محمود عزت «صقر التنظيم»

05/07/2016 - 9:39:41

العميد خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

ى تلك الحلقة الأخيرة من هذه الدراسة التى استعرضنا فيها العديد من المحطات والهوامش التى اعترت مسيرة الإخوان، لاسيما المتعلقة بنشاط العضو القيادى البارز «محمود عزت» الذى قدم نفسه مؤخرا باعتباره «المرشد الجديد» عبر تسجيل صوتي، واستنادا لتأييد شريحة معتبرة من القيادات التاريخية والنافذين بالتنظيم الدولى لجماعة الإخوان مراهنين على من أطلق عليه دوما بـ”صقر التنظيم”، ليقوم بمهمة ترميم التصدع الكبير الذى أصاب الفرع المصرى وامتد ليضرب العديد من الفروع المجاورة التى أصابتها توابعه بقوة، وقد استعرضت الحلقات الثلاث السابقة بعض المحطات والمراهنات المفصلية التى أدى لهذا التصدع، فضلا عن بعض ردود الفعل التى استهدفت محاصرة هذا السقوط، وتوقفنا فى الحلقة السابقة عند محطة تصدع أخيرة أصابت التحالف الهش الذى حاول «محمود عزت» الترويج لوجوده وتأثيره على الأرض فى المشهد المصري، والذى تمثل فى انفراط عقد ما سمى بـ”تحالف دعم الشرعية” بعد الخطاب الذى ألقاه حليف عزت الأشهر «إبراهيم منير» أمام إحدى لجان مجلس العموم البريطاني، كال فيه منير الاتهامات لكافة أطياف الإسلام السياسى مستثنيا تنظيم الإخوان بالطبع ومقدما الجماعة «كالعادة» باعتبارها الوجه الطيب لهذه الشريحة الواسعة المسماه بالإسلام السياسى.


فى حال اعتبار هذا التصدع الأخير لـ”تحالف دعم الشرعية” مأزقا يواجه المرشد الجديد “محمود عزت”، فهو فى أعلى حالاته يمكن وضعه فى خانة المأذق التكتيكى المحدود، أمام ما يمكن أن يشكل مأذقا حقيقيا واسع المدى المتمثل فى الانقسام الداخلى الكبير الذى يواجه الجماعة التاريخية، وهو قد أفصح عن نفسه فى الانشقاق “الحركي” كامل الأركان فيما عرف بصراع «الجبهتين» والتى يقف فيها «محمود عزت» على رأس إحداها، ويقف «محمد كمال، عضو مجلس شورى جماعة الإخوان» على رأس الجبهة المناوئة بمن معه من الأجيال الوسيطة والشابة بداخل الجماعة، وقد ألقت تلك الأخيرة قنبلتها المزلزلة فى مارس ٢٠١٦م عندما قامت بنشر تعديلات جوهرية تتبنى إدخالها على اللائحة الجديدة للجماعة، تتمثل فى الفصل بين الإدارات التنفيذية والهيئات الرقابية التشريعية وفصل رئاسة مجلس الشورى العام «المراقب العام» عن رئاسة المكتب التنفيذى العام، وفصل رئاسة مجالس الشورى بالمحافظات عن رئاسة المكاتب الإدارية ومنع الجمع بين عضوية مكتب إدارى المحافظة وعضوية مجلس الشورى العام وكذلك فى جميع المستويات، وتشمل التعديلات أيضا إعطاء المرشد العام صلاحيات ومهاما على مستوى العالم وتفريغه لهذا الدور ومعه مكتب إرشاد عالمي، وأن يتم انتخاب مراقب عام لمصر يكون رئيسا لمجلس الشورى العام لمصر وتشكل أمانة لمجلس الشورى العام تدير مهامه.


أى من المراقبين والمتابعين للشأن الداخلى لتنظيم الإخوان يدرك سريعا بمجرد الاطلاع على تلك التعديلات المقترحة والمتبناه من «جبهة محمد كمال»، أن كافة تلك البنود التى تم طرحها للتطوير فى اللائحة الداخلية ليست فى صالح «جبهة محمود عزت» بالمطلق، خاصة أن طرح الجبهة الأولى لبند تعيين «مراقب عام» مثل أى فرع من فروع الإخوان بالخارج يجعل من فكرة أن يظل إخوان مصر مركز قيادة التنظيم صعبة إن لم تكن مستحيلة، لذلك استقبلت القيادات القديمة هذه التعديلات، كونها تستهدف بداية الإطاحة بـ”جبهة محمود عزت» بمن تضمهم من قيادات مكتب الإرشاد ومجلس الشورى الذين تصدر لهم اتهاما مبطنا بأنهم السبب الرئيسى فيما وصلت إليه الجماعة من نفق مظلم، ويستتبع ذلك اعترافا ضمنيا بأن الجماعة فى مصر لم تعد قادرة فى الوقت الحالى على تولى زمام قيادة التنظيم الدولي، وهو أيضا فى سياق طرح اللجنة الإدارية العليا للتنظيم بند جعل صلاحيات «المرشد الجديد» عالمية، بينما يكون إخوان مصر يترأسهم مراقب عام، هذا ينقل مباشرة فرع التنظيم بالقاهرة إلى صورة مماثلة لأى من فروع التنظيم الأخرى على مستوى العالم وليس على الإطلاق مركزا للقيادة.


منذ هذا التاريخ ومباشرة عقب هذه الأطروحات التى لم تكن إصلاحية خالصة من قبل «جبهة محمد كمال» ولا تستهدف إقصاء جيل الشيوخ فقط، إنما شكلت فى مجملها بالتوصيف الحركى والتنظيمى «انشقاقا» متكامل الأركان بالنظر أيضا إلى التوجه الفكرى لأعضاء تلك الجبهة بما تضمه من كوادر شبابية فى مجملها، لاسيما وهؤلاء يعلنون صراحة أن نهج العنف واستخدام المقاومة المسلحة هو السبيل لاستعادة التنظيم لقوته وتأثيره بعيدا عن نهج مواءمات الشيوخ التى أوردتهم زنازين النظام الجديد، ودخلت الجماعة طوال الأشهر الثلاثة الماضية معارك لتكسير العظام ما بين الجبهتين وجدت طريقها “لأول مرة” على صفحات المواقع الإخوانية، وفى أخبار الصحف الاعتيادية التى بدأت تتداول أخبار فشل مبادرات رأب الصدع المتعاقبة والتى كان أشهرها «مبادرة القرضاوي» التى حاولت أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، وتدخل أيضا التنظيم الدولى عبر وسطاء عديدين محاولا أيضا تدعيم «جبهة محمود عزت» فى مقابل الجبهة الأخرى فى مراهنة على تغيير سياسى يسمح بالعودة للعب دورا بالمشهد المصري، بعيدا عن النهج المتطرف الصريح الذى تعلنه وتتبناه «جبهة محمد كمال» الشبابية مما دفع كمال نفسه إلى إعلان استقالة من كافة مناصب الجماعة، وربما تبدو تلك الاستقالة التى تم الإعلان عنها فى مايو الماضى “خطوة مزيفة” بالنظر إلى حجم التأثير والنفوذ الهائل الذى لازال يتمتع به كمال فى أروقة التنظيم، والذى من الممكن أن يقودنا إلى استنتاج أنها خطوة للخلف ربما تم الاتفاق عليها لإفساح المجال أمام التحرك الأخير والأحدث الذى بدأ العمل عليه كلا من «محمود عزت» داخليا و»إبراهيم منير» خارجيا بلندن، وهذا التحرك المشار إليه يبدو من ملامحه أنه أحد تخريجات «التنظيم الدولي» لمحاولة ابتلاع تلك الأزمة العريضة التى كانت ولازالت عصية على الحل بالطرق الاعتيادية، فى خطوة تنظيمية يمكن تسميتها بـ»الهروب إلى الأمام» مع إجبار «محمد كمال» شخصيا على التنحى مؤقتا عن الطريق لحين المضى قدما واستطلاع المشهد بعدها.


التنظيم الدولى فى تحركه الأخير هذا والمتناغم مع تحرك عزت ومنير السريع يحاول أن يدرك الجبهة الثانية قبل أن تنفلت من يديه تماما، وهى مرشحة بقوة لذلك باعتبارها العنوان الحقيقى لأزمة التنظيم فى مصر التى يلعب الزمن فيها لغير صالح «جبهة محمود عزت»، فالأجيال الشابة والجديدة داخل الجبهة الثانية ضربتها تجربة كبيرة وعميقة وثرية بأحداث هائلة وفارقة بكل ما تعنيه تلك التوصيفات، فهم الذين تأثروا وتشكلوا على وقع المتغيرات السياسية المختلفة والفارقة التى بدأت فى ٢٥ يناير ٢٠١١م وامتدت بفصولها حتى الوصول للتاريخ الحالى فى يونيو ٢٠١٦م، وما بين التاريخين تعددت الفصول الدرامية وتأرجحت بقوة زلزلت قناعاتهم التنظيمية وامتدت لتشمل واقعهم النفسى بعد الانهيار العظيم للجماعة الذى عايشوه وجها لوجه، هذه الجبهة فى معظم تشكيلها الآن هى من كانت إبان فصول التمكين الأولى فيما بعد ثورة يناير تحتل النوافذ الإعلامية للتنظيم والعديد من المكاتب الإدارية بالمحافظات، دخلت سريعا بعد عامين فقط فى مأساة داخلية عقب الإطاحة بحكم الإخوان، لتجد نفسها ترفع سلاح العنف فى مواجهة المجتمع بكامله، فمنذ «اعتصام رابعة المسلح» وما عاصره واتبعه من دفع التنظيم لممارسة العنف، انزلق هذا الجيل إلى أحضان تنظيمات عنف مسلح صريح بدأ يعلن عن نفسه بالشارع مثل تنظيمات «أجناد مصر، كتائب حلوان، ولع، مولوتوف”، وهناك العشرات من عمليات الإرهاب والقتل والترويع مسجلة باسم تلك التنظيمات التى شكل أعضاء هذا الجيل الجديد معظم عناصره، وعلى سياق مواز لذلك كانت الاتهامات تخرج من هؤلاء صراحة للمرة الأولى فى عمر التنظيم تجاه القيادات التاريخية بتحميلهم مسئولية الإخفاق والفشل، باعتبار أن نهج هؤلاء نهجا سلميا نفعيا يستهدف الوصول للحكم بعقد الصفقات والمواءمات، بل وتمادى ليصل إلى اتهام البعض بالعمل لحساب الأجهزة الأمنية من أجل السيطرة على التنظيم، وكان طرحهم البديل مباشرا فى اتجاه المقاومة والمواجهة المسلحة، وهذا يدفع التنظيم والجماعة لانتزاع حقوقهم «الافتراضية» من المجتمع بالقوة.


إدارة الصراع مع الدولة على هذا النحو بقدر ما هو يشكل خطرا تدرك أجهزة الدولة خطورته وتتحسب وتتجهز له بالفعل وتعمل عليه، يدفع فى نفس الوقت التنظيم وجماعة الإخوان لأخطار محدقة أقرب للكارثية والمصيرية فى تاريخه بأكمله، أو فى أخف الافتراضات يقف به على حافة «الانقسام التام» ليتحول إلى تنظيمين لا علاقة لأحدهما بالآخر سوى الاسم أو العضوية الافتراضية، وهذه النتيجة الأخيرة تقبع الآن كشبح لكارثة تنظيمية لم تواجه الجماعة حتى فى أحلك محطاتها التاريخية، مما استدعى مراهنة أخيرة على ما سمى دوما بـ”صقر التنظيم” محمود عزت لمجابهة هذا الخطر بخطط عاجلة وتحركات وتكتيكات لاستدراك هذه الجبهة أو هذا الجيل بقياداته وأطروحاته قبل انفراط العقد، وتقديم كل التنازلات المطلوبة لأى من الأطراف التى يمكنها ترميم الحوائط التى توشك على السقوط فوق رأس الجميع، والاستعانة أيضا بكل كروت القوة والنفوذ الداخلى والخارجى من أجل صياغة مشهد جديد يحمل ضوءا ما فى نهاية نفق مظلم يقف فيه التنظيم اليوم.


....... هذه العناوين الأخيرة ربما تشكل برنامج عمل للمرشد الجديد الذى يتقدم للمشهد فى أحلك أوضاعه، محاولا إنقاذ الأسطورة التى فقدت بريقها وسطوتها كثيرا بعد العديد من المحطات التى استعرضنا لها فى تلك الدراسة، والتى لم تؤشر حتى الآن على ملمح نجاح متوقع طالما بقى التنظيم والجماعة فى الجانب الآخر من الطريق، لم يدرك فساد الفكرة أو الأصول ولم يقف فى موقف الحساب العسير للنفس، على طول ما اقترفه من إثم بحق الوطن وبحق أعضائه وبحق الدين الذى يتلفع زائفا ومزورا بردائه وهو البرىء من التنظيم وأهدافه بالمطلق وبالنصوص وبكل المعلوم بالضرورة.. والله وحده من وراء القصد.