تأثير ثورة ٠٣ يونيه على المعادلتين الدولية والإقليمية «٢»

05/07/2016 - 9:44:23

لواء د. مصطفى كامل محمد

فى مقال الأسبوع الماضى قمت بتأصيل مفاهيم مصطلحات الشرعـية والمشروعـية والثورة الشعـبية والانقلاب العـسكرى، كنقـطة انطلاق لتحديد طبيعـة تفاعلات أحداث ٣٠ يونيه، ومن ثم تناول تأثيـرها على المعادلتين الدولية والإقليمية، حيث أثارت هذه الأحداث جدلا واسعا صاحبته ردود أفعال متباينة عربيا وإقـليميـا ودوليـا، ولما كانت هذه الأحداث قـد اتسمت بسرعة وكثافة وتتـابع وتراكم تفاعلاتها، فقد توالت ردود الأفعال العـربية والإقليمية والدولية المتباينة بسرعة كبيرة، وتمحور جوهـر هذا التباين حول ما إذا كانت هذه الأحداث تنتمى إلى مفهوم الثورة الشعـبية أم الانقـلاب العـسكرى على الشرعـية، وقـد تأجج هذا التباين مع الولايات المتحدة والتحالف غير المعلن الذى تقوده فى المنطقة.


وبعـد تأصيـل مفاهيـم هذه المصطلحات الأربعـة، خلصت إلى أن العالم بأسره كان إزاء نموذج رائع لثورة شعـبية، نموذج فريـد فى التعـبئة والحشد السلمى لم تشهده البشرية من قبل وأظنها لن تشهده من بعـد، وذكرت أنـه من يدعى غيـر ذلك فهـو فـاقـد لبصيـرتـه قبل بصره، إذ لا تعـمى الأبصار ولكن تعـمى القلوب التى فى الصدور، وانتهى المقال السابق بطرح سؤالين فرضا نفسهما، وهما : كيف أثرت هذه الثورة على المعادلتين الدولية والإقليمية ؟ وهل يرتبط تزامن الزيارة العاجلة التى قام بها أمير قطر إلى تركيا مع صدور الحكم على الرئيس الإخوانى فى قضيـة التخابر بهذا التأثيـر؟ وفى هذا المقال سأتناول تأثير هـذه الثورة عـلى المعادلة الدولية، واضعا فى الاعـتبار أن المعادلتين الدولية والإقليمية تتداخلان فيما بينهما وتتفاعلان مع بعـضهما وتؤثـر وتتأثـر كلُ منهما بـالأخرى.


ومن الطبيعى عند تناول تأثيـر هذه الثورة على المعادلة الدولية أن نبدأ بالولايات المتحدة، التى لا تزال تُعـتبر القطب الوحيـد فى النظام الدولى الراهن، وتتربع على قمته وتقود تـفاعلاته، والتى قامت بتقسيم العالم إلى عـشرة أقاليم لكلٍ قيادته المركزية، وما يهمنا هنا إقليمين، الأول هو إقليم الشرق الأوسط (الكبير) الذى جعـلت حـدوده ومكوناتـه تـنطبـق على حدود ومكونات العـالـم الإسـلامى، والثانى هو إقليم القرن الإفـريقى (الكبيـر أيضا) بعـد أن استبعـدت أثيوبيا من الإقليم الأول وجعلتها على رأس مكونات الإقليم الثانى وضمت إليه الدولة الوليدة (جنوب السودان).


وقبل تناول تأثير هذه الثورة على سيـاسـة واستراتيجية الولايـات المـتحدة الأمريكية فى منطقة الشـرق الأوسـط فإنه يتعين أولا تحديد هدفها النهائى فى هذه المنطقة التى تضيق وتتسع وفقا لمنظورها الجيوبوليتيكى، وهو ( إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير )، أما إستراتيجية تحقيق هذا الهدف فتقوم على تفكيك وتقسيم وتفتيت الدول العـربية المركزيـة إلى كنتونات صغـيرة، وتوطيـن شعـوبها على أساس العـرق أو الدين أو الطائفة أو المذهب، وترسيم حدودها النهائية بما يتسق مع تركيبة شعـوبها لتصحيح حدود سايكس ـ بيكو التى أدت إلى عـدم إحداث الاستقرار الأمني والسياسى فى المنطقة بأسرها وفقا لمنظورها، ولذلك ستظل سيـاسـة وإستراتيجية الولايـات المـتحدة فى المنطقة ثابتة لا تتغـيـر بتغيـر الإدارات حتى تحقق هذا الهدف.


وينبغى ثانيا إدراك أن هدفها النهائى فى منطقة الشرق الأوسط يُعتبر هدفا فرعيا من غايتها النهائية المطلوب تحقيقها على مستوى النسق الدولى، وتتمثل هذه الغاية فى (عدم زحزحة مركـز الهـيمنة Focus of Hegemony على العالم، وحتمية استقراره لديها إن رهـبـا أو رغـبـا)، خاصة بـعـد أن انـفـردت بـالـنـفـوذ على الساحـة الدولية، وأن أحد الاشتراطات الرئيسية لاحتفاظها بمركز الهيمنة هو عـدم قيام قوة عالمية أو إقليمية قادرة على التحكم فى إقـليم حيوى مثل منطقة الشرق الأوسط لاعـتبارات إستراتيجة عـديـدة، الأمر الذى فرض عليهـا اتخاذ بعض الترتيبات الأمنية فى المنطقة، بما يضمن لها الاحتفاظ بمركز الهيمنة على العالم، وانفرادها بالنفوذ على الساحة الدولية.


فقـد فرض عليها الموقف الإستراتيجى تقسيم غايتها النهائية فى النسق الدولى إلى عدة أهداف فرعية يتم تحقيقها فى منطقة الشرق الأوسط، فقد فرض عليها أولا حـتمية تواجدها فى المنطقة التى تتميز بموقعها الجيوستراتيجى الفريـد والتى يُعـتبر قلب العالم القديم، والذى يضمن لها حرية التحرك عـبـر بحار ومحيطات وخلجان المنطقة (البحرين الأحمر والمتوسط، والمحيط الهندى والأطلنطى، والخليج العربى وخليج هـرمـز وعـدن وغـيـرها من المسطحات المائية الهامة)، ويضمن لها الوصول إلى جميع المناطق الإقليمية الأخرى فى العالم من خلال قواعدها البحرية أو التسهـيلات البحريـة ومراكز القيادة والسيطرة التى أنشأتها فى بعـض دول الشرق الأوسط ودول الخليج، أما الهدف الـثانى وهـو يترتب على الأول، وهو ضمان السيطرة على مصـادر المعـادن الإستراتيجـيـة فـى منطقة الشرق الأوسط وإفـريقـيـا، خاصة مصادر الطاقـة بما يضمن استمرار تدفق البترول العـربى إليها وإلى حلـفـائها فى الغـرب واليابان بالمعـدلات التى تضمن تحـقيـق الرفاهـيـة الصناعـية، فبالرغم من أنها تنتج ٦٥ ٪ من احتياجاتها من البترول، وبالرغم من اكتشافها أكبر خزان عملاق فى العالم حتى الآن فى أراضيها، إلاَ أنها لن تتخلى عن البئر التى لا تنضب لإستنزافها وإستنزاف فوائضها المالية المتراكمة لدى دول منطقة الخليج العـربى ذات الموقع المهيمن على الأذرع المائية الممتدة داخل المحيط الهندى، ويُسهل لها الوصول إلى مناطق ومصادر المعادن الإستراتيجية اللازمة لقاعدة التصنيع الثقيل للإنتاج الحربى، خاصة الكوبـالت والبلاتـينيـوم، والنـيـكل كـروم، والمنجنيـز وغيرها (على سبيل المثال تنتـج الكونغـو الديمقراطية وحدها ٥٦٪ بينما تنتج زامبيا ١٦ ٪ من الإنتاج العالمى من هذه المعادن، كما تعـتبـر زامبيا أكبر دولة منتجة للنحاس فى العالم ).


أما الهدف الثالث وهو الأهم، حيث يُمثـل التهديـد الحقيقى للولايات المتحدة، فيتمثـل فى سعيها الدؤوب لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عـدم قيـام قـوة عالمية تنازعها الهيمنة على الساحة الدولية، أو تقاسمها النفوذ وتشاركها فى قيادة تفاعلات العالم، أو تكـون قـادرة على التحـكم أو استقطاب دول فى منطقة هامة مثل دول المنطقة العربية التى تعـتبـر المكون الرئيسى للنسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط، ويتمثل الهدف الرابع فى سعـيها الحثيث لضمان أمـن وسلامـة إسرائيـل التى ترتبط معها برباط إستراتيجى وثيق، والذى تطور كثيرا حتى أصبـح ارتباطا عاطفيا وعـضويا، إلى الحد الذى أعـلـن فيه أوبـامـا أنـه على استعـداد أن يضع إسرائيل تحـت المظـلة النووية الأمريكية لحمايتها من أى تهديد نووى إيرانى حتى يكتسب رضاها بعـد توقيع اتفاقية التسوية التاريخية للقضية النووية الإيرانية.


وقـد وضعـت الولايات المتحدة رؤية برجنسكى الإستراتيجية موضع التنفيذ لتحقيق أهدافها فى المنطقة، وتتلخص هذه الرؤية فى النص الذى صرح به فى أعقاب توقيع معاهدة السلام ( أما وقـد انتهت الحرب بيـن مصر وإسرائيل، فإن الاستقرار قد يسود منطقة الشرق الأوسط، وهو ما لا ينبغى حدوثه، بل يتعين أن تسود المنطقة العـربية فوضى عارمة لا يدركها حكامها أو شعـوبها، حتى يتم تفتيت دولها إلى كيانات صغـيـرة، وتوطين شعـوبها على أساس تركيبة هذه الشعوب عـرقيا ودينيا وطائفيا، وترسيم الحدود النهائية بينها، وتصحيح حدود سايكس ـ بيكو، وهو الأمر الذى سيكلف الولايات المتحدة تكاليف باهظة، ولذلك يتعـين علينـا تعـظيم قدرات القوى غـيـر العـربية، وتقسيم المنطقة العربية إلى مناطق نفوذ، مقابل تحملها هذه التكاليف، وقد كشف برجنسكى عن هذه الرؤية عـنـدما أوشكت الحرب العـراقية الإيرانية أن تضع أوزارها، فقد صرح ( بإن المعـضلة التي ستعانى منها الولايات المتحدة منذ الآن فصاعدا هي كيفية إشعال حرب خليجية جديدة على غرار الحرب العـراقية الإيرانية )، وهو ما يُبرر لنا اندلاع أزمة الخليج الثانية (اقتحام العراق للكويت)، فقامت بتعـبئة الرأى العام العالمى وحشدت تحالفا دوليا لم تشهده البشرية من قبل، غـزت به العـراق واحتلته وتخلصت من جيشه الذى كان يُعـتبر أقوى جيش فى منطقة الخليج، ثم قسمته بين الأكراد والسنة والشيعة ليكون نموذجا لما ستكون عليه الدول العربية المركزية بعد تفتيتها، ويبرر لنا أيضا لماذا توصلت إلى التسوية التاريخية مع إيران، حيث جعـلتها الرابح الوحيد من هذه الاتفاقية، ويبرر أيضا سعى أوباما الدؤوب لإحداث التوافق بين تركيا وإسرائيل وتطبيع العلاقات التى لم تنقطع يوما ما بينهما، ويبرر أيضا سعى الولايات المتحدة الحثيث لإغراق شعـوب المنطقة العـربية فى ثورات فوضوية دون أن يكون لها قيادات تقود أحداثها وتسيطر على تفاعلاتها، ودون أن يكون لها رؤية واضحة لمشروع قومى تلتف حوله الشعـوب، وجرَت هذه الشعـوب إلى منزلقات التقاتل والتناحر والتباغض لنشر الفوضى الخلاقة التى أعلنتها كونداليزا رايس فى ٢٠٠٤، حتى تتفرغ الولايات المتحدة للقوى العالمية الصاعدة الساعية لمشاركتها النفوذ على الساحة الدولية، خاصة الصيـن وطـن الكتل البشرية الضخمة ذات القوميات المتعـددة التى انصهرت فى بوتقة الحضارة العريقة، صاحبة الخصائص الاجتماعـية والهـويـة الـثـقـافـيـة الـفـريـدة، وروسيا سليلة القياصرة وريثة القوة السوفييتية وصاحبة أكـبـر قـوة عـسكريـة فى الـعالـم بعـدها، أقرب القوى لتحقيق توازن المكانة.


والآن بعـد أن تم توضيح رؤية برجنسكى الإستراتيجية، هل يمكن القول بأن ثورة ٣٠ يونيه قـد كشفت كثيرا من قصور الإدراك السياسى الأمريكى، القصور الذى يمكن إيجازه فى أن الإدراك الأمريكى لم يضع فى حساباتـه الإستراتيجية التناقض الكبير فى المعادلـة الدولية الراهنة، الذى يتمثل فى انفراد الولايـات المتحدة بالنفوذ السياسى على الساحة الدولية، وتتمتع بالمرتبة الأولى فى العالم عسكريا، والذى لم يضع فى حساباته الإستراتيجية ذلك التراجع فى قدرتها الاقتصادية، الأمر الذى يشيـر إلى بـدء اختلال المعادلـة الدولية القائمة على أحادية القطبية سياسيا وعـسكريا من ناحية، وتعـدد الأقطاب اقتصاديا واجتماعـيا من ناحية أخرى، ولذلك لجأت الولايات المتحدة إلى الغـيـر كى يتحمل التكلفة الحقيقية لمشروع إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير الذى جعـلت الولايات المتحدة حدوده ومكوناته تتطابق مع حدود ومكونات العالم الإسلامى، بعد تقسيم وتفتيت الدول العـربية المركزية على النحو الذى سبق توضيحه، وهل يمكن القول بأن ثورة ٣٠ يونيه قـد أدت إلى عـرقـلة هذا المشروع بعـد أن كان قـد بـدأ فعلا فى كل من العـراق وسوريا ؟ وقبل أن تقوم الولايات المتحدة بتسليم سوريا للتنظيم الدولى لجماعة الإخوان المسلمين، لتلتحم مع تركيا شمالا ولبنان ثم حماس ومصر وليبيا وتونس وصولا إلى الجزائر لإحياء ما يُعرف بدولة الخلافة بقيادة العثمانيين الجدد، وبعد أن تركت لإيران حرية الهيمنة على العراق، وتغاضت عن دعم إيران للحوثيين لإحياء الإمبراطورية الفارسية، وتكون المنطقة بأسرها تحت حكم نظام واحـد ( التيار الإسلامى ) ليسهـل سيطرتها عـليه، إلا أن ثورة ٣٠ يونيه قـد أجهضت هذه المشروعات مجتمعة .


وهو ما سأتناوله فى الأسبوع القادم بإذن الله