حرب رمضان فى عيون القادة الإسرائيليين

05/07/2016 - 9:41:51

بقلم - لواء. نصر سالم

في مذكراته التي كتبها بعد الحرب، يكشف الجنرال أليعازر، رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي إبان حرب رمضان عن سر أذاعه لأول مرة، عن خطة عسكرية أمريكية حملها ضابط اتصال أمريكي كبير إلي إسرائيل، حيث وصل إلي مطار بن جوريون علي متن طائرة أمريكية خاصة، في الساعة الأخيرة من يوم ٧ أكتوبر ١٩٧٣، ليتوجه مباشرة إلي رئاسة أركان جيش الدفاع الإسرائيلي ويصلها في الساعات الأولي من فجر يوم ٨ أكتوبر، وهو اليوم الذي وجهت فيه القوات الإسرائيلية ضربتها المضادة بالاحتياطي التعبوي بغرض تدمير قواتنا في سيناء لاستعادة الأوضاع إلي ما كانت عليه صباح يوم ٦ أكتوبر، فيقول:


كانت الساعة تقترب من الثالثة صباح الثامن من أكتوبر، حين وصل إلي قصر رئاسة الأركان المسئول الأمريكي الكبير، وكان أحد العسكريين في البنتاجون - وزارة الدفاع الأمريكية - والمسئول عن منطقة الشرق الأوسط، ويحمل معه مجموعة من التقارير الخاصة والصور الخاصة بالمعارك ومواقع القوات الملتقطة بواسطة القمر الصناعي الأمريكي. وبعد استعراض الموقف، اتفقنا في الرأي علي أن القتال لو استمر أكثر من ستة أيام، فإن ذلك سيكون في صالح العرب وبصفة خاصة إذا طور المصريون هجومهم في اتجاه الممرات.


وهذا ما تشير إليه العمليات، وستكون نتيجة القتال في غير صالح إسرائيل، أيضاً إذا استمر القتال علي كلتا الجبهتين المصرية والسورية، وتوصل المسئول الأمريكي بعد عرض ودراسة الموقف إلي استنتاج أن الحل الوحيد هو عزل إحدي الجبهتين عن الأخري وتركيز الهجوم علي جبهة واحدة وتثبيت الجبهة الأخري.


وذلك بعد أن أدرك أن عمق رءوس الكباري التي أقامها المصريون في سيناء وصل حتي ١٠ كم وأن أعداد الدبابات والأسلحة الثقيلة وحجم القوات الذي أصبح أكثر من خمسين ألف مقاتل شرق القناة - «من المستحيل التفكير في ضربها».


وكانت الخطة التي يحملها تتلخص في الآتي:


١ـ توجيه ضربة قوية للدبابات المصرية شرق القناة لشل فاعليتها، وعمل اختراق بعد ذلك في رءوس الكباري وعزل القوات عن بعضها بعضا.


٢ـ محاولة جذب القوات الجوية المصرية لمعارك بعيدة عن أرض المعركة في مناطق الكثافة السكانية المصرية مما يجعل عمل الصواريخ سام ٦ مقيدا ومحدودا.


- ويقول اليعازر: برغم ظواهر الكارثة كان المسئول الأمريكي مطمئنا أو يحاول طمأنتنا.


إلا أن هذا اليوم كان يحمل للقيادة الإسرائيلية أنباءً مؤلمة طوال اليوم الذي أطلق عليه ديان “يوم الفشل العام”.


لقد عاش المسئول الأمريكي أحداث القتال يومي ٨ ، ٩ عن قرب، واقتنع بالموقف السيئ الذي عليه القوات الإسرائيلية.. وبعد دراسة وتحليل المعارك التي جرت وقبل أن يغادر إسرائيل عائدا إلي أمريكا، عقد اجتماعا مع القيادة العسكرية، ركز فيه علي «كيفية شل فاعلية الدفاع الجوي، حتي تتمكن إسرائيل من فرض سيطرتها الجوية، ويستطيع الجيش الإسرائيلي أن يعمل بحرية.


ويقترح اليعازر «التركيز علي القطاعات المختلفة كل علي حدة، ويعقب.. معني ذلك أن نضحي بعدد من طائراتنا وندفع بعدد كبير منها في مغامرة لا مفر منها، بعد أن سقط خط دفاعنا الأول وتصدع خط دفاعنا الثاني، لم يصبح أمامنا إلا الانسحاب والتمركز في خط دفاع الممرات، وهنا سيكون الحصار علينا رهيبا لو تمكنت وحدات الصواريخ المصرية من العبور إلي الضفة الشرقية، فإن ذلك يصبح أمراً بالغ الخطورة حيث يصبح خط دفاعنا الثالث في الممرات تحت رحمة حماية مصرية أكيدة تعرقل عمل سلاحنا الجوي».


- أما وزير الخارجية الأمريكي (كسينجر) فيسجل في مذكراته:


«لم يخالجني الشك أبداً في أن هزيمة إسرائيل بفضل السلاح السوفيتي، ستكون كارثة جغرافية سياسية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك حرّضتُ إسرائيل علي ضرورة تحقيق انتصار علي إحدي الجبهتين، قبل أن يتخذ دبلوماسيو الأمم المتحدة مكاسب العرب، حقا يثبتونه في اجتماعاتهم القادمة، وأخذنا نركز جهودنا الآن علي انتزاع نصر علي السوريين، أما المصريون فهذا أمر يطول».


- أما جولدا مائير التي كاد عقلها يطير وطلبت أن تسافر سراً إلي الولايات المتحدة لإقناعها بضرورة الحصول علي مساعدات عسكرية عاجلة، فقد رفض كسينجر طلبها هذا وتولي عنها وعن إسرائيل ترتيب كل مطالبها من الأسلحة وبأقصي سرعة.


لقد تولت أمريكا إدارة دفة الحرب منذ اليوم الثاني لنشوبها، وطبقا للتخطيط الذي حضر به المسئول الأمريكي إلي إسرائيل، والترتيبات التي يديرها كسينجر من الولايات المتحدة لإمداد إسرائيل بكل مطالبها من السلاح الذي بدأ يصل مباشرة إلي المطارات الأمامية لجبهتي القتال، ثم الدعم المعلوماتي والسياسي. والضغوط المباشرة وغير المباشرة علي الدول العربية لكي لا تنضم إلي المعركة ضد إسرائيل.


وأخذت إسرائيل في تنفيذ الخطة بزيادة الضغط علي الجبهة السورية، وظهور بوادر النجاح التكتيكي لإسرائيل منذ يوم ١٠ أكتوبر وتطور الموقف لصالحها واستخدامها لسلاحها الجوي في قصف الأهداف الاقتصادية في سوريا ثم القصف الجوي للعاصمة دمشق والأهداف المدنية والعسكرية يوم ١١ أكتوبر.


شكل هذا الموقف علي الجبهة السورية ضغطا علي القيادة العسكرية المصرية - خاصة أن الفريق أول أحمد إسماعيل، كان هو القائد العام للجبهتين المصرية والسورية وكان لزاما علي الجيش المصري القيام بعمل إيجابي قوي يجبر إسرائيل علي تخفيف الضغط علي سوريا، فتم اتخاذ القرار بتطوير الهجوم بدفع فرقة مدرعة من احتياطي الجيش لتطوير الهجوم شرقا مع التمسك برءوس الكباري عملاً بمبدأ المخاطرة المحسوبة نظراً لأن العمق الذي كانت عليه القوات في رءوس الكباري لم يكن هو الأنسب لتأمين الدفع.. فكان حساب المخاطرة هو التضحية لصالح إنقاذ الجبهة السورية حتي لو كانت التكلفة باهظة.


وفعلاً تعرضت القوات التي تم دفعها لتطوير الهجوم لنسبة عالية من الخسائر، بالإضافة إلي تحول ميزان القوي علي المستوي التعبوي لصالح إسرائيل بصفة مؤقتة.


واعتبارا من يوم ١٤ أكتوبر ازداد تدفق الدعم الأمريكي من أسلحة ومعدات علي إسرائيل، بل وبدأ التدخل الأمريكي المباشر في مسرح العمليات علي الجبهة المصرية دون مواربة، وخاصة في مجالين اثنين، أولهما مجال الحرب الإلكترونية التي ظهر تأثيرها بشكل مكثف في المنطقة الواقعة بين الجيشين الثاني والثالث، حيث نجح الجانب الإسرائيلي باستخدام الدعم الالكتروني الأمريكي في إنشاء منطقة ثغرة إلكترونية في جميع وسائل الدفاع الجوي، فلم تنجح جميع الرادارات ولا بطاريات الصواريخ في هذه المنطقة في التعامل مع الطيران الإسرائيلي ولا الأمريكي اللذين تعاملا مع قواتنا داخل هذه الشريحة بحرية أكثر، وزاد الموقف سوءاً عملية التشويش اللاسلكي علي جميع الأجهزة اللاسلكية، فكان من الصعب تحقيق الاتصال بين القادة والمرءوسين أو إبلاغ المعلومات من عناصر الاستطلاع للقيادات والقوات التي تعمل لصالحها.


كانت هذه العوامل الثلاثة التي أدي استغلالها من جانب القوات الإسرائيلية إلي النجاح في التسلل غرب القناة بعناصر من قوات المظلات وإنشاء رأس كوبري في منطقة الدفرسوار والانتشار في المناطق كثيفة الزراعات، ثم استغلال هذا النجاح في عبور القوات المدرعة من فرقة شارون ومحاولة الضغط علي أجناب أحد الجيشين الثاني ثم الثالث دون جدوي.


إن العوامل المذكورة هي:


١ـ المخاطرة المحسوبة لإنقاذ الجبهة السورية.


٢ـ اختلال التوازن الاستراتيجي لصالح إسرائيل بعد الدفع المبكر لاحتياطي الجيش الثاني.


٣ـ التدخل الأمريكي السافر في الفاصل بين الجيشين الثاني والثالث باستخدام القوات الجوية والقدرات الإلكترونية الفائقة.


لم تكن كافية لتحقيق هذا النجاح الذي حصلت عليه إسرائيل غرب القناة ولكن هناك عاملا رابعا أشارت إليه الوثائق الإسرائيلية، لا ينطبق عليها إلا الاسم الذي أسماه به الإسرائيليون أنفسهم وهو:


٤ـ ضربة الحظ.


وحكاية ضربة الحظ هذه، جاءت بعد أن قررت القيادة المصرية دفع لواء مدرع لإغلاق الثغرة التي عبرت منها القوات الإسرائيلية شرق القناة والتي لا يتعدي عرضها أربعة كيلومترات، أي أنها تمثل نصف مهمة أي لواء مدرع أو ميكانيكي، ولو نجح هذا اللواء في تحقيق مهمته لأمكن حصار جميع القوات الموجودة غرب القناة وتدميرها. وفعلا تم دفع اللواء المدرع شرق القناة وتحرك شمالا بحذاء القناة في اتجاه قطاع الثغرة في منطقة الدفرسوار.. وعندما علم الجنرال شارون من عناصر استطلاعه، بتقدم اللواء المدرع المصري في اتجاه فتحة الثغرة، ترك قواته وانسحب بسيارته عابرا القناة إلي الشرق واندفع بأقصي سرعة في اتجاه إسرائيل.


ويروي الملازم (حوفي) الضابط الإسرائيلي المستدعي من الاحتياط للانضمام إلي جيش الدفاع الإسرائيلي بعد قيام الحرب، أنه تم تكليفه بمصاحبة كتيبة صواريخ مضادة للدبابات من طراز (تو(. كانت قادمة لتوها ضمن الجسر الجوي الأمريكى إلي أحد المطارات الإسرائيلية - لتوصيلها إلي قوات الجنرال شارون في منطقة الثغرة.


ويستكمل الملازم )حوفي( روايته، أنه أثناء تقدمه علي رأس كتيبة الصواريخ فوجئ بسيارة جيب تقطع الطريق وينزل منها شخص أشبه بالغوريلا من فرط ما به من سوء مظهر واضطراب، ويصرخ فيه ارجع، ارجع المصريون في الأمام، من أنتم وما هذه القوات. فيرد عليه )حوفي( أنا الملازم حوفي وهذه كتيبة صواريخ موجهة، مضادة للدبابات آتية علي الفور من الجسر الجوي الأمريكي، والأوامر التي لديَّ أن أصاحبها حتي الجنرال شارون.


فيهتف فيه شارون، أنا شارون ما قدرة هذه الصواريخ..؟


فيقدم له حوفي القائد الأمريكي الذي حضر مع الصواريخ، فيقوم بتلقينه بقدرة هذه الصواريخ علي تدمير الدبابات حتي مسافة ٤:٣ كم وأنها أحدث الأنواع في الترسانة الأمريكية، ويتنفس شارون الصعداء، وهو يوجه قائد الكتيبة إلي احتلال الأرض الواقعة شرق الطريق الموازي للقناة والذي يتحرك عليه اللواء المدرع المصري في اتجاه الدفرسوار.


وتنطلق كتيبة الصواريخ الأمريكية وتأخذ مواقعها لتنصب كمينا له في الوقت الذي كانت عناصر استطلاعه قد سبقت أمامه ولم تكتشف هذه الصواريخ، ويقع هذا اللواء في الكمين ويفشل في تحقيق مهمته.. لتستثمر القوات الإسرائيلية ذلك في تحقيق نجاحات أكبر غرب القناة ولكنها مؤقتة.. حيث تمكنت القيادة المصرية من حشد تجميع قتالي كبير حول القوات الإسرائيلية غرب القناة وأحكمت حصارها وشل فاعليتها واستعدت لتدميرها وتصفية الثغرة وأعدت لذلك الخطة المحكمة..


وفي الليلة السابقة للقيام بتدمير القوات الإسرائيلية في الثغرة. يصل إلي مطار القاهرة وزير الخارجية الأمريكي هنري كسينجر الذي يتوجه مباشرة للقاء الرئيس السادات وينشر أمامه خريطة توضح حجم وأوضاع كلا الجانبين علي جبهة القتال، ويوجه كلامه إلي الرئيس السادات قائلاً:


- سيادة الرئيس نحن نعلم أنكم تستعدون لتدمير القوات الإسرائيلية غرب القناة، وأنكم قادرون علي ذلك.. ولكني أحمل إليك رسالة من الرئيس الأمريكي، مفادها.. أنكم لو قمتم بهذا الهجوم.. سوف نتدخل ضدكم بالجيش الأمريكي مباشرة.. لأننا لن نقبل بإهانة السلاح الأمريكي أكثر من ذلك.


- ويرد السادات في تحدٍ وأنا لن أترك شبراً واحداً من أرضي حتي آخر جندي مصري.


- فيقول له كسينجر إن أرضك سوف تعود كاملة.. ولكن بالمفاوضات وبالسلام.


- فيرد السادات: «أنا أتكلم عن سيناء كلها وليس عن الثغرة».


- كسينجر «وأنا أتكلم عن كامل سيناء” .


- عندها يوجه السادات سؤاله إلي كسينجر في تحدٍ:


“ومن الذي يضمن انصياع إسرائيل للسلام وانسحابها من الأرض” وبنفس اللهجة ينظر كسينجر إلي السادات طويلا.. وهو يقول .. أي ضمان .. إن جيشك هو الضمان..


وتبدأ المفاوضات وتأخذ مسارات متعددة المستويات لتعود بعدها كامل أرض مصر. عزيزة مكرمة.


- والسؤال الآن: هل كانت إسرائيل لتعيد أرضنا بالسلام ولو لم تكن متأكدة من قدرتنا علي استعادتها بالحرب؟


- والسؤال الثاني: هل كان من المتصور أن نترك شبرا من أرضنا لإسرائيل لو لم تنسحب وتتركها لنا كاملة غير منقوصة؟