلاثة للآخرين، بينما القانون ينص على أن الحبس الانفرادى لا يتجاوز شهرًا، وتمارس التعذيب داخل الأقسام والسجون إلى حد أن رئيس المجلس القومى لحقوق الإنسان يقول: إنه اكبر مشكلة تواجه المجلس التعذيب.


لماذا لا يدرك المتربصون بالإعلام والإعلاميين أن زمن الإعلام الموجه أصبح تاريخًا، وأن السماوات المفتوحة أكبر من قدرات أى نظام على تكميم الأفواه أو التنكيل بأصحاب الرأى الحر.. وأن مصر لا يمكن أن تعيش بمعزل عن عالمها العربى ولا العالم الخارجى، وأن قوتها الناعمة فى إعلام حر، وفى إطلاق حرية الإبداع وعدم الحجر على أصحاب الرأى والتنكيل بهم وإرهابهم مايحدث الآن يقودنا إلى مصر لا نرضاها «مش هى دى مصر».