أبطال دراما رمضان قتلة وخونة وإرهابيون وعاهرات!! .. أفراح القبة .. عمل يشى بأنه خارج السياق

03/07/2016 - 9:57:26

كتب - د. حسن عطية

ها قد مرت الأيام ، ووصلنا لنهاية الشهر الفضيل ، الذى انفردنا دونا عن العالم أجمع بمنح اسمه للدراما المعروضة على الشاشات العربية خلاله ، وها هى مسلسلاته تكشف عن أسرارها وخباياها ومصادرها وقيمتها ومواطن خللها ، وها قد استقر كل مواطن على عدد الأعمال التى تستطيع قدراته ووقته متابعاتها والتقاط حكاياتها والتنقل بين شخصياتها المبعثرة بين حشو الكتاب لزيادة حجم المسلسل وفواصل الإعلانات لزيادة حجم العائد المادى منها .
آلة الاعلان الضخمة
لقد تم بنجاح "تسليع" الدراما ، وتحويلها لسلعة تجارية تباع لجمهور صنعته الآلة الإعلانية الضخمة لاستهلاكها بتعطيل عقله وشل استمتاعه بالفن ، وذلك بالتركيز على إثارة مشاعره السطحية ورغباته الشهوانية نحو جرائم القتل والخيانة وبيع الجسد ، مع دعمها بإعلانات الشحاذة المحيطة والمتخللة لوقائع المسلسلات متباكية على الأمراض الخبيثة والثكالى وأبنائهم ، والإلحاح على التبرع للمستشفيات ودور الأيتام ، لتزداد حمي الاهتياج النفسي ، ويتأجل التفكير فيما نعيشه ، وينقضى شهر رمضان دون أن ينتبه أحد له ولما وقع خلاله من أحداث ، بعد أن تقلصت بصورة كبيرة المواد الإخبارية على الشاشات ، وأمسكت الحكايات المسلسلة والإعلانات بتلابيب الجمهور منذ رفع أذان المغرب حتى مغرب اليوم التالي ، دون أن نمنحه عشر دقائق على الأقل لتناول فطوره كما كنا نفعل زمان .
حكايات القتل والخيانة
تغرق الدراما هذا الشهر فى حكايات القتل والخيانة والمرض النفسى ، وينتبه البعض لغياب ما يعرف بالدراما الدينية ، التى حصرناها فى استعادة ما حدث فى زمن صدر الإسلام أو فى القرون الوسطي العربية ، أو فى تتبع مآثر علماء الدين ، باعتباره زمن الانتصارات الدينية ، واعتبارهم رموز الماضى المجيد الذى علينا الاقتداء بهم ، والسير على هدى السلف الصالح ، دون انتباه إلى أن الدراما الدينية قد تعنى أكثر من بعث الماضى بالقيم الدينية السمحة التى يحتاجها الحاضر ، وبدعوات التفكير لصنع واقع أفضل لهذا المجتمع متعدد الديانات والطموحات ، وهى القيم التى من الأفضل أن تتجلي فى الأعمال الاجتماعية ذاتها ، لتتحول من موضع النصح والاحتذاء بالماضى إلى موضع السلوك الحياتى والتأمل فيما نعيشه .
والأمر كذلك مع الدراما التاريخية ، التى يفتش البعض عنها فى الإنتاج المصرى ، دون أن يجهد نفسه فى البحث عن أسباب غيابها للتكلفة الإنتاجية العالية التى تتطلبها مسلسلات هذه الدراما ، والتى تعود فى أغلبها للديكورات والملابس والتصوير فى أماكن مازالت تحتفظ بطابعها التاريخي ، وهو ما يعد خصما من أجور النجوم الذين يهتمون بعائد التمثيل دون النظر لجنس أو موضوع أو حتى رسالة الدراما ، أضف إلى ذلك أن كتابة الحوار فى الدراما التاريخية قد استقر الأمر علي أن يكون بالفصحى ، لقدرتها على الابتعاد بمتلقيها عن واقعه الراهن بلهجاته المتعددة ، والإيهام بتاريخية ما يراه حاضرا على الشاشة ، وحقيقة ما يتتبعه من أحداث وشخصيات ، تتطلب من الكاتب جهدا كبيرا فى توثيق مادته ، وجهدا مماثلا فى كتابة لغة عربية لا علاقة لها كثيرا باللغة التى كانت سائدة فى أزمنة وأمكنة المسلسل التاريخي ، بقدر ما هى لغة تنحو نحو التجانس وتحقيق استيعابها فى كافة أرجاء الوطن العربي بأقاليمه اللغوية المتعددة ، التى أمسكت بألسن أبنائها ، وبخاصة الأجيال الشابة من الممثلين ، التى لم تعد قادرة على النطق السليم باللغة الفصحى ، بعد أن فسدت هذه اللغة فى مدارسنا وجامعاتنا وحتى معاهدنا الفنية .
خزعبلات دافنشى
لم ينتبه الباحثون عن الدراما التاريخية ، وهم ينتقلون من قناة لأخرى ، إلى وجود مسلسل تاريخي شديد الأهمية ، يبث على عدة قنوات عربية ، مما تذيع المسلسلات المصرية التى عمقت وجودها التاريخي أمام الجمهور العربي بحضور ضخم من النجوم العرب ، وهو المسلسل الأردنى المتميز (سمرقند) للكاتب "محمد البطوش" وإخراج "إياد الخزوز" ، والذى يعود بنا لأواخر القرن الحادي عشر وأوائل الثاني عشر الميلاديين ، مقدما مواجهة بين العالم الفيلسوف الشاعر "عمر الخيام" والإرهابى "الحسن الصباح" مؤسس جماعة الإسماعيلية ذات الرؤية والأفعال المؤسسة للفكر الداعشى اليوم ، وقد وصل المسلسل إلى ما يقترب من النهاية، ولمن فاته لحم نصفه الأول فعليه بمرق نصفه الثانى ، وقد وفر اليوتيوب وشاهد وغيرهما كل حلقات هذا المسلسل وغيره منزوعة الإعلانات ، كى يمكن لمن يمتلك اشتراكا فى الانترنت أن يراجع ما انفلت من أمام عينيه فى زحمة الأيام الأولى من رمضان ، وأن يعاود التأمل فى الدراما التليفزيونية التى لم تعد عند المتطورين بها مجرد حكاية تجسدها شخصيات فى مواقف متتابعة ، بل صارت فنا مرئيا سمعيا يتأسس على المفهوم الصحيح للدراما ، ويتحرك فى مسارات زمنية متعددة ، وتتعرج حركة وقائعه لتنتقل شخصياته بين الأزمنة فى حرية كاملة ، فيبدأ الموقف من تفجير سيارة (رأس الغول) ، ربطا بالصورة والمونتاج بين موبايل يضغط بطل المسلسل عليه لحظة تفجير السيارة ، فيتصور المتلقى أنه فاعلها ، ثم يعود بنا أربع وعشرين ساعة للخلف كى يزيل اللبس الذى أحدثته الصور المتلاحقة عمدا ، مبرئا البطل أمام جمهوره ، ومدينا إياه أمام الشرطة ، كى يتسنى لها مطاردته طوال المسلسل ، ويتسنى للجمهور التعاطف مع بطله المطارد دون ذنب جناه .
وتشكل المطاردة عقب وقوع تفجير لسيارة أو العثور على جثة قتيل أبرز ملامح الدراما الاجتماعية هذا الشهر ، والتى تمت صياغتها بصورة ميلودرامية تجعل جمهورها - فى تصور صناعها - يلهث وراء مرتكب جرائم القتل لمعرفة القاتل ومن وراءه ، وقد بدأت عدة مسلسلات باكتشاف جريمة قتل فى شقة بوسط البلد دون معرفة القاتل تتلوها جريمة قتل ترتكبها عاهرة وأختها ثم تخفيان الجثة كما فى (الخروج) ، أو باكتشاف جريمة قتل ثنائية لزوج ممدد عاريا على الأرض وشقيقة زوجته مستلقية على الفراش وإلى جوارهما الزوجة المتهمة بالقتل والتى تصاب بلوثة عقلية وفقدان للذاكرة المرتبطة بالحادث كما فى (سقوط حر) ، أو بمتابعة شبقة لزوجات يخن أزواجهن مع أصدقائهم ، واستغلال الصديقات لسيديهات الأطباء النفسيين المسجلة لاعترافات صديقاتهن المرضى للإيقاع بهن كما فى (فوق مستوى الشبهات) .
دور المبدع وقراءة الواقع
صحيح أن المجتمع المصرى خاصة ، والعربي عامة ، قد أصابته الإحباطات فى مقتل ، واغتال الواقع أحلامه ، واختلت الرؤي أمام ناظريه ، فأصيب بالعديد من الأمراض النفسية واللوثات العقلية التى ألقت به فى آتون التطرف وتفجير الذات ، ولكن دور المبدع ليس مسايرة ما هو سائد ، بل قراءة الواقع الذى يعيشه قراءة معمقة ، تدفعه للتصدى له ، والانتقال من مرحلة نقل الواقع إلى مواجهته ، فلا يكتفى باستثمار هذه الأمراض وحبس أصحابها فى مصحات نفسية (سقوط حر) أو فى السجون ليستغلها بعض المسئولين فى السيطرة على عقل إنسان شديد الذكاء (هى ودافنشى) بأفعال تقع فى منزلق الخزعبلات .
البامبو والقبة
أدت هيمنة التجارة على إنتاج المسلسلات التليفزيونية إلى تحولها إلى مجرد حكايات متداخلة ومتفرعة لحواديت جانبية ثقيلة الإيقاع على الشاشة ، ويمكن حذفها بسهولة دون أن يحدث أى خلل فى مسيرة المسلسل ، وذلك بعد أن فقدت هذه المسلسلات أهم خصائصها المتصفة بها وهى الدراما المتماسكة والقائمة على حدث يغير من مصائر الشخصيات ، ويدفع الجمهور إلى التفكير فيما ينبغي عليه فعله لو واجه فى الواقع مثل هذا الذى حدث للشخصيات فى الدراما ، وهو ما تأسست عليه المسلسلات المعدة عن روايات سابقة ومعروفة ، يتقدمها المسلسل الكويتى (ساق البامبو) للمخرج "محمد القفاص" والمعتمد على رواية بذات الاسم للكاتب "سعود السنعوسى" الحاصل بها على جائزة البوكر العربية ، وصاغ لها المعالجة الدرامية وتكويت الحوار بنفسه ، بينما كتب لها السيناريو والحوار الناقد المصرى "رامى عبد الرازق" فى أول أعماله الدرامية على الشاشة ، ويتميز هذا المسلسل بقدرته على الابتعاد عن الموضوعات المطروقة فى الدراما العربية ، وطرحه لموضوع شديد الأهمية فى المجتمع الكويتى اليوم ، الذى بات يستشعر فداحة فقدانه لهويته العربية أمام تعدد الأعراق والأجناس واللغات التى تجتاحه ، وتباين مستوياته الاجتماعية والثقافية ، فضلا عن اقترابه من موضوع آخر شديد الحساسية فى الكويت أيضا وهو المتعلق بشرائح (البدون) التى تعيش وتعمل فى مجتمع يفرق بينها والأصلاء بالمجتمع ، وذلك بعد أن تصورت عائلة كويتية ثرية أنها تخلصت من عار زواج ابنها من خادمة فلبينية لديها وإنجابه منها ، وذلك بطردها ووليدها خارج البلاد ، لكن بعد نحو عقدين من الزمان يعود الطفل شابا ، كويتى الأصل بملامح فلبينية ، مسلم النسب باعتناق للمسيحية فى سنواته الأولي ، يحمل اسم "عيسى" الذى منحه إياه والده تيمنا بحضور هذا الاسم فى شجرة عائلته ، وفى نفس الوقت يحمل اسم (خوسيه) الذى عرف به فى مجتمع والدته ، ويقبل على مجتمعه الذى يرى أنه منتم إليه ، بينما جزء كبير من عائلة أبيه المختفى - موتا فى الرواية ، أسرا فى المسلسل - يرفض انتماءه إليه وإلى وطنه .
يحتاج مسلسل (أفراح القبة) للمخرج "محمد ياسين" لمشاهدة خاصة وقراءة مستقلة ، ليس لما أثير حول كاتب السيناريو والحوار والمعد الدرامى لوقائع رواية "نجيب محفوظ" شديدة الثراء المعنونة بذات الاسم ، والقول بأنه الكاتب النابه الموهوب "محمد أمين راضى" ، الذى كتب عدة حلقات ثم أنسحب من المسلسل ، فقام المخرج مع آخرين بكتابة ما شاهدناه حتى الآن على الشاشة ، ورغم أهمية كاتب السيناريو وحقه فى توثيق وتأكيد انتساب إبداعه إليه ، غير أن ما يهمنا هنا والآن فقط هو بالفعل ما شاهدناه على الشاشة من بناء درامى مختلف عما هو سائد ، ومن حرفية إخراج تهتم بإبراز المشاعر المتناقضة داخل النفس الإنسانية ، وبتنقل بارع بين النص (الدرامى) المعد داخل الرواية للعرض المسرحي ، والنص (الروائى) الذى يحكى عن هذا النص الدرامي ، وتداخل شخصيتهما معا ، فهى نفس شخصيات فريق العرض التى تقدم دراما عاشتها بنفسها فى الواقع ، وذلك داخل بناء يخدعك بواقعيته وزمن حدوثه فيما بين ستينيات وسبعينيات القرن الماضى ، بينما هو يحلق خارج الواقع المادى ، ليناقش قضايا فلسفية وروحية مختلطة بالفن والسياسة والموت ، فى غير اهتمام كبير بجريمة قتل الممثلة الصاعدة "تحية عبده" ، كما انشغلت بقية مسلسلات الجريمة والتشويق الأخرى ، فهو منشغل فى الأساس ، حتى الآن على الأقل ، ببناء عالم تحكمه إرادة صاحب ومدير فرقة (الهلالى) الخاصة ، ليس له شبيه مهنى فى الواقع المصرى فى زمن الوقائع ، يسيطر على كل أفراد فرقته ، ويفرض عليهم نصا عليهم تنفيذه مهما تجرأ البعض بإعلان رفضه له دون قدرة على رفض تجسيده ، وتنعكس إرادته الحديدية على علاقات الجميع المتصلين وغير المتصلين به .
هو عمل يشى بأنه خارج السياق الدارج ، ويوحى بأن العملة الجيدة ستظهر وستبقي مهما حاصرتها وحاصرتنا العملات الرديئة.