قراءة جديدة لمراحل تطور ودور العسكرية المصرية

05/07/2016 - 9:37:49

  محمد على اهتم اهتماماً خاصاَ بتأمين مصر ومشروعها السياسى بالجيش القوى المدرب الحديث محمد على اهتم اهتماماً خاصاَ بتأمين مصر ومشروعها السياسى بالجيش القوى المدرب الحديث

بقلم - عميد: طارق الحريرى باحث فى شئون السلاح والاستراتيجية

كان التصنيع الحربى أحد الروافد الرئيسية لارتقاء التصنيع فى مصر فى ذلك العهد، فلقد تأسست إستراتيجية بناء الجيش على أن تقوم الدولة بتصنيع احتياجاتها من السلاح وكانت النظرة الثاقبة لمحمد على هى أنه لا يجب أن يكون جيش مصر تحت رحمة الدول الأجنبية المنتجة للسلاح، وهكذا بدأت عمليات تصنيع للمعادن على نطاق واسع من سبك وصب وتشكيل لصناعة البنادق والمدافع والسيوف بكميات ضخمة تكفى احتياجات الجيش، سواء كانت القوات البرية أو البحرية،


ونظرا لأن الذين انخرطوا فى صفوف الجيش بلغ عددهم قرابة ٢٥٠,٠٠٠ (مأتان وخمسون ألف فرد) أقيمت الفابريكات لتصنيع الملابس اللازمة لهذا العدد الهائل بمقاييس ذلك الوقت، وهكذا خطت مصر نحو نقلة نوعية وكمية غير مسبوقة فى مجال التصنيع الذى تمدد لتغطية كافة احتياجات البلاد غير العسكرية، أما عن الصناعات الحربية التى تم إنشاؤها فقد بلغت مستوى من الإتقان والجودة يضاهى أعظم ما يصنع لجيوش ذاك الزمان مما أبهر الجنرال «أوجست مارمون» من أشهر قادة جيش نابليون وعضو الأكاديمية الفرنسية للعلوم، فعبر عن ذلك قائلا كما جاء فى كتاب للأمير عمرطوسون «زرت دار الصناعة وعنيت بها فحصا وتقصيا، فالفيت البنادق التى تصنع فيها بالغة من الجودة مبلغ ما يصنع فى معاملنا وهى تصنع على الطراز الفرنسي، وتتخذ فيها الاحتياطات والوسائل التى نستعملها نحن لضمان جودة الأسلحة، وتتبع النظام نفسه الذى نتبعه نحن فى تصريف العمل وتوزيعه والرقابة عليه، وكل ما يصنع فيها يعمل قطعة قطعة، ومعمل القلعة يضارع أحسن معامل الأسلحة فى فرنسا من حيث الإحكام والجودة والتدبير» وتلخيصا يمكن القول أن الصناعات الحربية وقتها تمثلت فى المجالات والأماكن الآتية:


كان المركز الرئيسى للصناعات الحربية ترسانة كبيرة ممتدة فى منطقة القلعة بلغت من علو شأنها أنه عندما اندلع بها حريق خرب معظم أجزاء الترسانة وهدم نحو خمسين منزلا من المنازل المجاورة للقلعة وقتل فى هذه الكارثة نحو أربعة آلاف شخص، وكانت أهم الصناعات فى هذه الترسانة صناعة البنادق الذى يعمل به ٩٠٠ عامل ينتجون ٦٥٠ بندقية كل شهر تكلفة كل بندقية اثنا عشر قرشا مصريا وكان لرؤساء العمال مرتبات ثابتة، أما العمال فتدفع لهم أجور يومية، ولأن السيوف كانت تستخدم على نطاق واسع فى جيوش ذلك الوقت ألحق بهذا المصنع قسم لإنتاج السيوف والرماح للفرسان وحمائل السيوف وحقائب الجنود وكل ما يلزم لتسليح الجنود من المشاة والفرسان وحاجة الخيل من اللجم والسروج وغيرها.


وكان أعظم مصانع هذه الترسانة مصنع إنتاج المدافع الذى كان يستهلك كميات لم يسبق لمصر أن استهلكت مثلها من قبل من الفحم والحديد وحاز هذا المصنع عناية خاصة، لأنه كانت تتم فيه الصناعة الأكثر ثقلا من خلال عمليات صب المدافع، حيث كان يصنع فيه كل شهر من ثلاثة إلى أربعة مدافع من عيار أربعة وثمانية أرطال، وتصنع فيه أحيانا مدافع الهاون ذات الثمانى بوصات ومدافع يصل قطرها إلى ٢٤ بوصة. وكان بترسانة القلعة مصنع البارود وتسبب تخزينه بها إلى الكارثة التى وقعت فى المنطقة، لهذا نقل مصنع البارود إلى المقياس بطرف جزيرة الروضة وروعى فيه أن يكون فسيحا وبعيدا عن المناطق السكنية وتبعه عدة معامل فرعية فى أهناسيا والفيوم والبدرشين والطرانة، وإمعانا فى الأمان أقيم مخزن البارود والقنابل فى سطح جبل المقطم، ومع ازدياد عدد القوات أنشأ مصنع آخر للبنادق فى الحوض المرصود كان ينتج ٩٠٠ بندقية كل شهرمن مختلف الأنواع، فمنها ما يلبى حاجة المشاة، وبالمثل ما هو مخصص للفرسان أوللطوبجية (المدفعية) تماشيا مع الأسلوب المتبع فى الجيش الفرنسى، وفى إطار الصناعات الحربية أقيمت الترسانة البحرية فى الإسكندرية بعد معركة نافارون التى شاركت مصر فيها لمساعدة السلطان العثمانى ضد الدول الكبرى، وهى المعركة التى خسرت فيها مصر عددا كبيرا من سفن أسطولها، ووقتها استقر عزم محمد علي على إنشاء ترسانة لصناعة السفن، حتى لا يعتمد على شراء السفن الحربية من الغرب، مما كان يكبد خزينة الدولة مبالغ كبيرة بسبب استغلال السماسرة ومغالاة الدول المنتجة، وتم استقدام الخبراء على أعلى مستوى لبناء الترسانة البحرية، وأرسلت بعثة إلى فرنسا لإعداد الكوادر وهى البعثة التى ضمت رفاعة الطهطاوى وخصص فى ترسانة القلعة مصنع لإنتاج ألواح النحاس التى تبطن بها السفن الحربية لوقايتها، وكانت هذه الترسانة لا تقل عن مثيلاتها فى الدول الكبرى وصنع فيها أسطول كان واحدا من أعظم أساطيل ذلك الزمان.


ثالثا: الحصون والاستحكمات


اهتم محمد على بوضع خطة محكمة لحماية ثغور البلاد، وتجلى ذلك بإقامة عدد ضخم من القلاع والاستحكامات للدفاع عن الدولة فأصلح قلعة صلاح الدين بالقاهرة وطور من إمكانياتها وحسن خدماتها وسلحها بالمدافع وبنى على مقربة منها قلعة أخرى مقابلة أعلى جبل المقطم تعرف بقلعة محمد على، وأمد طريقا صاعدا لها من قلعة صلاح الدين لتكون هذه القلعة كاشفة لنطاق حول القاهرة لم يكن يغطى فى مجال الرؤية من قبل وأصلح قلاع الإسكندرية وأنشأ عددا كبيرا آخر بها وفى تخومها فاستدعى لهذا الغرض مهندسا حربيا من فرنسا متخصصا فى فنون الاستحكامات يدعى «جليس وأنعم عليه برتبة البكوية وكلفه بدراسة سواحل مصر ووضع مشروع لحصونها واستحكاماتها ولبيان ضخامة هذا المشروع يكفى الإشارة إلى أن الإسكندرية وحدها كان بها ٢٧ من القلاع والاستحكمات فى مواقع طابية قايتباى وكوم الناضورة والدخيلة والسلمية والمكس والقمرية وطابية أم كبيبة والملاحة القديمة والملاحة الجديدة ومسلة فرعون وقبور اليهود القديمة وقبور اليهود الجديدة وبرج السلسلة وباب شرقى وصالح اغا وباب سدرة وكوم الدماس والاطلة والفنار الكبير والفنار الصغير والتراب والاسبتالية الجديدة والاستبالية القديمة وخلف منزل الفرنسيس والمفحمة، بالإضافة إلى حصون أبى قير فى مواقع قلعة أبو قيروطابية كوم الشوشة وكوم العجوز والسد نمرة والسد نمرة ٢ والسد نمرة ٣ والسد نمر٤ وانتشرت الحصون والاستحكمات فى كافة المدن والمواقع الساحلية ذات الأهمية ومنها دمياط ورشيد والبرلس.


قوة الجيش


بلغ حجم الجيش الذى كان عماده الجندى المصرى فى عهد محمد إلى حد غير مسبوق ونمت قواته عددا وتسليحا، ما جعله الجيش الذى يشار إلى مكانته بعد جيوش الدول الكبرى وتألف هيكله من:


قوات لمشاة:


وكانت تتكون من ٣٠ ألاى فى كل ألاى ٤ أورطة (٣ للصف، ١ للاستكشاف). تتكون أورطة الصف من (٤ بلوكات) كل بلوك يتألف من ١٦٠ جنديا و٨ جاويش و١٦ أومباشى و٤ ترمبتجى «ضارب الطبل». ويقود الأورطة خمسة ضباط. فيما تتكون أورطة الاستكشاف من (٣ بلوكات) كل بلوك يتألف من ٢١٨ جنديا. وكان يتم اختيار جنود المشاة من الشباب الأقوياء أصحاب اللياقة البدنية العالية وسرعة العدو.


الفرسان:


كانت تتكون من ٢٠ ألاى (٨ ألايات منها تستعمل الدروع) فى كل ألاى ٦ أورطة (٥ للرماح، ١ للقربينات «بندقية قصيرة»)، كل أورطة تتكون من ١٣٦ جنديا يقودهم ٥ ضباط.


المدفعية:


كانت تتكون من مايوازى ٣٠ ألاى ثمانية منها مستقلة والباقى صلب تنظيم مع وحدات المشاة والفرسان، ويتكون الألاى المستقل من ١٢ بطارية (٣ راكبة، ٦ للاستحكامات، ٣ للميدان)، حيث يتكون ألاى المدفعية الراكبة من (٦ بلوكات)، بينما يتكون ألاى المدفعية المشاة من (١٨ بلوك).


قوات المهندسين: ٤


وكانت تتكون من ٤ أورطة كل أورطة تتكون من ٨ بلوكات (١ للألغام، ١ للكبارى والجسور، ٦ لحمل البلط «بلطاجية»). وتقوم تلك الأورط بإنشاء الحصون والاستحكامات والمعسكرات وعمل الجسور والكبارى والطرق واستغلال الغابات والمناجم.


القوات البحرية:


تكونت القوات البحرية من السفن مختلفة الأحجام مثل الغليون أو القباق، وهو أكبر أنواع السفن البحرية القديمة حجماً يصل عدد مدافعها إلى مائة وستة وثلاثين مدفعاً كبيراً وصغيراً قوتها من الأفراد حوالى الألف بحار وتوازى الآن «البارجة» والفرقاطات وهى القطعة التالية للغليون وتحمل ٦٤ مدفعاً كبيرا وصغيرا و٥٠٠ جندى ويقابلها الآن «الطراد» والقراويط وهى أقل من الفرقاطة وأكبر من الإبريق وتحمل القرويطة من ٢٢ إلى ٤٥ مدفعاً كبيراً وصغيراً وقوتها ٢٠٠ بحار والأباريقو الإبريق هو مركب حربى له صاريان مربعان ويحمل من ١٦ إلى ١٨ مدفعا صغيراً و ١٠٠ بحار، أما الغولتات مركب حربى ذو صاريتين وهو ضيق وطويل خفيف الحركة ويحمل ٢٢ مدفعاً صغيراً و١٠٠ بحار وأخيرا الكواتر وهو زورق كبير يتصف بالسرعة و يحمل ١٢ مدفعا صغيراً ومن ٣٠ إلى ٥٠ بحارا.


وعندما علم محمد على أن أوربا أدخلت البخار فى سفن أساطيلها أمرعلى الفور ترسانة الإسكندرية ببناء مجموعة من السفن البخارية الحربية والتجارية، وفى المجال الحربى ألحق بالأسطول ٣ فرقاطات بخارية مدرعة تسليحها ٣٦ مدفعا وهى فرقاطة النيل بخارية أنشئت كاملة فى بريطانيا وفرقاطة حديدية بنيت فى أوربا وركبت آلاتها فى مصر، وأخيرا الفرقاطة الشرقية التى بنيت كاملة فى مصر وصفحت وركبت آلاتها بقوة ٥٥٠ حصانا فى بريطانيا.


تعداد الجيش


كان آخر إحصاء للجيش المصرى فى ذلك العهد الذى تم عام ١٨٣٩ وقد أورده كلوت بك فى كتابه «لمحة عن مصر» وبناء على إحصاء كلوت بك الذى كان ذا مكانة نافدة وفرت له ما يلزم من وسائل التحقيق والتمحيص كانت أعداد الجنود كالتالى:


جنود نظامية من مشاة وفرسان ومدفعية ١٣٠٢٠٢ جندى غير نظامية (باشبوزق) ٤١٦٧٨ جنديا الرديف ٤٧٨٠٠ جندى عمال الفابريقات المدربون على القتال ١٥٠٠٠ جندى طلبة المدارس الحربية الجاهزين للقتال ١٢٠٠ طالب، وبذلك كان إجمالى جنود جنود البر فى هذا العام ٢٣٥٨٨٠ جنديا، يضاف إليهم جنود البحرية وكان يقدرعددهم بحوالى ٣٠ ألف جندى ليصل بذلك الإجمالى العام للجيش المصرى فى عام ١٨٣٩ إلى قرابة ٢٧٠ ألف فرد ما بين جندى وضابط صف وضابط، وكانت تعداد السكان فى هذا التوقيت يقارب ثلاثة ملايين ونصف نسمة أى أن نسبة المنخرطين فى الخدمة العسكرية كان يقارب ٧.٨ ٪ من قوة السكان وهى نسبة كبيرة للغاية بلغة العصر، إذ يبلغ تعداد جيش الولايات المتحدة الأمريكية أقوى جيش فى العالم الآن مليون و٤٠٠ ألف فرد بينما إجمالى عدد السكان ٣٢٤ مليون نسمة، وبذا تكون النسبة بين المنخرطين فى الخدمة العسكرية من إجمالى عدد السكان ٠.٤٣ ٪ تقريبا، وقد بلغت نفقات الجيش المصرى فى ذلك العام ٧٥٤٦٠٤ جنيهات مصرية فى وقت قاربت فيه إيرادات الدولة أقل قليلا من ثلاثة ملايين جنيه وكانت حوالى ٢.٨٥٠.٠٠٠ أى أن إجمالى نفقات الجيش بالنسبة لإجمالى إيرادات الدولة كانت ١٩.٦ ٪ مما يعنى أن الجيش كان يستهلك حوالى ٢٠٪ من إيرادات الدولة وهو رقم فادح تحت أى مسمى بمقاييس ذاك الزمان وأى زمان فى إنفاق الدول وإذا كانت طموحات محمد على فى التوسع وبناء إمبراطورية وراء الإنفاق العسكرى، إلا أنه كان لهذا التوجه مردود هائل على تحولات البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فى الواقع المصرى.